الفصل 2
---
✦ الفصل الثاني: الحارس والغموض ✦
مرت الأيام التالية ببطء قاتل، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة التي قرأت فيها "آن" العبارة الغامضة خلف الجدار:
«الحديقة المحرمة – 16 نوفمبر 2019».
منذ تلك الليلة، تغيّر كل شيء.
صديقاتها بدأن يبتعدن عنها تدريجيًا، الخوف تسلل إلى نفوسهن، وبعضهن قررن التوقف عن البحث.
لكن آن لم تكن من النوع الذي يتراجع. كانت تشعر أن الحكاية لم تنتهِ، وأن ما يحدث في الثانوية أخطر مما تتخيل.
خلال الحصص، لاحظت نظرات غريبة من بعض المعلمين، خصوصًا من المراقب أكرم، الذي صار يتتبعها أينما ذهبت.
وفي إحدى المرات، حين دخلت مكتب الإدارة بالخطأ، لمحت ملفات قديمة مغطاة بالغبار وعليها نفس التاريخ المشؤوم: 16 نوفمبر 2019.
في تلك الليلة، لم تستطع النوم.
الفضول كان ينهش عقلها كوحش جائع، وقررت في سرّها أن تكمل تحقيقها وحدها، حتى لو تخلّت عنها البقية.
مرت أسابيع قليلة، ثم انتهى الفصل الدراسي، وجاءت العطلة.
رحلت جميع الطالبات إلى بيوتهن، لكن "آن" بقيت تفكر في الحديقة المحرّمة.
كانت تخطط للعودة إلى المدرسة فور بدء الفصل الجديد، لتواصل البحث بنفسها.
وأخيرًا… جاء اليوم المنتظر.
صباحٌ بارد، والضباب يغطي بوابة الثانوية كستار دخاني يبتلع الضوء.
ارتدت "آن" سترتها السوداء وحملت دفتر ملاحظاتها الصغير، ثم انطلقت بخطوات مترددة نحو المبنى.
في الساحة كانت هناك حركة قليلة؛ طلاب جدد يدخلون متحمسين، ووجوه مألوفة تمرّ بصمت.
لكن عين "آن" وقعت على شخص واحد فقط: الحارس ألكس.
كان واقفًا بجانب الحائط المتهالك، متكئًا على عصاه الخشبية، يحدق في الأرض بنظرة شاردة.
اقتربت منه ببطء وقالت بابتسامة صغيرة:
ــ "صباح الخير، عمي ألكس."
لكنه لم يجب.
لم يرفع حتى رأسه، كأنه لم يسمعها. نظرت إليه باستغراب، تراجعت خطوة للخلف، ثم قالت في نفسها:
"غريب… أليس هو من ساعدنا في الأرشيف؟"
ابتعدت، لكنها لم تستطع منع نفسها من الالتفات إليه من جديد.
كانت هناك شيء غريب في عينيه… كأنهما زجاجيتان بلا روح.
واصلت طريقها نحو الجزء الخلفي من المدرسة.
كان قلبها يخفق بقوة، والرياح تعصف بأوراق الشجر اليابسة حولها.
اقتربت من المكان الذي رأت فيه الكتابة سابقًا، لكن هذه المرة كان الجدار مختلفًا…
الرسوم قد اختفت، وكُتب بدلها بخط أحمر جديد:
"ارجعي قبل فوات الأوان يا آن."
شهقت، وتراجعت خطوة.
وبينما هي تحاول التقاط أنفاسها، سمعت صوت خطوات تقترب بسرعة من خلفها.
التفتت، فإذا بالحارس ألكس يركض نحوها وهو يلهث، صوته مضطرب:
ــ "توقفي! لا تذهبي إلى هناك!"
لكنها لم تتوقف، بل اندفعت بخطوات أسرع.
صرخ مرة أخرى:
ــ "آن! لا تعرفين ما وراء ذلك الجدار!"
تجاهلته.
لم تكن تنوي التراجع بعد كل ما مرت به.
اقتربت من الحائط، ولمحت بوابة صغيرة صدئة كانت مغطاة بالتراب.
مدت يدها لتفتحها، لكن قدمها انزلقت فجأة على أرضية مبللة.
صرخت، حاولت التمسك بالجدار، لكن يد ألكس أمسك بها في اللحظة الأخيرة — ومع ذلك لم يستطيعا التوازن.
انزلقت قدماهما معًا…
وسقطا في فتحة مظلمة، أشبه بسرداب عميق تحت الأرض.
صرخت "آن" بأعلى صوتها، والظلام ابتلعها هي وألكس تمامًا.
لحظة من الصمت… ثم ارتدّ صدى سقوطهما في أرجاء المكان.
عندما فتحت "آن" عينيها أخيرًا، وجدت نفسها وسط ممر حجري ضيق، مضاء بأضواء خافتة تأتي من شموع عالقة على الجدران.
صوت المياه يتقطر من السقف، ورائحة العفن تملأ المكان.
قالت بصوت مرتجف:
ــ "أين… نحن؟"
ردّ ألكس وهو ينهض بصعوبة:
ــ "لقد سقطنا في السرداب… السرداب الذي لا يجب أن يراه أحد."
نظرت حولها بدهشة.
وفي نهاية الممر، لاح لها ضوء خفيف. تقدمت بخطوات حذرة، وكلما اقتربت، بدأ الضوء يتسع أكثر حتى وجدت نفسها في حديقة تحت الأرض.
نعم، الحديقة المحرّمة.
كانت جميلة بشكل غريب، فيها نافورة صغيرة ما تزال تعمل رغم السنين، ومقاعد خشبية متآكلة، وأشجار خضراء تتخللها بقع من الضباب.
لكن الأغرب من ذلك… مجموعة من الفتيات كنّ يتحركن هناك ببطء، يرتدين أردية سوداء، ووجوههن مغطاة بمكياج مهرج مخيف.
كنّ ينظفن المكان ويزيّنّ الأزهار، يتحركن بتناغم عجيب كأنهن خليّة نحل بشرية، وجوههن خالية من المشاعر.
همست "آن" وهي ترتجف:
ــ "من هؤلاء؟"
ابتلع ألكس ريقه وقال بصوتٍ خافت:
ــ "إنهن… ضحايا الماضي. اللواتي لم يعدن… بشرًا."
نظرت إليه بحدة وقالت:
ــ "ألكس، كفّ عن الغموض! أريد أن أعرف كل شيء الآن!"
صمت لثوانٍ طويلة، ثم جلس على مقعد خشبي متشقق وقال:
ــ "حسنًا يا آن… سأخبرك بالحقيقة، كلها."
رفع نظره نحو السماء الرمادية التي تغطي الحديقة وقال:
ــ "كنتُ أنا أحد الناجين من حادثة المهرج… في يومٍ لن أنساه ما حييت."
---