الفصل 17
الفصل السابع عشر: حين تتكلم الجدران
في أولى ساعات الفجر، انطلقت ليلى نحو القصر مبكرةً، لم تُخبر أحدًا بخطتها. كان قلبها يخفق بشدّة، غير أنها لم تشعر بالخوف، بل بانقباض فضولي يقودها للبحث عمّا غفاه الزمن.
دخلت مكتبة الطابق الأرضي، حيث رفوف الكتب الزيتية ترتفع نحو السقف. لم تكن هذه المكتبة عاديةً؛ فقد مرّ عليها أجيال من أجداد أصلان، وكل كتاب يحمل بين صفحاته أسرارًا مسجونة. توقفت أمام أحد الرفوف الجانبية، حيث لاحظت مفصلًا معدنيًا غير متناسق مع الزخرفة العربية المحفورة على الخشب. ضغطت عليه برفق، فسمعت صريرًا خفيفًا، وابتعد الرف قليلاً، كاشفًا عن ممر ضيق مظلم.
---
حذرت نفسها من مجرد التفكير في الانسحاب، فأضاءت هاتفها مصباحًا وانخرطت في الممر. كان ضيقًا إلى درجة أنها اضطرت لأن تنحني قليلاً. بعد عشر خطواتٍ، وجدت بابًا حديديًّا صغيرًا. جلبت مفتاحها الاحتياطي—ذلك المفتاح القديم الذي كانت صفية قد أعطتها عن طريق الخطأ—أدخلته في القفل، فدار بدورته بصعوبة، ثم انفتح الباب بصوت صدى.
---
وقفت ليلى أمام غرفةٍ سريةٍ لم تطأها قدم إنسان منذ أكثر من ثلاثة عقود. جدرانها المبنية من الحجر العتيق تنضح برطوبةٍ باردة، وسقفها المقبب يخفي شبكةً من الأنابيب القديمة. في وسط الغرفة، طاولةٌ خشبيةٌ متآكلة، عليها ملفاتٌ ومعاطفٌ داست عليها الأيام، وصناديقٌ خشبيةٌ أخرى.
تقدمت نحو الطاولة، وأزالت أكوام الأتربة عن ملفاتٍ تحمل عناوينَ لامعةٍ:
“مشروع الفضة الأسود”
“عمليات تحويل بريتزكي 1995”
“سجلات الأرشيف المفقودة”
التقطت ملفّ “عمليات تحويل بريتزكي”، فرأت نسخًا من عقودٍ مزوَّرةٍ وتحويلاتٍ بنكيةٍ ترقى عشرات الملايين من الدولارات، كلها تحت توقيع مليكة أصلان ومقرّبين منها. احساس بالصدمة اجتاحها، لكنها واصلت البحث.
---
مرّت يدّها على الرخام المحيط بالغرفة، حتى علِمَت فجأة أن ثمة أخاديدَ دقيقةً محفورةً على أحد الجدران، عبارةٌ بلغة قديمةٍ تُقرأ بصعوبة:
> «الحقّ لا يموت ما دامت الكلمات تُنطق.»
همست ليلى بالكلمات، فاهتزت الجدران من حولها كما لو أنها تستجيب، وسقط من أحد الشقوقِ كتيّب صغير.
---
فتحت الكتيّب، فإذا هو دفتر يوميات بخطّ مسطرٍ بخطٍّ مطبوعٍ ثابتٍ:
“اليوم كتبت أول سرّ، وسأتركه هنا يوم يأتي ابنتي لتقرأه. لستُ خائفة إذا وجدت الحروف صوتًا.”
كان صاحب اليمين هو سنان يلماز قبل تحول اسمه، وفي الصفحة التالية وصف لما جرى ليلة الصفقة الخطرة مع الرجل الغامض، وكيف دفن والدته في مصحةٍ بعيدة، زاعمًا موتها، ثم سرق أوراقها ومستنداتها.
ذاك الدفتر شهد اعترافًا:
> “لم يكن قرارًا نموّله أنام به راضٍ… لكن كان الطريق الوحيد لإنقاذ من أحب. عسى أن تقف القاعات يومًا على الحق.”
---
انهرت ليلى وعيناها تدمعان. واجهت الحقيقة المكتوبة بأقلامٍ لم يمحها الزمن: والدها لم يكن خصمًا وحيدًا، بل كان من سعى لحماية وحشيةٍ تحته. لكن نفس الكلمات أطلقت بريق أملٍ: أن الاعتراف كان محفوظًا لكي تعثر عليه الأجيال.
---
أغلقت الدفتر ببطء، ونظرت إلى جدران الغرفة المظلمة وكأنها تهمس: “لقد تحدثتُ.”
أدركت عندها أن الصوت الحقيقي للحقيقة لا يكمن في الصراخ، بل في صمت الكلمات المدفونة.
وعندما عادت إلى النور، حملت معها ملفاتٍ كافيةٍ لهزّ شرايين العائلة بأسرها.
كل خطوةٍ تقطعها صدىٌ في الممر، وكل ورقةٍ تحتضن وزن عقودٍ من الخيانات.
لكن أمامها الآن، موطئ قدمٍ صلبٍ لتشقّ طريقها نحو القصاص.
---