روايه ملامح وجه - البارت الخامس - بقلم شورى الشرفي | روايتك

اسم الرواية: روايه ملامح وجه
المؤلف / الكاتب: شورى الشرفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: البارت الخامس

البارت الخامس

: الفصل الخامس : بيت مرتضى بخجل تقف قرب سريره المنفرد لتستوعب أنه ينام بالغرفة المجاورة تاركا غرفتهما المستقبلية إلى حين زواجهم مقفلة كما وعدها مرة أن لا يستخدم سريرهم ...بدونها ! رجعت بنظرة شاملة ناحيته فتجد عدة خدوش بوجهه مع كدمات حتى على ذراعيه أصاب قلبها بوجع ...لم تره بيوم ضعيف أو مريض ..دوما كان مثال القوة بعينها منذ الصغر متسم بالصلابة لحظة علمت بالحادث ..هلعت ..ارتعبت ..ستفقده ..فلم تشعر ألا وهي تبكي بانفعال ولحسن الحظ كانت وحدها بالغرفة عندما تلقت اتصال عثمان لها أخذت نفس وبسرها تحمد الله على سلامته فلولا ستر الله لما خرج بدون كسر وهو يقع من ما يفوق الـخمسة أمتار حيث كان يعمل على سلم متحرك بعتلات خاص بالبناء حركة متململة على جانبها ذكرتها بعمر أبن نور الذي تولى أرشادها لفوق و الإلحاح بصورة غريبة لتصعد وحدها فتقول بلطف ممتزج بحرج " سأمر مرة ثانية لا أريد إزعاج نومه ... فقط سلم لي عليه " بخفوت اشد كان عمر ذو الستة أعوام يهمس بأمر ذو نبرة مضحكة مشير بأصبعه لمكانها " أبقي .... سيفرح خالي لرؤيتك فلقد طلب منا أن نوقظه إذا ما جئت و أكد أن نتركك لوحدك معه ..." يكمل بهمسة كأنه يبوح بسر دولي " حتى هددني أذا سمحت بأي كان بالتطفل عليكما لن يشتري لي الدراجة التي وعدني إياها إذا ما تفوقت ..لهذا ستبقي حتى يصحو وتخبريه أنني من أوصلك له , ها ..من أوصلك ..أنا ...لا تنسي " أومأت ببسمة تجاريه فخرج من الغرفة بناءا على توصية مشددة من خاله ليتجه للخارج ...فيحرس المكان عندها بجرأة لم تعتدها لامست ذراعه المخدوشة ببطء متعاطفة مع بشرته التي تشوهت قليلا تتلو سورة الفاتحة ... معتادة أن تقرأها لها جدتها ما إن تصاب أو تجرح من الطفولة لتشفى و لأول مرة تنتبه أنه بدون قميص فقط الغطاء فوق صدره ..لتتورد وجنتيها حياء الأسبوع الماضي مر بصعوبة بخصامه وقابلته بالمثل فلم تبادر للصلح ... باقية دون التنازل رغم واقع أن عليها أن تنصفه فتنازله الدائم ليراعيها بكل ما تطلبه لم يكن بالهين على رجل كمرتضى ... حتى عائلتها استغربت انقطاعه عن الزيارة التي باتت روتين يومي بينهما لكن بتحفظ لم يسألوا ... فقط وردة التي واجهتها بعد رحيله موبخة إياها تعلم السر ... بالنهاية عذرتها ...كيف لا وهي بذات نفسها تشعر بالذنب لتجاوز ..عدي .. ... عطر ناعم مع لمسة رقيقة لامس حواسه متنعم بقربها ظن انه حلم فبقى رافض أن يفتح عينيه خوفا أن يختفي شعوره حتى واللهفة تقتله شوقا إلى إن جاء صوتها بخفوت " تنفسك يفضحك و أجفانك تضطرب فلو لم ترغب بوجودي ..سأرحل ... .." لم يفتح عينيه وما زال بقلبه شئ من القهر ..بل أكوام منه .. لمسة أناملها الحارقة فوقه ببطء لا يكاد يصدقها عقله فيؤكدها النبض بقلبه .. يهمس وهو يلتقط أصابعها الملامسة لذراعه قبل إن تبتعد .. يعانقها بتملك ..بحزم شديد " تجرئي على الابتعاد و سأكسر ساقك لتتمددي قربي " فتح عينيه بحدة يواجهها ليرى بنظرتها غموض يلتف حول مشاعرها ..سرا تخفيه ..فيدعو الله إن يكون شوقا له و بمحاولة مرهقة ليعدل جلسته بعد إن كان ممد على السرير بادرت هي بالانحناء لتثبت عدة وسائد خلف ظهره .. ترد بتلك المودة المستفزة له ..تهادنه ..تتلاعب به ...كأنها تخدره ليهدأ ! " ألم تخبرني مرة أني لو جرحت بخدش سينزف قلبك .. .. لهذا تهديدك فارغ ...فأتبع غيره يا من طوقني برعايته دهرا " وقبل إن تنهي الجملة تفاجأت بقبضته الملتفة حولها ضمادة تمسك ياقة قميصها بلون الخوخ يسحبها نحوه حتى بات وجهها لا يبعد عن رأسه حد النفس .. فتوردت الوجنتين و توسعت عيونها من نظرته الحادة بمزيج من غضب و وجع ..تشعر بأنفاسه تلفحها كلهيب بينما ينطق بنبرة خطرة أوقفت قلبها .. خافتة و الوجع بها واضح " ومع هذا لا تثقين بي لفتح قلبك .. لم تتعبي نفسك حتى بيوم بالنظر لي ..سنوات قضيتها عشقا بك و إلى هذه اللحظة لا تريني أذن ! " جن جنونه فعليا مع تذكره لكلمات وردة .. لا تراك كرجل ... نيران أحرقت فؤاده وبمحاولة كي لا يتهور ابتعد الأيام السابقة حفاظا عليها من خطورة ما يعتريه ..لكن قدومها اليوم حطم أي مقاومة ..بل زادته جنون مع تجاهلها ما قاله وعينيه تنساب لشفتيها تارة و لعيونها بأخرى " ماذا ! .. أتلومني الآن مرتضى على عدم حبي لك ! " أجل يلوم ..كان الأحق بها و منذ الطفولة سويا ..يحفظها بقلبه قبل عينه و ببساطة قلبها مال لأخر ما أن وصلت للمراهقة لتمنحه هو مكانة الأخ ! لكنه كتم و كتم وهو يدرك أن لا ذنب للبشر بميل القلوب ..فيعلو صوته بقهر " من حقي أن ألومك ..أن أغضب ..لكن ليس على الماضي بل ما بيننا الآن وأنت تبدين كمن يمن علي بالقرب بعد كل ما أفعله لك ..وردة قالت ما رأته واضح عليك وأنا أعمى البصيرة المتيم بك فربما لا أراه " حاولت النهوض وقربه يضيع الكلمات منها فشدد عليها بتحكم و بيأس رجعت لتقول " أسمعت كلماتها مني لتغضب ! ..ظننت حبك أعمق و أكثر ثباتا لي فكيف تنقاد لكلماتها التي لم تخرج سوى عبثا وهي تشعر بالغيرة منك لأنك بنظرها تأخذ مكانه ...لعدي " الوجع بأخر جملتها ..نطقها باسمه بكل محبة ..أطاح بما بعقله من تعقل ..فلم يشعر بنفسه ألا وهو يجذبها فوق صدره العاري ألا من ضمادة بيضاء و كلتا يديه تحيطان بوجنتيها يقتلان مقاومتها لجنون قبلته ...لا لم تكن قبلة بل حرب يشنها على ذاكرتها ..على قلبها ..لينصر كرامته و يمحي وجع قلبه ... لم يكن يلامس شفتيها فقط بل كان تحدي لنفسه ...ليريها جانب أخر من علاقتهم ..... ليكسر قالب الصديق و الأخ ... فالعلاقة الجسدية تترك أثر أقوى بالنفس وهو ينوي وشم حبه بقلبها شاءت أم أبت ... ليمحي كل ذكرى حرقته بينها و بين عدي قبلة قلبت كيانه كله ورغم خشونته بالبداية والغيرة ما دفعه للتهور لكن لم يعد المتحكم و لا المسيطر وكل همه إن يشعر بها وتشعر به ..أن يتذوق ما تمناه عمره كله ببطء .. ... فقد سيطرته و بات يتعمق مغيب لترتحل شفتيه على تقاسيم بشرتها السمراء لكن مهما حاول لم يقابل سوى بالجمود فشفتيها بقت مقفلة تئن بالرفض وعينيها مفتوحة مذهولة ..مستنكرة ..تتحرك بمحاولة لتفلت كعصفور بمصيدة .. لم يتخيل أن تكون قبلتهم الأولى بهذه الصعوبة ..أن يفشل حتى بها فيتوسع جرح كبريائه كرجل ..والغضب أحرق قلبه ..تقتله بنفورها ورفضها له ..تذبحه بعيون مفتوحة وجمود كانت تحت طور الصدمة تستمع لضربات قلبه القوية ..تشعر بحرارة جسده ... بلحيته التي تنغز بشرتها الرقيقة تكاد تخدشها ..كيف يقبلها بين عنف مرة ورقة يستجدي عاطفتها ..وكل هذا بثواني لم تطل فحاولت الابتعاد دون جدوى يده التي ارتفعت لحجابها و بحركة سريعة سحبه جاذبا إياه منها بخشونة أيقظتها مع أصابعه التي تتوغل بين خصلاتها القصيرة يحررها من عقدتها فيوجعها دون قصد وأصابعه تتعمق مع تشابك شعرها فيجذبه بشغف عندها فقط وضعت كفها بينهما لتدفعه مكان الكدمة فتأوه من قسوتها ..مجبر حررها و يده تلامس الكدمة مع عينيه التي أغمضها قليلا يكتم ما يعتمر بالقلب منها ..كان بحاجة ليتوجع كي يفيق من هدر كرامته المستمر .. بشرتها السمراء باتت أقرب للاحمرار من كثرة الخجل وأنفاسها تحولت للهاث ..بدت مبعثرة الأفكار ..متخبطة ... غضب ممزوج بتشتت سيطر عليها وهي مازالت تشعر بشفتيه حتى مع ابتعادها عنه رائحته علقت بها ..حرارته ..أنفاسه أي ذنب عظيم أجبرها عليه وهي لا تحل له ...كادت تبكي أخذ ما ليس من حقه كل ما بها يتوق للفرار من أمامه فتخذلها حتى قدميها على الوقوف حجابها ملقى قربه ولم تجرأ على أخذه منه , الحياء يقتلها فحاولت مد يدها بحذر عندها ارتفع حاجبه بتهكم يستر مشاعره فتكشفه أنفاسه وقلبه الذي يخفق كمضخة بصدره .. متلاعب بطرف الحجاب بيده ..ليأتي رده بأمر وتحكم ما أن لمح سلسلة فضية رفيعة حول عنقها مخفية نهايتها داخل ياقة القميص " تعالي و أجلسي قربي " ضاقت عينها بعجب كحروفها التي خرجت ... فتخرج من قوقعة الخجل " أتأمرني ! " ارتفعت عينيه لها بنظرة مبهمة و جدية تامة " بل أطلب ...وحتى لو أمرت ..ستفعلين ما أقوله " كلماته بعد ما جرى بينهما أثارت غرابتها ..فيردف وهو يراها لا تطيعه ..بل وعينها تبرق لهبا "العقد حول عنقك ...أريني إياه " عندها فهمت ... و لأول مرة تتغاضى عن وقاحة و جراءة تصرفاته مدركة سببها و بتأني نزعت العقد وناولته له دون إن تقترب قائلة بهدوء ليدرك هو الأخر أنها علمت مقصده " سلسلة فضية فقط ..هدية من عثمان بعيد ميلادي الثامن عشر و أنت كنت موجود فتذكر ..حتى أن هديتك بوقتها كان حلق ذهبي و استبدلته بخلخال من الفضة ما أن علمت بحساسيتي للذهب ... ما تبحث عنه هو سلسلة بنهايتها حرف العين مع الفاء وقد خلعتها مع الحلقة قبل موعدنا بالمطعم يوم وافقت على بداية جديدة معك ... " بقى بصمته دون إن يمد يده ويأخذ العقد منها ...يشعر أنه بات سخيف ..بل الهم والثقل بقلبه يفوق قدرته على التعامل معه بمراعاة و هدوء " مرتضى .. ..لن أكذب و أخبرك أني احبك كما تشعر نحوي ...لكن احترمك و أعزك بقلبي منذ طفولتنا ...وأنت رضيت و تدرك هذه قدرتي على العطاء ..لهذا لا تفتعل مواقف ليست مسيئة فقط لي و لك بل بها ذنب عظيم ..احترم الحرية الممنوحة لنا من العائلة و ثقتي بك " دون إن تجرأ لتنظر لعينيه أردفت ببرود لم يكن سوى غطاء " ولو وجدت صعوبة بتقبل الوضع نستطيع إن نفترق بمودة و سنبقى أهل و رفقة..وعلى العموم مازلنا على البر ... أعد حساباتك و قيم ما تعطيه مقابل ما تأخذه ..أيستحق " مالت طرف شفتيه بابتسامة متهكمة .. مريرة لو ضربها الآن أتلومه ! لا ..بل يرميها على السرير و يقوم بكل ما حرم عليه و تمناه حتى يزهق أنفاسها .. أن ترجع أصابعه تتوغل بشعرها و يعانق جسدها حتى تتأوه عشقا لينسيها نفسها و يجدد ما بقلبها أتحب أن تؤذيه .. أقاصدة هي ؟ كيف تجرأت على نطقها ..أتظن أنه سيسمح لها بتركه بيوم ! لم يشعر بنفسه ألا وهو يقبض على ذراعها يسحبها نحوه و بأصبعين من اليد الثانية يربت بخفة على وجنتها وسط صدمتها بعيون متوسعة كان هو ينطق بنبرة منتهية الصبر وهو يصطلي بنيرانه الخاصة ..بخطورة وحروفه كلهب ينفثه " على ما يبدو أنك من أعدت التفكير لكن للأسف البضاعة لا ترجع عندنا و لا تبدل ضعيها ببالك ...أنت لي ..ملكي إلى أخر نفس ..كما أنا لكِ ...لهذا ...أحبيني ..أعجبك أم لا .. أحبيني ... بالحسنى أقولها لك ...زمن الرضا بالقليل فات وولى ...من اليوم حطمي حصونك التي بيننا ..أزيلي طبقة الجليد حول قلبك ..النار بقلبي أخمديها أو سأحرقك معي ... " أفلتها و قبل إن تنطق بحرف كان هو قد رفع الحجاب ليضعه فوق شعرها بعناية وعينيه بعينها مردف بجدية " و بخصوص ما حصل قبل قليل تماديت لكن لن أعتذر لك فأنت لا تستحقين ...سأستغفر ربي فقط هو الأعلم بحالي ... يبدو إن الوقوع أثر على عقلي لهذا لنقرب موعد عقد القرآن ليكون كله ...بالحلال " بان على ملامحها الهلع قبل إن تقول بنبرة مرتجفة " فعلا الحادث أثر على عقلك لهذا لنترك الحوار إلى إن ...تسترجعه " فتخرج بعدها بخطى منفعلة وتأثر ما فعله اليوم بعثر أي قوة تملك هيئتها سابقا له عندها فقط ...تراجع بظهره للسرير متأوه ...عشقا .. ليهمس بمحاولة ليبرأ ساحته " هي من بدأت ..وتحرشت بي بلمستها ! " ببيت الجد مختار بخطوات بطيئة بذل بها جهده ..و أثار الحادث من خدوش و كدمات أضاف له لمسة إجرامية فوق خشونته البارزة ..سار مباشرة ناحية جدته سهاد الجالسة فوق الكنبة وبيدها جهاز التحكم للتلفاز تقلب بالقنوات فتتحول نظرتها فورا للدفء والترحيب به ينحني مرتضى مقبلا رأسها فمنحته بسمة رضا قائلة بحنان مزجت بعتب " يا أبني لما ترهق نفسك وأنت ما زالت عليل ..ألم ينبهك الطبيب للراحة مؤكد عليها " يتخذ الأرض مجلس قرب ساقها بدل الكنبة وعينيه تسرق نظرة بلهفة للباب لعل من بقلبه تدخل بينما يجيب بخشونة دون وعي ليدل على قوته وكأن كلمة عليل ..أهانته " صحتي تمام لا تقلقي .. أختنق من النوم بالسرير و يومين تكفي و تزيد " " بل قل القلب يهفو و يريد الوصال .. تذكرني بشبابي يا مسكين بعد لم ترى العذاب على أصوله .." تبسم مرتضى من ما قال جده الذي دخل عليهم وبيده طبق من قطع البطيخ دون إن يعي لنظرات مختار التي تحولت لسهاد بغزل و محبة صريحة فتبادله بسمة بمحبة خالصة وهي ترد بهمسة خجلة حتى بعمرها " أتذكر عندما كنت ترمي كرة أبن أختك لبيتنا فقط كذريعة لتطرق الباب و أخرج لك ..بيومها كسرت نافذة البيت و أبي طاردك حتى أخر الشارع هرولة ! " اعتدل نافخ صدره بينما يضع الطبق جانبا ليقول باندفاع " لا تشوهي الحقيقة تظنين أني نسيت فتلفقين علي الأكاذيب ...كيف طاردني لنهاية الشارع وأبوك كرشه متر للأمام !! " ضحكت وهي تضرب كف بكف قبل إن تهمس لمرتضى دون أن يصل لزوجها " لحق به لنهاية المحلة وبيده مقشة من سعف النخل لكن جدك كان أسرع فلم ينل سوى توعد إذا ما رآه بالقرب من بيتنا سيكسر ساقه ومع هذا لم يتب واستمر باللف والدوران حول البيت حتى دخله بالحلال " كتم مرتضى ضحكته بعد أن جلس جده ملاصق لهم وقد شعر بغيرة طفولية من همساتهم السرية فيكمل بنبرة بها ضعف لا يليق به معتاد أن يظفر بكل اهتمامها بكل حين حتى لو ألاعيبه مكشوفة "حديثك صدع رأسي ..أعتقد ضغطي أرتفع وكله بسببك " القلق بان على سهاد ليتحول لبعض الغضب وهي تسحب زوجها لينهض قائلة كأم لطفل أذنب " تعال ..تعال لنقيس ضغطك ..أكيد أكلت من الزيتون المالح من وراء ظهري فلقد رأيت أنه نقص للنصف ..أعرف همك على بطنك و لا تقاوم ....طبعا مادمت سهاد موجودة لتعتني بك ... " لم ينكر ولم يؤكد بينما يتدلل أكثر عليها وهو يتهامس مضيف لها المزيد من القلق بوصفه للصداع ..الوهمي ما أن بقى مرتضى وحيد حتى أتكئ بظهره على الكنبة رافع ساق ليسند رأسه عليها و أخرى مثنية أرضا مفكر بضياعه وسط دوامة العشق ويومين فقط لم يتحمل ليركض لها يراضيها بعد أن فرض كلمته بموعد الزواج وهو من ظن أنها من ستطلب وده بعد ما جرى مع وردة ... حسنا هو لم يفرض كلمته فعليا فعلى ما يبدو بزواجهم كلمتها هي من ستسير شاء أم أبى ! وهاهو منتظر أن تحنو مالكة القلب و تأتي ...ليصلح ما أفسده معها معترف بغلطته لحظة ..تقبيلها .. أن يتعدى حدود الله بما يتمناه منه ويختم كل صلاة به أمر أرعبه بعد التفكير أصاب قلبه بالوجل خوفا إن يعاقبه الله بحرمانه منها ...فأمضى ليلته متقلب و لسان حاله مستغفر يطلب العفو لم يطل الوقت ألا و أنفاسه تخطف ككل مرة يراها تدخل عليه و بسمة مرحبة تزين ملامحها السمراء فينهض من مكانه بنظرة ترميها بمتاهة لا تفهم نفسها بها .. عينيه التي تخبرها أنه لم يرى و لن يرى بحياته أنثى غيرها نظرة تحملها عبأ احتوائها وكأنه يدرك أن عينه تربكها ..فيطيل بكلام بالعيون عندها خرجت الحروف بخجل متواري " لم غادرت سريرك وأنت مازلت مصاب " " لا تزيدي بحلاوتك .. قلبي أرهق وقليلك يفعل بي الكثير " رمشت وهمسته ببحة خافتة ضربت قلبها فهربت نبضة يردف بنبرة مختلفة محاسبة ما إن لمح عباءتها السوداء بتطريز خفيف بالأطراف مع حجاب مماثل "ولما لم تخبريني بنيتك للخروج ؟ " سؤاله المتحكم أخرجها من طوفان مشاعر تربك نبضها دون وعي فبان بعض الضيق عليها بينما تجيب بعملية " هاتفي انتهى شحنه ..ولم أظن أن علي أعلامك حتى بخروجي لصالون التجميل ! " عينيه ارتحلت دون وعي لشفتيها مسترجع ما سرقه منها بظنها وما ظنه حقه .. ليغلي الدم بالعروق و تتوسع النظرات فتشمل رغبة محب سيموت عطش و لا يرتوي .. يرد بثقة وتملك مع نبرة متلاعبة بشقاوة بمحاولة ليسترجع مودتها ..مذكر نفسه أنه جاء ليراضي وهو يقر بهزيمته إمام قسوتها بتحمل البعد ...فلا يملك القدرة على مجاراتها " لا ... ظني و تيقني امرأتي عليها أعلامي بكل خطوة ..فكيف الحال بك يا ساكنة الفؤاد .. ..سماح بقلبي الكبير هذه المرة فراتي .." سماح ! ...وبقلبه الكبير ! ..... أرتفع حاجبها بتعجب من أسلوب رجل الكهف الذي يليق به فعلا .. و قبل إن تعترض كان يردف بحروف ممطوطة " امرأتي ..زوجتي ..ملكي ..فراتي ...آه كم تعجبني الياء من بين حروف الأبجدية ..و أحسدها ..فها هي تضمك وأنا من يحرم عليه ..الضمُ " كم تود ضربه بحرف الياء هذا فوق رأسه حتى يعتدل و يترك نظرات المراهقين و تصرفاتهم لكنه بعالم أخر سارح بملامحها السمراء و العشق يغرقه بموجاته ..فيكمل و هو يقطع المسافة بينهما دون ترك حدود " لن تذهبي لمكان قد تغيري به شئ أعشقه بك ... فرات ..ممنوع أن تمسي أملاكي ..كل شعرة بك تخصني ..أظافرك أحبها هكذا .. طول شعرك .. .. حاجبيك ..كل شئ مثالي فوق حد احتمال قلبي العليل بك " قلبه خفق بشدة وهو يرى تأثرها ..وجنتيها المتوردة و الحياء بعينها المتهربة منه وقد استرجعت ما جرى بينهما من تقارب أخر مرة ... بشرة خير يا أبن لميس وقد رأيتها تحمر خجلا من كلماتك .. رفع يده ليلامس وجنتها بخفة فأبعدت وجهها فورا عن مرمى يده لدرجة لم يحبذها .. وبهدوء همست " لا تكررها .. إياك يا مرتضى إن تتجاوز حدود الله بيننا ..نظرتي لك ستتبدل " هو رجل لديه العاطفة باللمس لا الكلمات و رفضها لكل تقرب منه يثير جنونه .. لا يترجمه سوى رفض له كرجل .. لكن ...لديها حق للأسف .. فيناغشها بالقول " لو تودين كأي عروس أن تغيري شئ ...فلون شعرك أفضله أشقر . .. سأرسل لك صورة لفنانة أريد نفس اللون ..." يرتفع حاجب لديها وكفها تحط على خصرها قبل أن تقول بضيق لم تسيطر عليه " لن أغير لون شعري فقط لأنك كمراهق انجذبت لهيئة فنانة ما ! " ترمش من ملامحه التي باتت أكثر بهجة مصدومة من ضحكة وجدت صداها بالبيت كله حتى بات يكركر دون إن تستوعب سبب جنونه فيهمس بعدها بنبرة حارة مع عيون تبرق بعشقها " ستوقفين قلبي بيوم ...وذنبي برقبتك " لم تشعر ألا وهي تسارع بالملامة نحوه " ربي يحفظك ..لا تنطق حتى لو بالمزح بكلمات كهذه ..ألا يكفي أصابتك أخر مرة " ببطء استرجع ما جاء لأجله من عتب والجدية تعود له فتخرج حروفه بعتب أقوى وقد خاب ظنه فعلا بقدرتها على البعد عنه " لو تخافين علي لبقيت كل يوم برفقتي صباح مساء تعتنين بي ... أنت لم تسمعيني حتى كلمة حلوة بعد الحادث تصبرني .. " تهربت مجددا منه ..ماذا تخبره ..أن الجانب الأخر من علاقتهم جعلها تعيد حساباتها وهي لم تفكر فعليا بالعلاقة بينهما ..ألم يخبرها أنه سيتمهل ! أنه يطلب ما لن تستطيع ببساطة منحه له ..تحتاج للتدرج ..للبطء ..كي تعتاده وهو لا يفهم ..يسير بعكس دربها متسرع بكل خطوة بينهما فتقول بنبرة متزنة هادئة ..مستفزة " مجرد خدوش بك لم تحتج لعناية و ألا لبقيت بالمستشفى ..يكفيك دلال " نطقتها ببرود بات مزعج ..فرفع ذقنها بأصبعه و يده الثانية تلامس خاتم الخطوبة بأصبعها ..خاتم فضي أجبر على اختياره و الذهب يسبب لها التحسس ..حتى المهر أعفته منه ببساطة و أمام الكل و بالمقابل اتفقت العائلة إن يستخدموا المال ليمضوا بتركيا شهر عسل ! " دلال ! ..أنت لم تري الدلال على أصوله بعد .. ولكن هين يا روح مرتضى موعدنا ليس ببعيد ..فقط لينتقل خاتمي من يدك هذه للثانية ..و سترين العجب " وها هو يحاكي مخاوفها .. أتقدر أن تنسجم معه يد بيد لتكوين عائلة ؟ صوت خطوات اقتربت منهما جعلته يتراجع قليلا وهو يؤكد على حروفه " لن تذهبي لمكان فاليوم جئت خصيصا لأراك و أنوي المبيت لديكم ..مللت غرفتي .. .. ليكن لديك بعض الدم وتهتمي بخطيبك المريض أم البعوض بالغرفة أمتصه كله " لوت شفتيها .. تحكمه لا يعجبها و ليست معتادة عليه فبتحدي رجعت قائلة " لا يمكني الاعتذار من وردة وقد طلبت مني مرافقتها " وردة ..وردة ...الكائنة اللزجة يجيبها بتهكم بالبداية قبل إن يتحول للجدية ..كأنه يلقنها دروس عشقه بتمهل "ماذا ستتوه إذا لم تمسكي يدها و توصليها ..لتذهب مع أي كان .... ..عليك أن تفهمي أنني من أولوياتك .. ويوم أتحامل على صحتي وجسدي ما زال يوجعني بكل حركة فقط لأراك و نمضي بعض الوقت سويا ستفعلين لي المثل و تنسي العالم بحضوري وليس فقط تعتذري من بنت لا أطيق قربها منك " حديثه خرج بثقة ظاهرية فقط ..يحاكي بحروفه ما يتمنى أن يراه بعينها بيوم .... لم يضايقها التملك بقدر استيعابها أنه ما زال متحامل على وردة ...فأردف بمحاولة ليمزح .. " ومع هذا لن أجبرك كما ترين أنا رجل ديمقراطي و أومن بالحرية ..اختاري بيني ...وبينها ..و مثل أي حكومة أصيلة ديمقراطية سأخبرك لو لم أكن اختيارك سأغير النتيجة بطريقتي الخاصة و أعلن النصر بنسبة 99 بالمائة " لم تقدر على منع بسمة وهي تسأل " و الواحد بالمائة المسكين ما حاله ؟ " عقد حاجبيه مجيب بصوت متلاعب " قلة ضالة من المفسدين و الخونة لا يعرفون مصلحتهم " دخول أخوها مع وردة أوقف حديثهما فبقى مرتضى صامت بعد أن رد السلام الذي ألقاه عثمان عليه .. منتظر اختيارها بينما عثمان يسأل " لننطلق كي لا نتأخر ..فرات جاهزة ؟ " بضيق متهربة من مرتضى تقف وردة على جنب فلم ينتبه أحد للعدائية المنطلقة كأسهم نحوه و لكن سماعها لرد فرات جعلها تخرج عن هدوئها " سأبقى اليوم مع مرتضى لدينا بعض التفاصيل نناقشها . .." بلطف قالتها لأخيها منزعجة من مرتضى كيف يحاصرها بزاوية فلم تلحظ الراحة التي سكنت الأخير وقد نجحت باختباره ... فينبثق صوت وردة بضيق وهي باتت تشعر أنها مظلومة ومهمشة من ..الكل " لكننا اتفقنا أن نذهب سويا فرات ..لا يمكنني الذهاب بمفردي ! " تنهدت متعثرة بالجواب فلمح عثمان غرابة الوضع و رد وردة الحاد عندها التفت لها ببسمة متحفظة " أذن لنؤجلها حتى المغيب و سأنتظركم حتى تكملوا لأوصلكم بعدها للبيت ... " و بصوت مستفز كان مرتضى من يتدخل " بالواقع اليوم بضيافتكم ..للصبح ...فلا تؤجلوا شئ لخاطر فرات .. " " لا و على ماذا ! ... لا أحتاج للذهاب من الأساس " تفاجئ عثمان بترك وردة لهم بعد أن علا صوتها موجهة الحديث لفرات لتبقى الأخيرة بخجل من الموقف كله أمام مرتضى الهادئ مدرك أنه أخطأ بتحكمه .. لكن جنون عشقه لها بات يؤثر فعلا على أفعاله ..بات حتى يغار و يتضايق من وردة و لا يريدها بقربها فما هي سوى سلسلة تربطها بماضيها مع عدي ....وهو ينوي بتر كل الخيوط المتعلقة به ... صبر كثيرا لسنوات و كبل عشقه لها تاركا الجرح ينزف بقلبه كل مرة رآها برفقة عدي لكن للآن كفى ... عليها أن تستوعب أنها كاملة له ..بقلبها و عقلها وروحها --------------------- بخطوات سريعة تقطع طريقها للطابق الثاني تستعر دواخلها بالغضب من نفسها قبل البقية وهي تستمر بالحماقات دون رادع لم تكن تريد قول ما قالت ...كما لم ترغب سابقا بالشجار المستمر مثيرة حنق عثمان بكل جلسة بينهم ما عادت نفسها ..تفتقر لشيء ...و لا تضع يدها عليه ! يلحق بها بخطوات أبطأ متعوذ من الشيطان يحاول احتواء غضبه من رعونة تصرفها متى ستنضج وتعي لمن حولها أرهقته الحياة وما عاد لقلبه سعة ليتحمل تصرفات طائشة ومع هذا ها هو يلحق بها ليراضيها ..ليعرض أن يوصلها هو وينتظرها بالشارع حتى تنتهي ليرجعها .. مع أول سلمه يصعدها كانت جدته سهاد توقفه بلطف فأجبر إن يتراجع لمستواها كي لا يبدو أعلى منها بصعوده السلم من باب الاحترام " لو صعدت الآن سوف تتشاجرون فكلاكما ممتلئين بشحنات غاضبة و أفضل شئ بالحالة هذه الابتعاد لوهلة ..ما فعلته خطأ لكن لا يستوجب أن نقيم عليه مشكلة و زواجكم لم يبقى عليه الكثير " أخذ نفس قبل إن تتسم نبرته بالجدية مع الحيرة "أعتقد أن تكلمي معها الآن سيكون أفضل على الأقل لأستوعب لما تفتعل الأزمات بدون مبرر معقول ..باتت تتصرف على عكس طبيعتها الصبورة فجأة جدتي ...تائه ولا أعرف العلة أين ! " ربتت على ذراعه بعد أن اقتربت أكثر بمحاولة لتلمح لعل تفكيره يتسع أكثر ويحتوي ما يغيب عن ذهنه " ربما العلة ..بطبيعتها وتعودك عليها ...حفيدتي قد تبدو من بعيد بسيطة و يسهل أرضائها .. من بعيد فقط .....فأقترب يا عثمان أكثر ... خذ الأمور بسلاسة واحتوي ربكتها .. " تزداد حيرته ولا يفقه معاني كلماتها فتقرأ على ملامحه التشتت ... تتنهد بعجز قبل أن تردف بنبرة دافئة " هي ما زالت صغيرة وربما التوتر من اقتراب العرس ما جعلها تتخبط بردود أفعالها , أصعد وراضيها ..أخبرها أني سأذهب معها لو شاءت " أومأ بالموافقة بامتنان ...وبداخله يجد كلام جدته منطقي أما وردة فكانت خلف باب غرفتها بدموع غريبة عليها ..مستمرة بانفعالها الغير مفهوم لنفسها! تفاجأت بطرقاته الخفيفة على الباب مرافقة لصوته بمودة " وردتي ... سأوصلك الآن وجدتي ستذهب معك ...هيا يا عمري ..تعالي " بدل إن تفرح اتسمت ردة فعلها بالمزيد من الدموع وهي تنظر لانعكاس صورتها المهزوزة بالمرآة ..ضعيفة ..مشتتة تتوق روحها لترتمي بحضنه لتبكي ...فقط لتبكي ... فتكابر متسرعة بينما تجلي صوتها لترد ..دون إن تفتح الباب له " لا أريد ...أشعر ..بالصداع ..وقد غيرت ثيابي ..سأنام " يبقى بمكانه وكفه تلامس الإطار الخشبي للباب بينما تنخفض نظراته للأرض يعاود بمحاولة ليراضيها بينما بداخله تعب ..حقا تعب .. " وردة ..أفتحي الباب وتعالي لنتحدث قليلا لو سمحت " دقيقة ..فالثانية ..وينتهي صبره مع عدم وجود رد ...ليتحرك مبتعد بعصبية .... ومع صوت تذمره منها مع خطواته المبتعدة ..كانت تسمح لدموعها بالتحرر أكثر وكل ما بها مبعثر فلم تشعر ألا وهي تتصل بالوحيد الذي تكشف لها كل أفكارها ودواخلها دون أي أحكام من يحتوي كل اضطرابها ببراعة زيد لعله يكون المرسى باستغراب ممزوج بخوف بسيط نظرت من نافذتها لكل السيارات المصفوفة حولهم وسط السكون بموقف السيارات الخاص بالطابق الأرضي للمبنى ... يكاد الظلام يعم المكان لولا بعض أشعة الشمس بخجل تنير مع بعض الأضواء بالسقف الخافتة .. لا تعلم حقا لما جارته بالقدوم لمكان منعزل لأول مرة كهذا يثير رهبة بالنفوس بخلوه من البشر تقريبا " لا تخافي ..معتاد على الوضع فهنا تجدين سكينة وهدوء لن يمنحها لك أي مكان أخر ...كلما أود الاعتزال أتي هنا و أقفل الهاتف ليظن أبي أني بالمحاضرة حيث الكل يسير بحياته بينما أوقف xxxxب الساعة عندي ... " التفتت لزيد ببنطلونه الرصاصي وقميصه الأبيض مع نظارة طبية .. كطالب جامعي مثالي .. مسترخي فوق العادة وقد تخلص من حزام الأمان ليرجع كرسيه للخلف قليلا .. تلميحه جعلها تنفض أي بوادر للخوف وهي تأتمن جانبه تماما متنهد بحسرة وهو يتأمل جمالها بالضوء الخافت ..جميلة فوق قدرته على التكتم هذه المرة ..ليس وقد عرت روحها أمامه ولمسها بأخر اتصال ......هي لا تفهم قيمة إن تلجأ له من بين الكل ...أن تمنحه تلك الأهمية ... والبارحة باتصالها كسرت الكثير من الحواجز بينهم ... ...ليحترق ببعده عنها بينما كل ما تمناه إن يحتضن كل قهرها بين ذراعيه كما يجب يتمتم كمن يكلم نفسه بنظرة ثابتة لا تتزحزح عنها لو تمعنت لوجدت بها الكثير مما لا يباح " النظر لك متعة ..... خسارة أنت به ..لا تعرفي قيمة نفسك ...جمالك فتنة وردة .. " ابتلعت ريقها بربكة وهي تراه لأول مرة يتكلم بغزل بعيد عن مزاحهم أم ربما الظلام والسكون منح للحديث صدى مختلف أتنكر تعطشها لبعض الاهتمام كي تشعر أنها مرغوبة .. بل هي تعرف قيمة جمالها و تدرك جيدا كم ضحت لأجله و صبرت لكن عثمان من لا يقدر و لا يراعي مشاعرها ومع هذا ردت بمزاح حاولت أن تكسر الهالة الغريبة بينهما " يكفيك كلام فارغ .. " أخذت نفس طويل ونظرتها تعود مرة ثانية لما حولها بينما تلامس الخصلة الظاهرة من الشال لتعدلها " مع أني فضلت أن نجلس بمكان عام لكن اعترف المكان هادئ جدا ..بالضبط ما احتاجه .. حتى الإنارة تمنحه هالة من السكون ... هنا يبدو العالم بسيط ..خالِ من التعقيد .. " لم يبدو أنه سمعها وعينيه ما زالت عليها كأن شئ أهم يشغله ... ليهمس بعدها بنبرة خاصة وهو يتجرأ أكثر " من لدي غيرك لأشاركه أسراري ... وردة .. أترغبين بمشاركتي أمر أخر ...شي سينسيك العالم وهمومه .. لكن مهما يحصل لن تنطقي بحرف عنه ..." وقبل أن تجيبه رفع جسده قليلا عن المقعد ليخرج من جيب بنطلونه المحفظة الجلدية فيفتحها بتأني لترى بيده ما بدا من الوهلة الأولى كدواء على شكل حبوب محفوظة بكيس شفاف خاص فيكمل بنبرة يملئها الحماس " حبة واحدة من هذه تمحي كل أحزانك بدقائق ..مثل أعادة الشحن للبطارية تمنحك نقاهة و راحة .. كلما أتي إلى هنا أخذ منها و أمضي ساعة من الاسترخاء بعيدا عن ضغط الدراسة و البيت ..أنسى العالم كله لأعود بعدها محمل بطاقة للتحمل مهما واجهت " توسعت عينها مرتدة بحركة مستنكرة للخلف وصوتها يعلو بصدمة " مخدرات ! " لاحت السخرية على تعبيره كأنه يفهم كل شئ بينما يخرج حبة بعناية ويفتح قنينة ماء كانت على جنب قرب عتلة مغير السرعة يأخذ وقته قبل أن يجيبها مدرك على أي وتر يضرب وبداخله يتمنى إن تشاركه " مخدرات ..كلمة قوية .. لا ..لنقل هي فقط ...مهدأ للأعصاب .. فقط لمن مثلنا الذين مهما حاولوا ليراهم العالم يبقون بالظل .. ثانويين .. مع أنهم يستحقون أدوار البطولة .. شئ يخفف عنا ضغوط الحياة لعيش أحلامنا ولو بالخيال لوهلة " كلماته التي لعبها صح على أثر ما يجول بداخلها من رغبات زرعت بدواخلها بذرة اقتناع فأردف وقد ابتلع الحبة أمام عينها " خذي نص حبة بما أنها أول مرة ... ثقي ...ستحلقين مع النجوم ...ولن يستمر مفعولها سوى ساعة على الأكثر بدون أي أعراض جانبية لترجعي بعدها البيت ببساطة .. صديق لي بالجامعة من أرشدني لها فلا تقلقي الأمر متداول بين الطلبة .. ثم أتشكين أني قد أضرك ..هيا لا تكوني جبانة " عينه برقت يتأملها كيف طاوعت بتردد ما إن نعتها بالجبانة ! ..لتستلقي بظهرها على المقعد وتعدل المرآة الأمامية فتنظر لزينتها ..تخفي خوفها من ما أقدمت عليه وتوترها الشديد ..بل حتى ندمها الفوري لما اقترفت هو الأخر يشعر بالقهر فلم يشعر بنفسه ألا وهو يبوح بعد وهلة " رسبت مجددا ... أدرس وأدرس ثم وقت الامتحان أنسى كل شئ ... لم أتوقع أن أجد كل المصاعب بالجامعة و أنا من تخيلت أن الجامعات ترفيه بعد حرقة الدم بالمدرسة ! " ظهر عدم الإدراك على ملامحها بينما دوار خفيف يصاحب شعور مريب بدأ ينتابها فأكمل بغيرة لم تنتج سوى من مفاضلة ومقارنة دوما نشأت ببيته " مللت ..أشعر أن كل جهودي لا تقدر ..أنا أدرس أكثر من أخي أضعاف لكنه بذكائه ينجح بتفوق دون تعب ..ظلم ...أكبر ظلم أن ينال هو المدح و الفخر بينما لا يبذل نصف مجهودي ! " أومأت بموافقة دون أن تنصت فعليا سحب سيجارة من العلبة لتجري نظراتها بعدها لشعلة القداحة فتراها أمر ..مدهش ..ساحر ..اللهب المتراقص يثير بها رغبة بالتأمل فمفعول الحبة بدأ يندمج مع دمائها ببطء .. و بسخرية مريرة استمر بالحديث عن والده هذه المرة " هددني إذا لم أتفوق هذا العام سيتوقف عن الأنفاق ودفع مصاريفي كي أقدر نعم ما يمنحه لي على حد قوله ..أتصدقين .. ..حتى السيارة سيسترجعها مني ! " يدهشها أكثر الدخان الذي بدأ ينساب من سيجارته بعد أن أخذ نفس طويل واسترخائه يتلاشى ليحل بدله الغضب ما أن نطقت متجاهلة شعوره بضحكة مستفزة " لا لوم عليه .. طموحك عالي إذا لم تكن على قدر كلية الصيدلة لما دخلتها و كلفت أهلك مصاريف جامعة من القطاع الخاص ! ..سأخبرك لماذا ..فقط رغبة بتتبع طريق أخيك لتنافسه وتنسى أن لكل واحد نسبة ذكاء متفاوتة " رماها بنظرة كارهة لها بالوقت الحالي فلم تبالي متى سيؤخذ بعين الاعتبار ..متى سيكون مهم لأحدهم فيقدره حق قدره بالبيت كلمته لا تسمع ..بالجامعة بالظل دوما و لا يملك أصدقاء حقيقيين ..يصعب عليه الاندماج وردة الوحيدة التي ظنها تكترث .. تقدره ... ليدرك فعليا أنها تراه هامشي ..تصغره دون تردد رجع ليبتلع حبة ثانية ليتجاهل الواقع ..لينسى ما يراه بؤس بحياته أنفلت لسانها بما بالقلب وقد ملت من حديثه " أتصدق أن الحقير مشى كلمته و جعل زفافه مقترن بيوم زفافي حتى أمي موافقة فقط لأنه خصها بالسؤال متظاهر أنها مهمة له !...بل و مرحبة كأن فرات أبنتها لا عدي الذي نسوه ببساطة ...... مرتضى خشن الطباع الهمجي ..عامل البناء يا بشر يتغزل بفرات ليل نهار علنا وأنا ... عثمان بارد ..ممل ..يوم يقول كلمة حلوة بحقي يبتعد فورا بعدها ما إن يكون بيننا تواصل ! ماذا أفعل ليحبني كما أحبه .. ماذا بقى و لم افعله أصلا " لما تحبه هو ! ..ماذا يملك ليجذب فتاة بجمال و تفرد وردة من سنوات متعلقة به هذا ما فكر به بغيظ وحسد ليقول بعدها بصوت خافت خطر لم تميزه مع ما ينتابها بينما عينيه تشتعلان كجمر سيجارته " مللت من حديثك عنه كل مرة كأن الكون يدور حوله ...لا تجلبي سيرته بيننا مجددا " عقدت حاجبيها مستغربة حدته الحبة التي أخذتها بات مفعولها أقوى ..كمن يدور حول نفسه حتى يتخبط فلا يملك القدرة على الوقوف .. همست بغصة " لا أشعر أني على ما يرام " وبحروف ممطوطة رد مع نفس أخر للسيجارة ليرميها بعدها دون مبالاة من نافذة السيارة فيرجع يغلقها بينما بدت على ملامحها الوهن " لا تخافي .. لأنها أول مرة فقط لن تستسيغي مفعولها لكن بعدها ستعجبك ..جدا .. " يمر الوقت و الاضطراب يزداد ... بحركة متعثرة من يديها فكت الدبوس للحجاب المتراخي حول شعرها لتزيحه وهي تشعر بالحر عقلها بدأ يسترخي مستسلم فلم تلحظ عينيه التي ارتحلت ببطء على عنقها ناصع البياض لتنساب لباقي جسدها المحدد بثيابها الضيقة فيركز مع مفاتنها ... عندها ما عاد يتحمل الأغراء فيهمس ببحة " تعالي لأساعدك .." و مع حروفه كانت أصابعه تتجول حيث أول زرين بقميصها الأبيض ..ليفكهما ! لم تكن فعلا بوعيها والدوار يشتد خاصة مع رائحة الدخان الخانقة فلا تشعر سوى بعدم الراحة من يديه التي تجرأت لمساتها لجيدها من فوق القماش بحركات خفيفة ..لا تزداد سوى رعونة حلمه كانت ومازالت ... وها هي لا تمانع .. أنفاسه باتت أسرع فابتلع ريقه قبل أن يتجرأ بحركة خاطفة انتقل من مقعده أليها ..منحني بالكامل فوق جسدها و أحدى يديه تمتد للعتلة أسفل المقعد ليزيد من انخفاضه مرجعا إياه للخلف حتى شهقت من المفاجئة برعب وكل شئ مشوش حولها .. يفاجئ نفسه قبلها بجرأته وهو يقول بنبرة تملئها الرغبة " تعالي نلعب لعبة .. لن أؤذك ..فقط ... أمنحك المغامرة التي ترغبيها بشدة " و لعبته خرجت عن السيطرة *** ** *