الفصل الثامن
⚜️ الفصل الثامن: دائرة الخلود
كان كل شيء ساكنًا… لكن السكون هذه المرة لم يكن صمتًا، بل انتظارًا.
السماء الرمادية فوق رؤوسهما بدت كأنها تتنفّس، تتلوّى في بطءٍ وتتحول إلى دوائر من الضوء المائل إلى الذهبي.
الهواء نفسه كان دافئًا بشكلٍ غريب، يحمل رائحة الرماد الممزوج بالعسل، كأن المكان لا يعرف إن كان حيًا أم ميتًا.
وقفت ميرا تتأمل الأفق الممتد أمامها — أرضٌ بلا حدود، مليئة بأشجارٍ بيضاء تتوهج من الداخل، لا تُلقي ظلًا، ولا تترك أثرًا حين تُلمس.
أما ليون فكان ينحني على الأرض، يتحسس التراب المضيء بأطراف أصابعه:
> "إنه دافئ… كأنه ينبض."
ردّت ميرا بصوتٍ مبحوح:
> "هذه ليست أرضًا… هذه ذاكرة."
---
تقدما بخطواتٍ حذرة.
كلما سارا، تغيّر المشهد من حولهما، كأنهما يسيران داخل حلمٍ حيّ؛
تارةً يرى ليون مدينة فالين قبل أن تنفجر، وتارةً أخرى يرى آرين يقاتل زافير وسط اللهب، ثم مشهد سقوط النور من السماء.
كل شيء يعود للحياة — لكن لا أحد منهم يلتفت إليهما، كأن الماضي يُعاد أمامهما على شكل طيفٍ واعٍ.
وفجأة، دوّى صدى بعيد.
لم يكن صوتًا، بل إحساسًا بالنداء، شعورٌ يضرب القلب مباشرة دون أن يمرّ عبر الأذن.
رفعت ميرا رأسها، ورأت وسط الأفق بوابةً عملاقة مصنوعة من الضوء والرماد.
حولها دوائر من الوجوه الشاحبة، أرواح تتكلم بلا صوت، وأجساد تتكوّن من أجزاء زجاجية متكسّرة.
اقتربا أكثر، حتى ظهر أمامهما كائن يشبه البشر، لكن وجهه يتبدّل كل ثانية: مرةً رجل عجوز، ثم طفل، ثم امرأة، ثم ظلّ.
قال بصوتٍ هادئ لا يأتي من فمه:
> "< مرحبًا بكما في دائرة الخلود. >"
تقدمت ميرا خطوة وسألت:
> "هل أنت الحارس الجديد؟"
ابتسم الكائن وقال:
> "< لا. أنا مجرد مرشد. الخلود لا يحتاج إلى حراسة… لأنه لا ينتهي. >"
تبادل ليون وميرا النظرات.
ثم سأل ليون:
> "ما الذي حدث هنا؟ لماذا نرى الماضي يعود؟"
أجاب المرشد، وصوته يتكاثر كأنه أكثر من شخصٍ يتكلم في وقتٍ واحد:
> "< هذه الدائرة هي مفترق الزمن. هنا تلتقي أرواح من ماتوا ومن لم يولدوا بعد.
الخلود ليس حياةً بلا موت، بل وعيٌ دائمٌ لا يمكنه أن ينسى. >"
قالت ميرا بقلقٍ واضح:
> "وعي لا ينسى؟ إذًا هو عذاب."
ابتسم المرشد ابتسامةً حزينة:
> "< لهذا وُجدتِ أنتِ يا ميرا. الختم الرمادي في صدرك ليس لعنة، بل مفتاحٌ للنسيان.
ستُخيّرين: إمّا أن تعيدي التوازن وتُطفئي ذاكرة العالم، أو تتركيه يستمر في الحلم إلى الأبد. >"
صُعقت ميرا من الكلمات.
> "أن أُطفئ ذاكرة العالم؟! يعني أن أُميت كل ما عاشه البشر؟!"
اقترب المرشد منها، ووضع يده على كتفها — لم يكن جسده دافئًا أو باردًا، بل كأنه فراغ يحمل شكلاً.
قال:
> "< الموت أهون من أن يتذكر المرء كل شيء. إنهم هنا منذ قرون، يعيشون لحظاتهم مرارًا وتكرارًا، لا يستطيعون المغادرة، ولا يريدون العودة. >"
في تلك اللحظة، بدأت الأشجار البيضاء من حولهم تذوب ببطء، وتتحول إلى سائلٍ رماديٍّ يتصاعد إلى السماء.
أصوات الأرواح بدأت تتسلل من كل الجهات:
> "ميرا... أكملي ما بدأه آرين..."
"أعيدي الصمت... قبل أن يُبتلع النور مرة أخرى..."
نظر ليون إلى ميرا بخوفٍ واضح:
> "لا تستمعي إليهم… ربما هذا فخّ!"
لكن ميرا لم تُجب.
كانت عيناها تحدقان في البوابة التي بدأت تتوهج بقوة،
ومنها خرجت هيئة عملاقة من الضوء الأسود، تشبه إنسانًا، لكن ملامحه ممزقة بالنور.
مدّ يده نحوها وقال:
> "< أنا الخلود، نهاية النور وبداية العدم. >
ميرا… آن أوان الاختيار. >"
تراجع ليون وهو يصرخ:
> "لا تقتربي منه!"
لكن ميرا لم تتحرك.
كانت تشعر أن كل شيء في داخلها — النور، الظل، الرماد، وحتى صوت آرين —
يدفعها لتواجه هذا الكيان الذي لم يكن عدوًا أو صديقًا، بل مرآة وجودها نفسه.
مدّت يدها نحو الضوء،
وفجأة، توقفت الحركة من حولهما، وتحوّل الزمن إلى رمادٍ يتساقط ببطء.
قالت بهدوءٍ كمن يقرر مصير العوالم:
> "إن كان الخلود يعني أن نظل أسرى للذكريات، فسأختار النهاية… لا الصمت، بل البداية الجديدة."
ابتسم الكيان، وانفجر المكان كله بنورٍ رماديٍّ هائل،
وفي لحظةٍ واحدة، عاد كل شيء إلى السكون.
---
عندما فتحت ميرا عينيها، كانت وحيدة في فضاءٍ أبيض لا حدود له.
لا ليون، لا الأرض، لا السماء.
فقط نقطة صغيرة من الضوء الرمادي تومض أمامها، وصوتٌ خافت يقول من بعيد:
> "< البداية الجديدة لا تولد إلا من قلب النهاية. >"
رفعت ميرا يدها نحو الضوء وقالت:
> "إذًا… بدأ عصر الانعكاس."
وانطفأ المشهد في ومضةٍ من الرماد اللامع.