الفصل 20
الفصل العشرون: مواجهة الظلال
عشية يومٍ حاسم، اجتمعت العائلة مجدداً في قاعة الاستقبال الكبرى التي شهدت سابقاً كثيراً من المواجهات. لكن هذه المرة لم تكن القاعة مزدانة بالبلور الكريستالي ولا بالستائر الثقيلة، بل كانت مضاءة بإضاءة خافتة توحي بشعورٍ مأساوي، وكأن الجدران نفسها تنتظر ما سيحمله هذا المساء من حسمٍ نهائي.
جلست ليلى ونورهان وجان في الجانب الأيسر، وقد بدا على الثلاثة إرهاق المعارك الماضية، لكنه كان إصرارهم أقوى من التعب. على الجانب الآخر، جلست مليكة وسط عددٍ من المحامين المستجدين والمستشارين، وعيناها تلمعان بمزيجٍ من الغضب والخوف.
دخل سنان وسيفينج بصمت، واحتدم الصمت حتى انكفتُ أقدام الكراسي على الأرض. اقتربت ليلى من وسط القاعة، نظرتها ثابتة:
– “السطور التي كُتبت هنا، والدماء التي سُفكت هناك… كل ذلك امتدادٌ للظلال التي بناها والدكم – وأنا – وضحاياكم. الليلة، سأضع النقاط على الحروف.”
صمت الجميع، ثم تكلمت مليكة بصوتٍ مخنوقٍ:
– “كفى هذا الانهيار، يا ليلى. لقد حركتِ الرأي العام، وفضحتِ بيتي… ولم تكفي الأدلّة، بل تريدين جرّي إلى الشارع.”
ابتسمت ليلى ببرودٍ:
– “ليس جرّاً إلى الشارع، بل تحريراً من الجدران التي حبسوني فيها باسمكم.”
تقدمت مليكة بخطواتٍ سريعةٍ، ونظرت في عينيها:
– “أنتِ لا تعرفين شيئاً عن التضحية. كل ما فعلتهُ – وزيدتُه من أموالي – كان لحمايتكم.”
قاطعتها نورهان، بحدةٍ لم تعهدها فيها من قبل:
– “حماية؟! أي حماية هذه التي طمست هويتي، وحرمت ابنتي من أمها؟ أي حماية هذه التي دفنتِ شقيقتي في مصحةٍ مزيفة؟”
سكنت مليكة للحظات، ثم صاحقت الأرض بقبضة يدها:
– “داريا… داريا كانت مجنونة! لو بقيت، لاقتلتنا جميعاً في غضبها.”
– “داريا لم تكن مجنونة، بل امرأةٌ مسلوبة الإرادة!” – صرخت ليلى. – “وستحاسبونها جميعاً!”
رفعت ليلى ملفّاً ضخماً وألقت به أمام مليكة، فتطايرت الأوراق بانفجارٍ خفيفٍ:
صور داريا وهي تُعامَل بالقوة في المصحة.
رسائل سرية بين مليكة والدكتور أرسين عن “التخلص منها”.
شهادة وفاة مزيفة مختومة بختم بلدية مزور.
ارتبكت مليكة، وتلاشت ملامح الثقة عن وجهها. التفتت إلى المحامين:
– “هذه وثائق مزورة…”
لكن جان قاطعها:
– “والأصوات المسجلة للممرضات تشهد على أنها حقيقية.”
صرخ أحد المحامين:
– “إنكم تفتعلون مزيداً من الدراما!”
وقبل أن يتمكن من تكملة كلامه، دخل كرم، الابن الأصغر، يلهث:
– “أمي، تم تسليم هذه الأدلة رسمياً إلى النيابة. وشملت الطلبات إطلاق سراح ليلى من أي قيود قانونية تعرض لها… وكذلك فتح تحقيق فوري في قضية داريا.”
انطلقت صيحاتُ القضاةِ من مكبرات الصوت في القاعة المجاورة، معلنةً وصول أمر استدعاء عاجل لمليكة والدكتور أرسين للتحقيق والتوقيف المؤقت.
تكسرت سكينة القاعة، وأخذت مليكة تهمس بارتباكٍ:
– “ما الذي فعلتُه…؟”
اقتربت نورهان منها وقالت برقةٍ حادٍ:
– “نهاية الحماية كانت نهاية الأكاذيب.”
---
خرج الجميع من القاعة أمام حشدٍ من الصحفيين الكامرين. ارتفعت الكاميرات صوب مليكة وهي تُقاد من قبل رجال الأمن، ورقصت دموع الخزي على وجنتيها. وقفت ليلى بجانب والدتها وجان، والشمس تغرب خلفهم بلطفٍ وكأنها تُضيء بداية عصرٍ جديد.
همست ليلى إلى نورهان:
– “إنها النهاية… لكن العدالة بدأت للتو.”
---