الفصل 4
---
✦ الفصل الرابع: لعنة السلسلة الحمراء ✦
لم تستطع "آن" التحدث بعد تلك الضحكة المدوية التي اخترقت أذنيها.
صوت المهرّج ما زال يتردد في أعماق السرداب، كأن الجدران نفسها تهمس بها.
اقتربت من ألكس بخوف:
ــ "هل سمعت هذا؟!"
لكن الحارس لم يجب، كان جامدًا، عيناه مفتوحتان على اتساعهما، شفتاه ترتجفان دون صوت.
هزّته بيدها قائلة:
ــ "ألكس! ألكس!"
وفجأة التفت إليها بعنف، وصاح بصوت غريب، وكأنه يتحدث بصوتين في آن واحد:
ــ "السلسلة الحمراء لم تكتمل بعد!"
تراجعت "آن" مذعورة، فسقطت على الأرض، لترى أمامها شيئًا لامعًا على الحصى.
كانت قطعة معدنية صغيرة، شكلها كحَلقة من سلسلة… حمراء اللون.
مدّت يدها لتلتقطها، لكن ما إن لامستها حتى شعرت بحرارة حارقة في راحة يدها.
صرخت، وألقت القطعة بعيدًا، لتتفاجأ بأن ألكس اختفى من أمامها تمامًا.
لم يبقَ سوى صدى صوته في العتمة:
ــ "اهربي يا آن... قبل أن يراك المهرّج."
ثم ساد الصمت.
لم تعد تسمع سوى أنفاسها وارتجاف قلبها.
ركضت بكل ما أوتيت من قوة في ممرات السرداب الطويلة، تتعثر، تسقط، تنهض، تلهث، حتى وجدت درجًا يؤدي إلى الأعلى.
تسلقت بسرعة، دفعت الباب الخشبي، ووجدت نفسها فجأة في ساحة المدرسة… لكن شيئًا لم يكن طبيعيًا.
كانت الشمس غاربة رغم أن الوقت لم يتجاوز الرابعة عصرًا، والسماء مائلة إلى الحمرة، والهواء ساكن بطريقة مخيفة.
المدرسة خالية تمامًا، لا صوت طلاب، ولا حارس، ولا أحد.
سارت بخطوات مترددة نحو مبنى الصفوف، فسمعت صوتًا يأتي من بعيد…
ضحكات متقطعة، خفيفة، وكأن أطفالًا يختبئون خلف الأبواب.
ثم ظهرت بالونات حمراء تتدحرج في الممر نحوها واحدة تلو الأخرى.
أمسكت دفترها بقوة وقالت لنفسها بصوت مرتجف:
ــ "لا، لا، هذا مجرد كابوس… أنا أتوهم."
لكنها توقفت عندما رأت على الجدار كتابة جديدة بالطبشور الأحمر:
“كل من يلمس السلسلة… يُكمل الدائرة.”
تراجعت إلى الوراء بخوف، فاصطدمت بشيء خلفها.
التفتت بسرعة… لتجد المهرّج واقفًا على بعد أمتار.
ملابسه ممزقة، ابتسامته ثابتة، والسلسلة الحمراء تتدلى من يده.
تجمدت في مكانها، أنفاسها انقطعت، لم تستطع حتى الصراخ.
مدّ المهرّج يده نحوها ببطء وقال بصوت خافت كأنه يخرج من تحت الأرض:
ــ "لقد لامستِ حلقتي يا آن... الآن أنتِ لي."
ركضت بكل قوتها نحو البوابة، لكنها وجدتها مغلقة بسلسلة حديدية ضخمة.
صرخت واستغاثت، لكن لا أحد سمعها.
المهرّج يقترب، خطواته تتردد في أرجاء المكان، والضحكة تزداد ارتفاعًا وجنونًا.
اختبأت خلف تمثال قديم وسط الحديقة، تبكي وتشهق.
همست لنفسها:
ــ "لا، لن أستسلم له… يجب أن أجد طريقة لفك اللعنة."
فتحت دفتر ملاحظاتها، ورسمت بسرعة تاريخ 16 نوفمبر 2019، وحاولت الربط بين الأحداث.
كل الضحايا، كل الصور، كل المذكرات القديمة التي رآها ألكس... كانت تشير إلى شيء واحد:
السلسلة الحمراء.
كانت أشبه بطقس، بطريق لربط الأرواح الملعونة بالمكان.
وفي كل مرة يلمس شخص قطعة منها… تستيقظ اللعنة من جديد.
فجأة سمعت صوتًا خلفها:
ــ "تبحثين عني، أليس كذلك؟"
التفتت بسرعة، فرأت فتاة ترتدي نفس الرداء الأسود الذي رأته في السرداب.
وجهها شاحب، وعيونها تلمع بلون رمادي غريب.
قالت الفتاة بنبرة باردة:
ــ "أنتِ التي ستكمل الحلقة الأخيرة. كنا ننتظرك منذ زمن."
اقتربت منها، وبدأت الفتيات الأخريات يظهرن حولها واحدة تلو الأخرى، بنفس الملابس والابتسامات الخالية من الحياة.
حاصرنها من كل الجهات، وبدأن يتمتمْنَ بصوت واحد، نغمة متكررة أشبه بطقوس غريبة:
“16 نوفمبر… 16 نوفمبر… السلسلة تكتمل بالدم.”
صرخت آن بأعلى صوتها، دفعت إحداهن، وركضت نحو المبنى الداخلي.
فتحت الباب بقوة وركضت إلى الطابق العلوي، المكان الذي قيل إنه مغلق منذ حادثة الانتحار.
لكنها لم تتوقف، رغم الدماء التي كانت تغطي الدرج، رغم الأصوات التي تهمس باسمها في الظلام.
دخلت الغرفة الأخيرة في الممر، وأغلقت الباب خلفها وهي تلهث.
الضوء خافت، والغرفة مملوءة بالغبار والعناكب.
اقتربت من الطاولة القديمة، فرأت دفترًا مغطى بالرماد، مكتوبًا عليه بخط أحمر:
“يوميات المدير – نوفمبر 2019”
فتحت الصفحة الأولى، وبدأت تقرأ:
> “اليوم أتى المهرّج إلى مدرستنا. يقول إنه قادر على جلب السعادة للطلاب عبر طاقة حمراء.
لم أكن أعلم أن تلك الطاقة كانت دماءً…”
شهقت “آن”، واستمرت بالقراءة، والدموع في عينيها:
> “لقد باع المدير أرواح الطلبة مقابل الشهرة. وقع العقد بدمه، والسلسلة الحمراء هي الرابط بين العالمين.
لا أحد يستطيع كسر اللعنة إلا من يحمل دمًا طاهرًا… ويواجه المهرّج وجهًا لوجه.”
أغلقت الدفتر بسرعة عندما سمعت خطوات تقترب من الباب.
صوت ثقيل… ثم طرق بطيء متتابع:
طق… طق… طق.
صوت المهرّج، بنبرة مرعبة:
ــ "آن… حان وقت العرض."
سقطت الدموع من عينيها وهي تهمس لنفسها:
ــ "يبدو أن النجاة لن تكون سهلة… لكني لن أهرب بعد الآن."
رفعت الدفتر بيدها اليمنى، وفتحت النافذة الصغيرة خلفها.
الرياح هبّت بقوة، وأضواء البرق أضاءت وجه المهرّج خلف الباب الذي بدأ يتشقق من ضرباته.
كانت تعرف أنها الليلة الأخيرة، إما أن تنجو… أو تنضم إلى السلسلة.
---
💀 يتبع في الفصل الخامس: ليلة العرض الأخير 💀