الغراب - صوب الإشراق !!! - بقلم عبدالرزاق الناوي | روايتك

اسم الرواية: الغراب
المؤلف / الكاتب: عبدالرزاق الناوي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: صوب الإشراق !!!

صوب الإشراق !!!

_ ألم تشتق لأمك يا عيسى ؟؟ سؤال مباغث من العم ادريس بينما يحفران حوض الأشجار ! نزل السؤال كالصاعقة على قلب الشاب الأسمر الذي اشتاق لأمه فعلا ؛ لقد فتح عينيه فلم يجد غيرها ، وحدها اعتنت به و أخذت على عاتقها مسؤولية رعايته ، لم يعش بجوارها طفولة جيدة ، لم ينعم بحنان الأمومة كما كان يستحق ، لم تدرسه و لم تجعله يعش طفولة جيدة كباقي أقرانه لكنها كانت سنده الوحيد ، عاشا معا و حاربا لوحدهما دون مساعدة أي أحد . ياقوت ليست من أحسن النساء لكنها الشخص الوحيد الذي رافق الغراب في رحلته التي لم تكن سهلة مطلقا ، حاربا من أجل البقاء ، قاتلا الظروف و تجندا ضد التشرد و الحرمان ، كانت درعه و هو سلاحها ، استطاعا معا ضمان حياة لم تكن مثل أحسن الناس ؛ بل ليست كأبسطهم لكنها كانت أحسن من حياة المتشردين الذين لم ينعمو بدفئ البيت و لم يجربو النوم فوق سرير مريح و لا تحت بطانية دافئة . كيف يمكن لعيسى أن لا يشتاق لأمه ؟؟ _ كلا !! _ عندما ودعتها لم تكن في حالة جيدة ، لقد حان الوقت لتزورها و تتطمأن على حالتها الصحية ، هي الأخرى ستكون قد اشتاقت إليك كثيرا !! _ إنها تشتاق للمال فقط !! _ لا تقل هذا يا ابني !! الأمومة شيء عظيم فعلا ، ربما لم تعاملك بطريقة جيدة لكنني متأكد من انها تحبك ، هناك أناس يتظاهرون بالقوة و القسوة ، يظنون أن الحنان ضعف و العطف انهزام ، أنت لا تدري كيف أمضت ياقوت طفولتها و كيف كانت تعامل بقسوة و عدوانية !! _ و من أخبرك بهذا ؟؟ أتعرف ياقوت ؟؟ _ نعم أنا أعرفها جيدا _ فقط لا تسألني كيف و لا منذ متى _ الحياة ستخبرك بكل شيء . ما أطلبه منك الآن هو أن تذهب و تزور أمك و تتطمأن عليها !! قال ادريس هذا و ذهب قبل أن ينطق الغراب بأي كلمة ، لقد أوقعه في بحر من الحيرة و الأسئلة التي بدأت تتهاطل بغزارة على رأس عيسى ، من أين يعرف هذا الرجل أمه و كيف يعرف تفاصيل طفولتها و غيرها من الأسئلة التي جعلت عيسى يسافر خارج عالمه نحو عالم الحيرة و الغموض !!! بعد بضع دقائق ، وقف الغراب بسرعة ، رمى الفأس من يده ، لقد فكر في كلام العم جيدا و أدرك أن عليه الذهاب لزيارة أمه !! توجه صوب المسبح حيث اعتاد الحاج الجلوس بمعية جريدته كل صباح ، أخبره أنه يريد زيارة أمه ، رحب الحاج بالفكرة و سأل ما إن كان يريده أن يوصله لكن الغراب رفض و فضل الذهاب لوحده ، لا يحب الحاج إجبار الغراب على أي شيء لأنه يعرف طبعه و شخصيته المعقدة . طلب منه الإنتظار ثم أتى و معه ظرف به بعض المال ثم ناوله للغراب ، امسكه عيسى دون أن يتكلم ، إنه أجره لذا لا يحتاج لأسئلة سيما أنه بحاجته كي يعطي لأمه ما ستحتاجه لدفع إيجار البيت و اقتناء مستلزمات عيشها و التسديد لميلود الذي سيكون دفتره على وشك الإنفجار . ودع الغراب الضيعة صوب بيته و حيه و أمه التي اعتبرها السبب الرئيسي للعودة ، جلس على قارعة الطريق ينتظر مرور مركبة ما ، ينتظر و عقله خارج رأسه ، يخاف أن يدخل البيت فيجد أمه في حالة مزرية ، يتساءل هل أحسن التصرف حينما ودعها و هي في تلك الحالة الصعبة ، مذا إن كانت حالتها ازدادت سوءا بعد ذهابه ؟ هل حقا اعتنت بها رحمة كما يجب ؟ هل اصبحت بحالة جيدة الآن ؟ تمنى أن يطير لبيته كي يجيب على هذه الأسئلة . لم تتخلى عنه ياقوت رغم ظروفها القاهرة ، فهل يعتبر الغراب نفسه تخلى عنها حين ذهب و تركها وجها لوجه أمام مرضها و ضعف قواها ؟ لمح الغراب قدوم سيارة ، رفع يده علها تقف لأخذه لكن هذا لم يحصل ، جلس مجددا ينتظر قدوم أخرى ، ثم ها هي شاحنة محملة بمواد البناء آتية بعد نصف ساعة تقريبا ، وقفت لكن صاحبها اعتذر فلا مكان للغراب على مثنها ، لا تأتي مركبة إلا بعد فترة من الإنتظار و لم يقف أحدهم لأخذ الغراب معه و كأنهم يرونه شبحا أو وحشا سيقطع أعناقهم إن أخذوه معهم ! مرت خمس ساعات و لازال عيسى ينتظر الفرج ، أخيرا وقفت سيارة حمراء فاخرة ، لم يلوح عيسى بيده لتقف لأنه ظن أن مثل هذه السيارات لن تقف لأمثاله ، لقد أبت سيارات الخردة حمله فكيف تقف هذه ، وقف ينظر إليها بترقب ، ثم باغثه صوت صاحبها : إلى أين يا أخي ؟؟ أجابه عيسى : الإشراق !! _ حسنا تفضل إنه طريقي !! ركب الغراب بصمت في الكرسي الخلفي في صمت تام ، صاحب السيارة شاب وسيم في التلاثينيات ، يسوق بخفة و يرقص مع الموسيقى التي كادت تكسر رأس عيسى الذي انتظر بفارغ الصبر الوصول و التخلص من هذا الضجيج الذي لا يحبه أبدا !! ها قد وصل لحيه ، توجه صوب ميلود اولا ، سدد له دينه و اقتنى بعض المواد الغذائية و توجه صوب أمه ، طرق الباب و سمع صوتا أراح ضميره و هدأ من روعه ، صوت ما إن سمعه أدرك أن أمه بخير ، صوت خشن يظهر القوة و يعيد للغراب ذكريات ما قبل مرض أمه ، لقد ردت ياقوت بنبرة صوتها الحادة و كأنها تقول أيا من كنت أيها الطارق فلا مرحبا بك و لا سهلا " من على الباب ؟ " هذه هي الطريقة التي اعتادها الغراب حينما كان يطرق الباب . فتحت ياقوت الباب ، نظر إليها الغراب بملامح باردة كما اعتاد أن يلتقيها ، لكن في قلبه سعادة عارمة ، إن أمه بحالة جيدة ، واقفة على رجليها و لا تعاني من أي شيء ، لقد شفيت تماما و هذا أسعد عيسى كثيرا رغم أنه لم يظهر أي علامة تدل على ذلك . ياقوت هي الأخرى لم تعبر عن سعادتها برؤيته ، لقد استقبلته كالمعتاد ، العتاب و لا شيء غيره : أخيرا تذكرت أنني أمك !! _ كيف حالك ؟؟ أدارت المرأة القاسية ظهرها و قالت بكبرياء : أحمد الله !! لم يبالي الغراب بطريقة كلامها ، ما كان يهمه هو أن يجدها بحال جيد و هو سعيد لأجل ذلك ، سيرتاح باله الآن و لن يؤنبه ضميره بعد هذه اللحظة و هذا كان المراد !! دخل الغراب بيته ، وضع ما كان يحمل و ألقى بنفسه على السرير في ثعب و عياء شديدين ، تذكر شخصا آخر عليه رؤيته ، نعم إنها هي ، لقد اشتاق إليها كثيرا ، اتصل بها مرارا لكن رقمها مغلق منذ فترة و لا يعرف السبب !!!