سقوط النور الجزء السادس - الفصل السابع - بقلم Yahya al-Haddad - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سقوط النور الجزء السادس
المؤلف / الكاتب: Yahya al-Haddad
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السابع

الفصل السابع

⚜️ الفصل السابع: دائرة الصمت لم يكن هناك صوت. ولا حتى همس الرياح أو دقّات القلب. فقط فراغ مطلق، ثقيل كأنه جدار من الفراغ نفسه. عندما عبرت ميرا وليون بوابة الفجر، وجدا نفسيهما في أرضٍ خالية تمامًا من أي لونٍ أو حركة — مجرد مساحة رمادية لا نهائية تمتد بلا نهاية، حيث لا ظلّ ولا ضوء، فقط صمتٌ يبتلع كل شيء. مدّ ليون يده نحو ميرا وقال بصوتٍ لا يسمعه أحد، لأن الصوت نفسه لم يعد موجودًا. ومع ذلك، فهمت كلماته، كأن الوعي بينهما صار لغة جديدة. > (ليون: هل نحن أحياء؟) (ميرا: لا أدري... لكنني أشعر بأن الصمت هنا ليس فراغًا، بل شيء يراقبنا.) تقدّما ببطء، وكل خطوة كانت تُحدث تموّجًا خفيفًا في الأرض الرمادية، كأنهما يسيران على سطحٍ سائل من الزجاج المتجمد. كلما مشيا أكثر، كان الهواء يزداد ثِقلاً… حتى شعر ليون أن صدره يُسحق من الداخل، وكأن الصمت نفسه يحاول خنقهما. ثم فجأة، ارتعشت الأرض، وظهرت أمامهما كتابات ضخمة محفورة في الهواء. لم تكن كلمات بشرية، بل رموز من العهد القديم، تتوهج باللون الفضيّ ثم تتلاشى. ومع كل رمزٍ يضيء، كانا يسمعان صوتًا بلا صوت يتردد في داخلهما: > "< من يتكلم في دائرة الصمت... يُمحى. >" توقفت ميرا، ووضعت يدها على صدرها، حيث ينبض الختم الرمادي بوميضٍ خافت. فجأة انقسم الفراغ أمامهما إلى شكلٍ هندسيّ غريب — دائرة داخل دوائر — وفي وسطها ظهر كيانٌ مهيب لا يُشبه أي مخلوقٍ آخر. --- كان الحارس الحقيقي للصمت. جسده يتكوّن من شقوقٍ من الزجاج المضيء، وجهه بلا ملامح، وصدره يحوي فراغًا يدور فيه ضوء أسود كالعاصفة. وعندما تحرّك، لم يُصدر صوتًا واحدًا، لكن الهواء نفسه انكسر من حوله، كما تنكسر المرآة عند اللمس. اقترب بخطواتٍ بطيئة، ومع كل خطوة كان الصمت يزداد حتى شعرت ميرا أن عقلها يكاد ينفجر. رفع الحارس يده، وظهرت فوقها نقطة سوداء صغيرة بدأت تتسع كالثقب، تمتص كل ما حولها — الضوء، الزمن، وحتى الذكريات. صرخ ليون — لكن صراخه لم يُسمع، بل تفتّت في الهواء. حاولت ميرا التواصل عبر وعيها، فأرسلت إلى الحارس فكرة واحدة: > (من أنت؟ وما غايتك؟) تردّد صدى أفكارٍ مظلمة في رأسها: > "< أنا الحارس، آخر صدى للعهد القديم. خُلقتُ حين سقط النور، لأُنهي كل ما بقي منه. >" "< كل من يتكلم... يخلق صدى. وكل صدى يولد ظلاً جديدًا. مهمتي أن أُعيد الصمت للعالم. >" رفعت ميرا رأسها متحدّية: > (لكن من دون صدى... لا وجود للذاكرة. ولا معنى للنور.) اهتز الفضاء، وكأن كلماتها كسرت قانونًا أزليًا. مدّ الحارس ذراعيه، وانفجر من حولهما صمتٌ كثيف تحوّل إلى موجاتٍ شفافة دفعت ميرا وليون أرضًا. رأت ميرا وجه ليون يختفي تدريجيًا، كما لو أن الصمت يمحو وجوده نفسه. صرخت داخل وعيها: > (لا! ليس بعد الآن!) أطلقت الختم الرمادي بكل طاقتها، فتكوّن حولهما جدارٌ من الذكريات — مشاهد من ماضي آرين، ميرا، زاركوس، والدمار والنور، كلها اجتمعت في لحظة واحدة. بدأت الذكريات تصدر أصواتها، ضحكات، صرخات، بكاء، أغانٍ قديمة — كلها خرجت من الصمت كأنها تتمرّد على الفناء. --- تراجع الحارس خطوة إلى الوراء. وللمرة الأولى، انشقّ صدره، وخرج منه صوتٌ خافت، مكسور، كأن الزمن نفسه يتكلم: > "< كيف... كيف استطعتِ الكلام؟ >" قالت ميرا بصوتٍ قويّ داخل الصمت: > "لأن الصمت لا يمكنه هزيمة الذاكرة. كلما حاول أن يُطفئ الصوت، يولد نداء جديد من الرماد!" تحطّمت الأرض من حولهم، وبدأت دائرة الصمت تتشقق. مدّت ميرا يدها نحو ليون، فأمسك بها، والاثنان غمرهما ضوء رماديّ ساطع، اخترق كل شيء. بدأ الحارس يذوب كالدخان، وصدى صوته الأخير يتردد في أذهانهما: > "< إذا كُسر الصمت... فسيأتي الخلود. >" --- استيقظا في أرضٍ جديدة. السماء فيها تتحرك ببطء، والوقت يبدو راكدًا كالماء. كانت هذه الدائرة الخامسة – دائرة الخلود. نظر ليون إلى ميرا وقال بصوتٍ خافتٍ لم يصدّق أنه يسمعه: > "لقد استعدنا الصوت..." ابتسمت ميرا، والرماد يدور حولها كالوشاح وقالت: > "لكن بثمنٍ كبير… لقد أيقظنا الخلود." ثم نظرت نحو الأفق، حيث بدأ ضوء ذهبيّ ينساب على شكل وجهٍ بشريّ عملاق، صوته يهمس من بعيد: > "< أهلاً بكم... في نهاية التجلي. >"