ما بعد الغيم
في اليوم التالي لعودته، جلس سامر وليلى على السطح الذي جمعهما أول مرة.
كانت المدينة تغتسل بضوء الغروب، والريح تداعب الغسيل المعلّق كما في الأيام الأولى.
كل شيء بدا كما كان، إلا أنهما لم يعودا كما كانا.
الزمن مرّ، والخوف نضج في عيونهما، والحنين صار له طعم الوجع الجميل.
قال سامر وهو ينظر إلى الأفق:
> "كنتُ أحلم بهذه اللحظة وأنا في الميدان. كنت أغمض عينيّ وأتخيّلك واقفة هنا، كما أنتِ الآن.
كنتُ أقول لنفسي: إن عدتُ حيًّا، فسأبدأ من هذا السطح، حيث انتهى كل شيء وبدأ في الوقت نفسه."
ابتسمت ليلى بخجلٍ ودفء، وقالت:
> "وأنا لم أترك السطح يومًا. كنتُ أصعد كل مساء، وأنتظر الريح التي تأتي من الشرق، كما وعدتني في رسالتك.
كنتُ أقول لنفسي: طالما هناك ريح، فهو ما زال في مكانٍ ما يفكر بي."
ساد بينهما صمتٌ طويل، لكنه لم يكن صمت الغربة، بل صمت الألفة، كأن الكلام أصبح فائضًا عن الحاجة.
ثم قال سامر بعد لحظة تأمل:
> "الآن يجب أن أعود رسميًا إلى القاعدة. الحرب انتهت، لكنّ الخدمة لم تنتهِ بعد. لن أقدر أن أبقى طويلاً."
نظرت إليه بخوفٍ خفيٍّ وسألته بصوتٍ متهدّج:
> "وهل ستتركني من جديد؟"
هزّ رأسه نافيًا، وقال وهو يبتسم:
> "لن أتركك هذه المرة وحدك في الأرض. إن كانت السماء قد جمعتنا، فلن تفرّقنا أرضٌ أو حرب."
وفي اليوم التالي، جاء إلى بيتها مع والدته، طالبًا يدها من عائلتها رسميًا.
كان اللقاء بسيطًا، دافئًا، يشبههما تمامًا.
وافق والدها بعد أن سمع قصته، وكيف كانت السماء شاهدةً على حبٍ بدأ من بعيد.
وبعد شهرٍ واحدٍ فقط، عُقد القران في حفلٍ صغير، حضره الجيران والرفاق، وكان السطح الذي شهد البداية شاهدًا على النهاية الجميلة لتلك الحكاية.
في ليلة زفافهما، حين صعدا معًا إلى السطح، قال سامر وهو ينظر إلى السماء:
> "أتذكرين أول مرة رأيتك فيها؟ كنتِ تنشرين الغسيل، وأنا كنتُ أبحث عن غيمةٍ أستريح تحت ظلّها، فوجدتكِ."
ضحكت ليلى وقالت:
> "والآن؟"
أجابها وهو يضمّ يدها إلى صدره:
> "الآن لا أبحث عن غيمٍ بعدك، فقد صرتِ أنتِ سمائي."
رفعت رأسها نحو السماء، وقالت وهي تبتسم:
> "ومن قال إن الريح تفترق عن السماء؟"
وفي تلك الليلة، مرّت طائرةٌ في الأفق، كأنّها تباركهما من بعيد، تلوّح لهما بجناحيها في صمتٍ يعرفه قلباهما فقط.