البارت الرابع
: الفصل الرابع :
... المطعم ...
أصابعه بعفوية دون وعي مستمرة بالنقر على الطاولة أمامه شارد .. بتشتت منذ اتصال عثمان به ليخبره برضاها لمقابلته دون أي تفاصيل أخرى .... لا يعلم من أين يبدأ و كيف يصوغ مشاعره .. لا فمشاعره لا تقبل الشرح أكثر ..بل كيف سيوضح أن عليها القبول ..جبراً ..لكن بطريقة لطيفة مهذبة
طول الليل لم ينم و الأفكار تأخذه و ترجعه دون فائدة بيأس فلا يجد الكلمات المناسبة ليحثها على تفهمه و الرضا بعلاقتهم فالغزل ليس ملعبه و لا ترتيب الكلمات بمنطقية نقطة قوة لديه
ألم يخسرها لهذا السبب ..لأنه يخجل من البوح وتخيل أنها تفهمه دون أن ينطق
هو رجل لديه واحد زائد واحد يساوي اثنين ... وهو مع فرات لا ينتج سوى السعادة ..فلما تعقد هي الأمور !
نهض فورا من مقعده بركن المطعم ما أن لمحها تدخل .. فيتجلى جمالها لعينيه كماء يروي تائه بصحراء متأمل أناقتها التي تخلت عنها منذ وفاة عدي لتكتفي بالبساطة ..
تنورتها الزهرية الباهتة ترفرف حول ساقيها تماثل لون الحجاب مع قميص أبيض أنيق جدا بأكمام واسعة فلا تضيق سوى عند المعصم مشغولة يدويا بالخرز الزهري بزخرفة ناعمة ..
وعبارة واحدة تتردد بقلبه... تألقت لك !
بشرة خير ..بشرة خير
كاد إن يفرقع بأصابعه راقصاً لكن تسمر حتى وصلت لعنده ملقية السلام بخفوت فتبسم مبعثر النبضات وهو يرد السلام
ربما دقيقة أو اثنين مرت بعد مغادرة جلوسها دون أن ينطق فقط يحدق بها بوقاحة لتحمر خجل متهربة من عينيه
فلا تدرك أنه عاجز عن الإتيان بحرف بحضرتها ..مرتبك .. يحاول الارتجال و يعجز لسانه
فكانت هي البادئة بنبرة متباعدة
" ألم تطلب أنت لقائي أم أخطأت الفهم "
رؤية ربكته مع تلك الخشونة و الهيبة التي يمتاز بها لو كانت بظل ظروف أخرى لأضحكتها
يقول بسرعة مجيب
" أطلب لك عصير زبيب ..أم نأكل شئ بالبداية "
رمشت بينما كانت تتمعن به لأول مرة بحياتها ..كشريك لحياتها القادمة ..متفاجئة أنه يعرف محبتها لعصير الزبيب
تسترجع مقتطفات بينهما لتدرك أنه يعرف تفاصيلها ..ما تحب و ما تنفر منه
فتتراجع من برودها قائلة بهدوء
" لا شكرا .. فقط قل ما لديك "
أصابعه توقفت عن النقر مستجمع أفكاره قبل إن يبوح بما يدور بقلبه بدون حتى رتوش
" ما لدي قلته من أشهر حتى بات رضاك دعاء ثابت بصلاتي أختمه بها ... فلم أطلب رؤيتك كي أعيد نفس الموال أنما فقط كي أعتذر ... الله يعلم بالضغوط فوق رأسي و كم حاولت منع تسرع أمي لكن للأسف هي محقة ... "
أناملها تحولت لقبضة دون شعور وعينيها على الطاولة لا تملك القدرة لتواجهه فيكمل بقهر أوجع قلبها ..
مقترب منها أكثر
" الزواج ليس بالغصب و لا يمكنني إجبارك لكن من يقنع قلبي .. لو بيدي أقتلعه والله لفعلت فرفضك لي يذبحني ..... كنا أعز أصدقاء لسنوات حتى كبرنا و أحفظك كما أحفظ خطوط يدي لهذا لا أفهم رفضك لي .... "
يسكت وكأنه يعي أمر ..فيرجع يسألها بجدية
" أهو رفض لي فقط أم لفكرة الزواج ... فرات مهما جرى بالماضي سأتقبله ..و سيبقى اعترافك لي هنا بطي الكتمان أحلف لك برب العباد ..فقط أريحي قلبي و وضحي لما الصدود كله منك "
عندها فقط رفعت عينيها له متقدة بنار مدركة ما خيل له لتجد كمية القلق و التشتت به فيتحول الغضب إلى اندهاش بذات الوقت لقدرته على التقبل .. ... فتقول ببساطة ما جاءت خصيصا له مراعية لحالته بصورة مباشرة
" بما أنك قادر على تقبلي كما أنا ..بكل الماضي و أثاره .. بدون تذمر أو ندم ...فأنا راضية
بشرط واحد .... لتكن خطوبة حاليا "
صمت تام و قبولها أخذه على حين غرة و ببطء بدأ يحلل كلماتها المواربة ... عندها رجع ليقول بسعادة لم يقدر منعها مخلوطة بتشتت من الحوار كله
" لم أصبر كل هذا ألا لكي تأتيني راضية بقلبك قبل عقلك و لست مضطرة لترضي أحد أو ........"
" طلبت موافقتي و منحتك إياها مرتضى ... هذا كل ما لدي .. "
قاطعته فأحتوى كفيها داخل يده الخشنة ممررا أبهامه على بشرتها ببطء ...يهمس بثقة
" بالوقت الحالي يكفيني أذن ..... "
و ببهجة يكمل بينما يتوعد لها بدواخله إذا لم يغرقها بحبه لن يكون مرتضى ..فقط لتصبر وسيجعلها تتنفسه كما يعيش بها
"أخاف إن يكون حلم ..والله أخاف أن أصحو "
بخجل حاولت سحب يدها منه فتمسك بها أكثر غير مراعي لوجودهم بمكان عام عائلي .. فيكرر قائلا ببحة و نظرة خاصة أربكتها
" سعادتي مختزلة بقربك و محبتك فراتي .... و سعادتك ستكون على يدي مهما جرى .. ثقي بي "
تبسمت من أسلوبه وتلك النظرة بعينه كطفل يتيم وجد حضن أهله ..فأرتبك و ضاعت نبضة .. أول بسمة خاصة له حملت سحر العالم أجمع .. مهما تخيل لم يكن يظن أن سعادته ستكون بالسعة هذه مع موافقتها
فيعلو صوته محررا يديها
" آآآآه يا رب الجلالة ستقتلني المخلوقة هذه بيوم "
لتتورد وجنتيها خجلا من صوته العالي وسط المطعم يلفت الانتباه لهما وهي لم تتصور أن يسير اللقاء بهذه الصورة العاطفية أو ترى كل الفرحة تلك به ..كانت ستعاتبه .. ربما حتى تخبره بواقع أن قلبها لن يكون له بيوم ... لكن شئ ما أوقفها ..شئ يخبرها أنه لا يستحق الأذية ولتكن صريحة فكرت بمنطق ..أنه سيكون زوجها فكيف تخبره أنها لن تحبه !!
سترضى ببساطة بما كتب لها .... عامين تهالكت قواها معه تقفل باب بوجهه فيفتح عشرة ..يحاصرها حتى اختنقت !
قوطعت أفكارها مع صوته العالي نسبة للمطعم الهادئ نسبيا وهو ينادي العامل مشيرا له ليأتي بينما يجلس بأريحيه ..فيقول بضحكة بشوشة
" لنأكل لأني سأقع من جوعي ..من البارحة لم أضع لقمة بفمي من التوتر "
فسارعت بالقول وهي تنظر لساعة يدها رغم أنها مثله لم تأكل شئ من الصباح
" لا أود التأخر على الدوام ..أخذت إجازة ساعتين فقط فأعذرني سأغادر و تستطيع أكمال وجبتك ..."
يده حطت على كفها متمسك بها عنوة و صوته يخرج بمودة لكن حزم
" لا أحب الأكل وحدي ... هذا أول شئ عليك معرفته .. و الأهم ...تحلي ببعض الدم واستري القليل من رغبتك بالهرب مني .... فقط ارضي بنصيبك معي .. .. وبصريح العبارة سنأكل ثم نتوجه للبيت لنعلن الخبر ..ونؤكده ..ونبصم بالعشرة .."
كتمت اعتراضها بصبر تنوي التعود وكلماته زرعت الخوف من التملك بها
فقط ....لتصبر ... وسيمضي الأمر
لم تمضي دقائق ألا وجذبها لحديث عفوي بينهم فيتلاشى توترها دون أن تتخلى عن الخجل وهو دون البشر حولهم يأكل بيديه وقد رفع أكمام قميصه الأسود و بين لقمة و أخرى يصر أن يناولها لقمة فتجبر أن تأخذها محرجة خوفا أن يتمادى ليطعمها ..
---------------
بعد شهر .. بيت الجد مختار
بقميص قطني مع بنطلون مناسب للعمل به بعض من بقع الأصباغ يلف حول رقبته الكوفية ( الشماغ ) يدندن مع الأغنية المنسابة من سماعة الأذن المثبتة بهاتفه ..بجيب بنطاله .. مع أغنية عراقية شعبية
شسويلة حتى يحبني من نار النار يذبني
شالع قلبي ومعذبني بس لا من صدك ميحبني
حبنا يقَلي حب صداقة من يزعل يقول آشاقة
طلعت روحي من هل علاقة بس لا صدك ميحبني
آتمنى افوت لقلبة واعرف من هو يحبة
خايف لا محبتة لعبة بس لا من صدك ميحبني
من آفرح يبجي عيني يشعل ناري
ميطفيني حسرة افرح يخليني
تقف قرب الباب محملة بصينية صغيرة تحوي شاي مع بعض الكعك ..متناسية نفسها وهي تراقبه متمعنة
وككل مرة تلتقط تفاصيله منذ خطوبتهم وهذه المرة تنتبه لبنيته القوية ذات العضلات الطبيعية بدون مبالغة فتثير بها ..الإعجاب ..خشونة تطفو على ملامحه ......حتى بلمسته تستشعرها أحيانا ..
ألفت هيئته و تصرفاته مع الوقت وهو يواظب على الزيارة بعد عمله ما أن حدد أخيها موعد زواجه من وردة فيتبرع بترميم و أعادة الطلاء غرفتهما لتناسب عرسان جدد ممضي ساعات مجبرة أن ترافقه بها و بين اقتراحه أن يتولى إيصالها من وإلى الدائرة التي تعمل بها فبات روتين يومي بينهم ...ليأتي الليل فلا تنام بدون مكالمته التي يفرضها فرضا مهما كانت الظروف ...
مكالمة لم تحمل بيوم طابع رومانسي تهربت منها كثيرا بالبداية إلى إن استدرجها كصديق يحكي عن عمله بصورة مفصلة حد الملل ..عن كل شئ بيومه ..وهي كذلك ..
فتتعرف من جديد عليه ..وتقر يعجبها ما ترى..
رائحة الشاي أنتشله من غمرته فيتوقف عن الدندنة بصوته الخشن ما أن لمحها تقف عن بعد أمتار تحمل بين يديها شاي و كعك ... تنظر له دون تركيز ..شاردة ..
أخيرا ست الحسن و الجمال أشرقت ..عديمة الضمير لم تعرض حتى أن تساعده ليستغلا الوقت سويا وهو من تبرع ليجهز غرفة عثمان فقط لينفرد بها بين الحين و الآخر
لم يتخيلها متشددة للدرجة هذه !!
فتبسم بداخله يتأملها ببيجاما سروالها من قطم و القطعة العلوية من طقم أخر لا يمتزج به لا لونا و لا هيئة !
مع حجاب متراخي قليلا ..لا شئ أنثوي تخصه به .. واثقة من جمالها و من أنه مفتون ..مأسور بها
برقت عينه و ببعض الغرور داعبها بالقول
" أأعجبك ما ترين لتسرحي بملكوت الله "
رمشت بحياء لتعي أنه قد ألتقط تمعنها به فتقول بسرعة
" كنت أنظر لعملك .. أحببت تمازج الألوان و الزخرفة العربية ...لم أعلم أن خط يدك بديع ! "
يضع عدته بمكانها ..يود لو يخبرها أنها لا تعرف الكثير عنه ... فيقترب منها هامس مع نظرة جعلتها ترتبك
" و المسكين الذي أبدع بها ... ألا ينتابه من الحب جانب ! "
تهربت من عينيه فيسبل أهدابه وهو يعي ما تقوم به منذ بداية الخطوبة ..تتهرب من واقعها معه ..تتباعد بالتمثيل الغير متقن بأنها ..راضية .. ..
لم يكن يريدها جامدة تعامله بطريقة مؤدبة ! ...يريدها محترقة ذائبة ..على الأقل فقط لتترك قلبها موارب له وهو من سيتكفل بكل شئ
يقول بمزاح يكسر طوق التوتر كلما ذكر مفردة من مفردات المحبة بينهما
" الكعك هذا تأكليه أنت لا رجل مثلي يعمل ساعات ...كله و لا الأكل لا مزاح به مرة ثانية أجلبي لي شئ محترم أكثر ..عيب أنا ببيتكم أين كرم الضيافة ...فاجئيني مرة بطبخة من يدك ..
أي شئ تعديه لي مخصوص لأحكم على ذوقك بالطبخ "
أرتفع حاجبها وقد نجح باستفزازها فكتمت واقع أنها ليست على وئام مع الطبخ من الأساس .. لتقول بسخرية
" الذي يسمعك يقول أنك محروم و ليس كل نص ساعة تتوجه للمطبخ و تأكل منه دون دعوة حتى باتت الثلاجة تشكو من كثرة زيارتك لها
ثم على يدك أرجع من الدوام مهدودة الحيل فأي طبخ تتوقع مني ! "
فتمتم بخفوت وصل لمسامعه بنبرتها المتذمرة
" كيف لا يزداد وزنك لتبقى كتلة من العضلات بينما تأكل ضعف الطبيعي ! "
التقط قطعة قماش قرب معداته لينظف بها يديه مستدير عنها فلم ترى الدفء المطل من عينيه وهو مرتاح البال كونها رجعت عفوية معه كما كانا بطفولتهما .. ..بدون حواجز ..بدون حدود الأدب التي تتعب قلبه منها ..فيجيب بتهكم
" عندما تعملين بالبناء من الفجر حتى العصر لسنوات ستعرفين السبب فلست مثل أمثالك الجالسين على المكاتب طول اليوم وأكبر مشقة هي تحرككم للحمامات ..ثم أكل من يد جدتي ما علاقتك ..أم تراقبين حتى اللقمة بفمي ! "
لوت شفتيها مردفة وقد بات قربها لتبدو أقصر بسبب الفرق بين طوليهما ..فتزعجه قاصدة تحاول إن تجد عيوب به لتشتت الغرور بكلماته
"لا كل ما تشاء ..هو كرشك أو كرشي ما سينمو مع الأيام !! .... بالمناسبة .. نصيحة صوتك لا يصلح للغناء علنا ..حتى بالحمام لا تغني ..نشاز ... "
عينيه تلتقط خلف ظهرها الباب المفتوح ليرتاح أن لا أحد بالجوار بينما يستمر بالسير حتى وقف أمامها مباشرة متظاهر بالجدية
" لا أغني بالحمام فلن أغامر بجنية تغرم بي ..لتسكنني .. ..يكفيني الإنسية التي لدي هنا سرقت القلب من سنوات طوال بدون أيجار ..."
فيردف وهو يطبطب على بطنه
" و للعلم ..الكرش عز ... و كلنا سيكون لدينا بيوم فلما التأجيل ! "
رفعت عينيها له بضحكة .... لتتحول لربكة ما أن تلامس كفه مع أناملها الحاملة للصينية الصغيرة ..ليحملها بدلها بيد و يمسك بها بالأخرى يسحبها بلطف خلفه ليجلسا القرفصاء متكئين على جدار لم يبدأ به بعد
" بما انك جلبت كوب واحد للشاي .. سنتشارك به "
وقبل أن تعترض لتخبره أنها لا تشتهي كان يغمس الكعكة بالسمسم داخل الشاي الذي برد تقريبا ثم يقربها من فمها جدا لتجبر أن تأخذ قضمة صغيرة وهو يضع كفه الثانية تحت الكعكة كي لا تتسخ ثيابها بقطرات الشاي المتساقطة ... فيلتهم الباقي بلقمة واحدة ...
و بينما يمضغ تظاهر باللامبالاة وهو لا يجد طريقة ليوصل لها كم مهم جوابها له ..و كم من ضغوط من أهله يتحمل
" بالمناسبة .. خطر لي أمر و حدثت به عثمان و أبي ووافقا لكن لن يحدث إذا لم ترضي أنت ... لما لا نتزوج بنهاية الشهر بدل استمرار الخطوبة و الكلام الفارغ هذا ..نحن نعرف بعضنا من الطفولة لا أعتقد أن خطوة الخطوبة مهمة .. ثم ليكن الفرح فرحين ..عرسنا و عرس عثمان بنفس اليوم , على الأقل نتشارك بالمصاريف "
ارتفع رأسها فورا متفاجئة من طلبه الذي جاء بصيغة عادية وهو يحتسي هذه المرة الشاي مخرجا صوت مستفز
وها هي تأخذ وقتها بالتفكير تسبل أهدابها ..وكم يزعجه أن تواري ما يختلج بدواخلها عنه
عندها أكمل متخلي عن لا مبالاته الخادعة وكله يئن وجعا ليرتوي من وجودها بحياته فيمسك بيديها الاثنين ..عينيه بقوة موجهة لها فتتهرب هي ... يهمس ببحة عاطفية تتقافز بين حروفه
" احتاج لأن تنتمي لي كي أطمئن و يرتاح بالي .. أنام و أصحو و أنت بحضني ...ما عدت قادر على الصبر ...أكثر ..تفهمين علي فراتي "
حاولت سحب يدها بضيق فتشبث أكثر حتى رفعت عينيها له بحياء يكاد يقتلها و التوتر زادها ربكة ..فالخطوبة شئ و الزواج شئ أخر تماما ..
ابتلعت ريقها هامسة بعتب ليس على جرأة نظراته قبل معاني كلماته فقط أنما لأنه ألتف حولها محدث عثمان قبل استشارتها
" مرتضى ..احتاج لوقت لأعتاد ..أرجوك..."
يشد يدها أكثر مقاطع إياها بينما ينحني برأسه مقترب ..متناسي ما حوله معها
" عيونه وقلبه وروحه ...فقط وافقي و أتركي نفسك لي ..و لديك العمر لتعتادي فلن أجبرك على ما لا ترتضيه ..كل شئ بأوانه حلو ... "
رجعت للصمت مفكرة ودون وعي كانت تتلمس كفه بأصابعها ..بشرته خشنة بندب ..تقرحات من عمله ...
رائحته قوية من الطلاء ...بشرته المسمرة بفعل الشمس .. حتى بعض الشيب تخلل شعيرات لحيته الخشنة !
رمشت رافعة رأسها مرة ثانية ناحيته مصدومة من كفه الملامسة لوجنتها ليقول بعشق
" علاقتنا لتنجح و نعيش براحة و سعادة لن يكفيها حبي لك مهما كنت مضحي و متفاني به ... عليك التحرك فلا تتركيني أقطع المسافة بيننا وحدي وأنت بمكانك .. كما أراعي مشاعرك ..راعي أني رجل شارفت على نهاية الثلاثين و أعزب ..أتقي الله بي يا بنت و قدري حالتي فقط انتهت صلاحية الصبر لدي "
صوت جدهم مختار المنادي على سهاد بصوت عالي كما اعتادوه بكل مرة يرغب بشيء فلا يجدها جعل فرات تبتعد فورا لتنهض فلم يعتقها ..مقيد معصمها قائلا بقوة و نبرة عالية
" أعلي التسبب بفضيحة ليستروا علينا و نتزوج أم توافقين بالطيب "
توسعت عينها وبدا بقمة الثقة بينما تركيزه على شفتيها فسارعت لتقول قبل إن تهرب وهي تدفعه
" أي مجون بات يحتلك ! "
ارتفع حاجبه وهو يحك رأسه بأطراف أصابعه لينطق بصوت عالي مع ببسمة عابثة بينما يتأمل خطواتها القافزة هربا
" بدلي الميم بالنون فعقلي سلم وأستسلم للجنون منذ أن فهمت معنى خفقات قلبي برفقتك .. ..وبأذن الله تصيبك العدوى على يدي "
فيتنهد و بثقة يهمس
" إذا لم أعتصر قلبك لينزف عشقا تعالي وعاتبي "
مواقف بسيطة , تفاصيل تبدو من بعيد هامشية ..لكنها حجر الأساس بأي علاقة
لتكتشف إن المحبة كبذور تحتاج للغذاء لتنمو فلو كانت هي أشعة الشمس فهو لها الماء يرويها ... موقف تلو الثاني و باتت شوائب الواقع تشتت جمالية ما رسمت من توقعات ..تأملات ...لعلاقتهما
أجل ها قد تحدد موعد زواجهم كما تمنت منذ نعومة أظافرها متخيلة أنها ستطير بيومها بين السحب ..لتصدم بتناقض مشاعرها وهي تعي أي حياة ستكون معه ..مملة ..روتينيه ...
عالقة بين حاجتها للمزيد كما تستحق و بين ...حبها له
الآن وهي ترى بعينها معاملة مرتضى لفرات ما عادت تمتلك صبر على برود عثمان معها ..برود لم تستوعب من البداية أنه خصلة من صفاته و ليس من عدم المبالاة ..بل فقط ..تحفظ وحدود يضعها دوما مراعي الله بها وهو أدرى الناس بحاله إذا ما ترك العنان لها سيقطع كل الحدود الحمراء
تريد إن تعيش الحب على أصوله متناسية أن تقيمها للحب لم يأتي سوى من حكاوي صديقات السوء أحيانا أو من أفلام لا تنتمي لواقعهم الشرقي المحافظ ..أن تسمع منه كلمتين حلوة ..غزل صريح .. ..و تتجاهل أن عقله و جسده مرهق بالعمل ليل نهار فأخر همه أن يتغزل بها وهي منذ الأزل أمامه فلم يستجد جديد .. ..أن تكون الأولوية بحياته ..وهو رجل حمل الهم و ثقل مصاعب الحياة بأجمل سنين عمره فنسى نفسه حتى !
لكن أيمكن لأحدهم لومها وقد صبرت سنوات و سنوات عليه !
يتخبط ..يتعثر ..بأمر توهم بساطته .. و لا يستوعب أي خلل يصاحب تصرفاته فلا يملك القدرة على أمساك العصا من الوسط ...
باتت تتذمر باستمرار .. لا تتقبل أي رأي بدون جدال عقيم .. نظراتها لائمة دوما على أي تقصير كان سابقا لو حصل لتفهمته بدون أي عتاب
منذ خطوبتها لفرات و التغير بدأ ..ليس بغافل عن ضيقها لكن لا حق تمتلك ..بل ما زالت كطفلة غيرتها مكشوفة وقد ضاقت نفسه من تقلباتها
امتداد يده ناحية جهاز الراديو بالسيارة ليرفع الصوت تناقض عندها مع توضيحه السابق لصداعه المهلك ..من وجهة نظره ..و الذي أجبرها أن تؤجل مراعاة له أي نقاش ..لكن أن تضج سيارته بصوت المؤدي الهابط لكلمات أغنية لا تتبين معالمها و موسيقى موترة عالية هنا كانت النهاية خاصة أنها أوضحت له كيف تكره هذه النوعية الرديئة من الأغاني فارتفع سهم توترها و ما عاد للسكوت محل بينهما .. توقفت السيارة مجبرة بفضل الازدحام الخانق بشوارع بغداد فالتفتت له تميل بجذعها واضعة ذراعها على مقعده و بعينها نظرة يملئها الإصرار ما أن رآها حتى تنهد و محاولته ليمرر اليوم على خير فشلت ...
بجدية مع نبرة انفعال خاطبته
" أهذا سيكون حالنا ..وضح ... لأعرف دربي كيف أسيره "
رجع متنهد قائلا ببرود
" و ما به حالنا ؟ "
يستفزها أكثر ببساطة تعاطيه مع المشكلة وكأن تجاهلها سيحلها ..فترجع قائلة وهي تغلي من بروده بينما يتقدم هو بالسيارة قليلا وقد تحرك السير
" ألا تعرف ..بريء ما شاء الله عليك ...ألا ترى رأيي هامشي بكل قرار يتخذ ! ..... عائلتنا تمسك قيادة حياتنا بكل خطوة .. .رضيت بتدخلهم بتفاصيل كل شئ .. ...لكن موعد زفافنا أقل شئ أختاره أنا دون تدخل ولا أفهم من أين جاءت فكرة أن يشاركنا مرتضى يوم عرسنا ! ......كثير ..والله كثير "
هذه أول مرة تتحدث هكذا فتجلت ردة فعلة بالانفعال هو الأخر بعصبية و الضغط عليه من الجهتين لا يولد سوى الانفجار
" كوني أحترم رأي الأكبر منا لا يعني ما تلمحين له ..
لا افهم تفاهة تذمرك و ما بها لو شاركنا البقية ببعض الأمور البسيطة .... .. ...
وتعالي هنا ما معنى اعتراضك أن يكون حفل زفافنا بنفس يوم فرات ..ماذا سينقصك بالعكس ظننت أنك ستفرحين
ثم لا تخافي هو مجرد اقتراح نحاول إن نقنع به أختي و لا أظنها سترضى "
تبهت متفاجئة بصوته الذي يعلو عليها فتهمس بعتب و هي تتراجع بظهرها متباعدة عنه حتى النافذة
" تافهة !! ..أنا يا عثمان ..."
أفزعها وهو يضرب بكفه على البوق عدة مرات منبه السيارة التي إمامه لتسير وقد تحرك مرة أخرى السير ..
ماذا سيحصل بعد الزواج له و أي حياة سيعيش إذا كانت الخطوبة بكل التوتر و المشاكل هذه .. فكر وهو يتعوذ من الشيطان هي لا تستوعب أن بزواج مرتضى معه بنفس اليوم يحمل معه نصف التكاليف بل حتى أنه مصر إن يزوج فرات معه فقط ليطمئن وهو يلتمس منها التلاعب برفضها حتى لعقد القرآن على مرتضى رغم إصراره
رجع يهادنها ملامس لكفها
" لا تأولي الأمور لغير معانيها .. تعلمين إني ما كنت أتهمك بهذا لكن كلمة خرجت مني ..."
استكانت ظاهريا ...كانت تختنق ..
تشعر الكل يبخس قيمتها بفرحتهم بفرات أكثر !
يرجع قائلا وعينيه على الطريق
" لخاطري أتركي لهم هذه التفاصيل البسيطة ..من فرحتهم بنا لا يريدون سوى مشاركتنا بأسس بيتنا القادم ودعي لنا الاستمتاع بينما يحملون العبء بدلنا ... وافقي على رأيهم و لأحقا سأبدل لك أي مما قد لا يعجبك بالغرفة أعدك .. ثم ما بك ...حقا استغرب منذ خطوبة فرات وأنت لست على بعضك !"
ضاقت عينيها و لا إراديا سحبت كفها منه فتهمس بنبرة لم يتبين غرابتها و انشغاله بالطريق المزدحم شتت تركيزه
" لا شئ ... يبدو أني على أعصابي اليومين هذه "
أومأ دون تركيز متصور أنها فهمته ..فيكمل بنبرة بسيطة كحال أفكاره
" دعينا فقط نسهل الأمور و لا نضع العقدة بالمنشار ... ألم تلحظي إننا لم نجلس سويا و لا مرة دون شجار منذ بدأنا الاستعداد للزواج "
تلوي شفتيها و عينيها تتجه للنافذة .... تموت غيظا ..كيف تتقبل أن يفرض عليها كل شئ حتى الثياب الخاصة بمهرها والدتها قيدت رأيها بها بناءا على رغبته هو ... بينما فرات ..تأمر فتطاع ..
اليوم صدمت بفكرة أن يقيموا بدل الزفاف أثنين بنفس اليوم .. أيستكثرون عليها أن تهنئ بيوم عرسها !
فيدفعها الشيطان موسوس لترجع قائلة
" ربما عليك قول هذا لنفسك .. اشعر أنك تلغي كياني ..بالظل بت بكل خطوة نتقدمها بحياتنا ...من ثلاثة أيام أطلب أن نخرج سويا لشراء الستائر و لا وقت لديك لي كل مرة أكون مهمشة بنظرك ""
وها قد أتى وقت الفلسفة و الكلام الفارغ ..ولو توقعت إن يطبطب عليها مراضي فهي متوهمة ..
عينيه بقت بالطريق متجلد .. و بضيق جاء الرد
" كلام الروايات و الأفلام الهندي لا يليق بنا وردتي ... اهدئي و احتوي الموقف.. يوم اخترتك لتكوني زوجتي أكثر ما جذبني هو قدرتك على تفهم وضعي وقلتها قبل إن نرتبط ..أنا رجل بالكاد ألحق على لقمة العيش فلست اخرج مع أصدقائي بالمقاهي ..بل أعمل و أعمل لأوفر لنا حياة ترضيها ..و أعتقد بأم عينك رأيت أنني بالأيام السابقة كنت لا أرجع للبيت سوى مرهق من العمل وبوقت فراغي أخرج بالسيارة كسائق تاكسي لأوفر أكثر فقط لتنالي حلم زفافك ومع هذا ها أنا معك لنشتري ..الستائر "
توجعت ... لأول مرة تتوجع منه ... شعرت كأنه يمن عليها ... فخرجت حروفها بتعجل وقد مس ما يفوق كرامتها ...قلبها العاشق
" ربما علينا أخذ فترة نفكر بها ماليا بعلاقتنا ...و مواقفنا "
صوته ارتفع بقوة أفزعتها ولم تعتد منه العصبية ..
" يكفي .. يبدو أنك منزعجة من شئ و تفرغين شحنة غضبك بي ... لو كنت أعلم لما عرضت عليك أصلا الذهاب للسوق اليوم و تركت جدي لوحده بالمحل "
مضت دقيقة كل غارق بأفكاره إلى إن قطعت هي سكينة الصمت هامسة بأمر
" لا أريد الذهاب لأي مكان معك ...أنزلني فورا .."
رمش مفاجأ فيحدق بها كأنها تحكي مزحة ...يقول باستهزاء
" سأنزلك لا تخافي ما إن نصل ..لا أحب على قلبي من إنهاء حوار عقيم كهذا "
و بحركة سريعة أدار مقود السيارة ليلفها حيث الاستدارة لليسار عائدا للبيت مما جعل سيل شتائم من السائقين خلفه تنطلق ..
توسعت عينيها وهي من قالت ما قالت فقط لتجذب انتباهه لمدى غضبها ..فيراضيها ...
عندها قفز الجنون أعتاب أفكارها وقد انتهى عهد الصبر ناحيته ...
وما أن توقفت السيارة أمام باب البيت كان هو يقول بصوت هادئ منذر بوابل من الجنون لو اعترضت بحرف
" أخبريهم أن السيارة تعطلت و أرجعتك ... لا أريد أن نشوش عليهم الفرحة ... "
لم ترد عليه مكتفية بالنزول لتغلق بابها بقوة جعلت عينه تبرق بغضب من قلة احترامها فيشتم بدواخله
___________
بعد أسبوع ..
حبات العرق تزحف باستفزاز فوق بشرته السمراء ليمحها بين الحين و الآخر بظهر كف يده فحرارة الشمس تذيب الحديد حتى مع اقتراب فصل الخريف ... ومع هذا لم يتخاذل لساعات على نفس الوضعية فوق السلم الخاص بالبناء يقف بصلابة فالعمل الشاق الأمر الوحيد الذي يكبح جنونه الحالي مع فكرة أنها لم تتصل به منذ يومين ..وكرامته منعته من المبادرة بالمقابل ... ..
ولأول مرة يستغني عن سماعاته و أغانيه العراقية بصوتها الصادح كما اعتاد فعقله بمكان أخر مسترجع أخر زيارة له لبيت جده ..كلمات نثرت الملح على جروح ترفض التئام مقر بالواقع
فرات لا تحبه كرجل ...هي حتى لا تتخلى عن حجابها بحضوره متحفظة مع أي لمسة أو همسة كأنها تمن عليه بقبولها بالخطوبة ... بل وحتى رفضها التام لمسألة زواجهم مع عثمان أثار به الاستغراب ليستوعب لعبتها ...تريد المماطلة ... تهادنه كطفل بمراوغه يشم بها الغدر ..لتنفصل عنه ما أن يتزوج أخوها ربما
أسبل أهدابه متذكر ما جرى قبل أسبوع
يجلس القرفصاء أمام حنفية الماء بالحديقة مع الفرش و باقي أدواته ينظف يديه بعناية بعد أن أنهى لليوم عمله ينوي بعدها استغلال الوقت لينفرد بعديمة الدم قليلا يدعو الله إن يحاصرها بأي مكان منفرد معها عندها لمح وردة تدخل البيت وقد رجعت من جامعتها فدفعه الفضول ليعرف سبب تعاملها الجاف معه طيلة الأيام السابقة فلا تشاركهم وجبة يدعى لها بل تتهرب منه رامية إياه كل الوقت بنظرات عدائية
يقول بخشونة جعلتها تجفل وهي لم تلحظ وجوده
" ألن تلقي السلام حتى !! ...ونعم الأخلاق "
ودون إن تعي أن عادته بالمزاح ثقيلة استدارت ناحيته ..واضعة كفها على خصرها ..ملامح لا تقرب للمودة شعرة مما جعله يخجل قليلا من كلماته وهو يعتبرها كأخته الصغيرة فيقول بمودة
" أذن لم تخبريني برأيك بخصوص الغرفة ..أيعجبك اللون ؟"
ببرود أجابت و الضيق يتوهج منها حتى استغرب
" وهل أخذت رأيي قبل إن تعمل حتى تسألني الآن ؟ ... على العموم لا يهم فلا يحق لي قول شئ بالنهاية هي هدية لعثمان ..و علي تقبلها "
تلاشت المودة منه وجسده ينتابه تشنج خفيف ..حتى نبرته تبدلت للجفاف
" لا وعلى ماذا ... إذا لم يعجبك شئ قولي و أعيده .. "
ارتفعت عينها له فتعجب من نظرتها المشعة بالكره ... ليتمعن بتركيز وهو يجد أمر غير طبيعي فأستوعب أنها ترتدي عدسات بلون أخضر غريب لم يحبذه .. جمالها الطبيعي يضيع مع المبالغة هذه لكنه طبعا لن يجرأ إن ينطق برأيه معها
تجيبه هي هذه المرة بقوة و قد فاض بها الكيل من رؤيته كل يوم مع فرات التي نست عدي ببساطة بل و الكل يرحب به مانحين له مكانه ليست له
" حسنا ...أذن توقف ..جد ذريعة لعثمان و اعتذر عن أكمال الغرفة ... سأغلفها من الأساس بورق الحائط فلن أتحمل النظر لعملك كل يوم لأتذكر أنك الرجل الذي سرق زوجة أخي منه بدناءة "
لجزء من الثانية غافلته الصدمة من كلماتها قبل إن يستعيد تماسكه
و بخشونة ينوي وئد الحوار بينهما كي لا يغلط بحقها كان يقول
" سأراعي حالتك المرة هذه لكن لو تكررت سترين ما لن يحمد عقباه ..ألا فرات لن اسمح لمخلوق بالتطاول على ما بيننا ...فأنصتي جيدا ... لو رغبت بسرقتها منه ..لفعلت بوقت كان على قيد الحياة ..لحاولت التقرب منها و أجرب حظي لكن احترمت وجوده قبل حتى عقد قرآنهم و تنحيت جانبا .. فليس ذنبي أن الله سبحانه له مشيئة أخرى ..هنا يتخطاني العيب يا صغيرة ...وبخصوص الغرفة سأكملها إلى أخر شبر فكما قلتي ..هي هدية لعثمان فلو شاء هو أن لا أكمل ..ليبلغني ..لديه لسان "
تحرك مبتعد عنها ليصدم بصوتها يملئه الحرقة ..بل الثقة كذلك
" لو كان لك نصيب بقلبها لما تأخر العمر كله ..على من تضحك أنت لم تترفع عن المحاولة بل بيأس تنحيت لأنها تعشق أخي ..حتى وهو عند خالقه تعشقه أما موافقتها عليك فلم يكن حبا بل بسبب إلحاحك و قد باتت أمام العائلة كلها بموقف صعب مع ضغطك المستمر عليها "
السم بحروفها يحرق دمه حتى تجمد بمكانه فقط بدون كلمة ... فتكمل ببسمة خبيثة
" قالت مرة أن عدي الرجل الوحيد بعينها .. الوحيد الذي تثق به و تأتمنه مغمضة العيون .. قلبها لن ينبض بدونه ....لكن لا حاجة لأبوح بالمزيد لك فأنت رجل و تشعر أنها معك ..ليس موجودة سوى قالبا خالية القلب ..."
" أتشعرين بالراحة الآن بعد أن قلت الكلمتين التي بقلبك .. "
بنفس الابتسامة الصفراء قابلها ...يردف وهو يهمس منحني بطوله قليلا ناحيتها
" لما أشعر إن غيرتك منها ما يحركك و ليس محبتك لأخيك ... الغيرة مضرة بالصحة ..تسبب قرحة وأنت ما زالت ...صغيرة "
ليرى كلماته لها الأثر عليها فيتأكد من ظنونه ..هي تغار ... لكنها لم تكن لتجعله يربح فتتقدم باللعبة بدناءة معلنة عن سر خاص بفرات وحدها
" سأتبع نصيحتك فأنت صاحب الخبرة من سنوات طوال محروق الدم بغيرتك منه لأخي الذي لن تنال مكانته بقلبها العمر كله ولو أوقدت أصابعك العشر شمع لها .. و أذا لم تصدقني فقط أنظر للسلسلة حول عنقها ..ستجد هدية أخيه مازلت هناك ..قرب قلبها .... "
" أهناك شئ ؟ "
سؤال جاء بهدوء و رقة من قبل فرات المستمرة بالسير ناحيتهم مستغربة وقفتهما العدائية
و بخطفة عين تلاشت الكراهية من ملامحها لوردة بينما كانت حالته لا يعلم بها سوى الله حتى بات لا يشعر أنه على أرض صلبة فيستمر بالنظر بقسوة لفرات قبل أن ينطق بصوت بارد كالصقيع .. ..يعلن عن نهاية صبره حتى وهو يحمل بطياته بعض التهكم
" جئت بوقتك .. وردة للتو كانت توضح لي نظرتها المتدنية نحوي ...وكيف سرقتك من أخيها بنذالة ..و ماذا بعد ؟ ...أمم ..آه صح ..ومهما جرى لن أنال قلبك "
ليبتسم ببساطة رغم الألم الساكن بحدقتيه بعمق فتظهر تلك التجاعيد على طرف عينه ..بسمة باهتة بدت شريرة بنظر وردة المذهولة من نطقه بما دار بينهما بينما انسحبت الدماء من فرات دون القدرة على النطق ..
كل اهتمامه وتركيزه لفرات بقى فلم يكترث لأبنه خالتهم التي انسحبت بخجل من نظرة فرات المعاتبة لها ... عندها قال وقد طال الصمت بينهما
" ماذا ..أكل القط لسانك ...ألن تردي عليها بكلمة حتى ! ...عادي لديك إن تهينني وتجرحني بما على ما يبدو قد قلته فعلا وأنا من أملت أنها كاذبة مدعية "
أسبلت أهدابها لوهلة قبل إن ترفع رأسها ..بصوت منخفض ردت
" لم يفترض بك أن تحرجها أمامي ..مهما قالت لك و فعلت هي ما زلت صغيرة .. مجروحة .. أرجوك قدر حالتها .. "
الألم بدا واضحا على ملامحه السمراء و تلك العروق برقبته و جسده وضحت كم يتحامل ليبقى يحدق بها لا يصدق أنها لم تحاول حتى التبرير أو الدفاع عنه ..
" سأخرج الآن كي لا أرتكب حماقة لن تعجبك نتائجها ..."
فيضيف قبل إن يتحرك ونظرته لوحدها حكاية ..خائف إن يتحرر كل الغضب ..الغيرة ..من عقال سيطرته
" أحيانا أتسأل أتستحقين محبتي و مراعاتي لك أو لا "
.........................................
" مرتضى ...الأكل وصل ما بك ساعة ننادي "
صوت العامل جعله يرتبك ليرتد خطوة للخلف وقد رجع لحاضره متناسي أين يقف وباللحظة التالية قدمه زلت ..فأختل توازنه ..يتعثر ...ويقع ...
***
**
*