سقوط النور الجزء السادس - الفصل السادس - بقلم Yahya al-Haddad - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سقوط النور الجزء السادس
المؤلف / الكاتب: Yahya al-Haddad
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السادس

الفصل السادس

⚜️ الفصل السادس: دائرة الفجر كانت البوابة الرمادية تدور حولهما كإعصارٍ من الضوء الصامت، وكل لحظة فيها بدَت كأنها تُعيد كتابة الزمن. لم يكن هناك سقوطٌ أو ارتفاع، بل انسيابٌ بارد كالنوم في الفراغ. ثم انفتحت البوابة على عالمٍ آخر — عالمٍ لا نهار فيه ولا ليل، بل فجرٌ ثابت، كأن الشمس توقفت في منتصف الشروق ورفضت أن تُكمل طريقها. امتدّ أمام ميرا وليون سهلٌ من الضوء الذهبيّ الباهت، والسماء تُشبه مرآةً تُظهر صورًا من الماضي: مدن النور القديمة، وجوه من رحلوا، ومشاهد من الحروب التي أحرقت العالم. قال ليون مبهورًا: > "كأن هذا المكان يتنفس الذكريات..." أجابته ميرا بصوتٍ مبحوحٍ من الخشوع: > "هذه هي دائرة الفجر… المكان الذي يعلّق بين الزمن والضوء. هنا تبدأ الذاكرة وتنتهي." --- تقدّما بخطواتٍ مترددة. كلّما خطيا أكثر، بدأ الضوء يتحرك بطريقة غريبة — كأنه يراقبهما. وفجأة، انشقّ الأفق عن ضوءٍ عظيم، من داخله خرج كائن يشبه البشر، لكنه كان أكثر نقاءً من أي مخلوقٍ رأوه من قبل. بشرته تتوهج كالذهب الس liquid، وعيونه بيضاء تمامًا بلا بؤبؤ، وصوته يخرج كأن الأفق نفسه يتكلم. > "< مَن أنتما لتدخلا دائرة الفجر؟ >" أجابت ميرا بثقةٍ حذرة: > "نحن طلاب التجلي. اجتزنا دائرة الرماد، ونبحث عن التوازن." > "< التوازن؟ >" — قال الكائن بابتسامةٍ مائلة نحو السخرية. "< التوازن كلمة اخترعها الضعفاء حين فشلوا في فهم النور. >" تبادل ليون وميرا نظراتٍ سريعة. قال ليون بحدة: > "ومن تكون أنت؟" أجابه الكائن وهو يمدّ يده نحو السماء: > "< أنا نيروس، أول نورٍ سقط من السماء. كنت بداية النور، وصرت نهايته. >" --- سادت لحظة صمتٍ طويلة، قبل أن يتابع نيروس كلامه: > "< أنتما تبحثان عن التوازن؟ لكن ما التوازن سوى خيانة للنور. النور الحقيقي لا يتقاسم مجده مع الظل. >" قالت ميرا بثباتٍ متزايد: > "النور الذي لا يعرف الظل ليس نورًا، بل عمى." ارتجف الفضاء من حولها، وكأن كلماتها كانت طعنة في قلب المكان. احمرّ الضوء فجأة، وتحوّل الفجر إلى وهجٍ قاتمٍ يشبه الغروب. صرخ نيروس، وصدى صوته اهتزّ حتى الأرض الزجاجية تحتهم: > "< تجرئين على تعليم النور معنى ذاته؟ >" رفع ذراعه، وانطلقت منه أشعة بيضاء تحولت إلى سيوفٍ من الضوء طافت حوله كدواماتٍ من نارٍ نقية. انفجر الضوء من كل اتجاه، فمدّت ميرا يدها أمام ليون، وأطلقت ختمها الرمادي، فتكوّنت حولهما قبةٌ رمادية امتصت الضربات الأولى. لكن القبة بدأت تتشقق. قال ليون وهو يضغط على يده التي تنزف نورًا: > "إنه يعيد تشكيل الزمن حولنا… يجعل كل ضربة وكأنها لم تنتهِ!" صرخت ميرا: > "إذن علينا كسر الزمن نفسه!" --- أغمضت عينيها واستحضرت شظية الرماد التي منحها الحارس. حين وضعتها على الأرض، بدأت الأرض تنبض كقلبٍ حي، وخرج منها وميضٌ رماديٌّ صافٍ. اندمج الختم الرمادي مع دم ليون الذي سقط على التراب، فتحوّل إلى دوامة رمادية ذهبية امتصت وهج نيروس. تجمّد كل شيء. حتى نيروس نفسه توقّف في الهواء، وعيناه تتسعان بدهشةٍ أقرب إلى الألم. قال بصوتٍ خافت: > "< هذا... هذا ليس ظلًّا ولا نورًا... ما هذا؟ >" اقتربت منه ميرا، والرماد يدور حولها كوشاحٍ من الزمن، وقالت: > "هذا ما حاولتَ الهروب منه... إنه التجلي، ليس نورًا ولا ظلامًا، بل قبول الاثنين." اقتربت أكثر، ولمسته بيدها. في اللحظة ذاتها، تحوّل نيروس إلى ضوءٍ ناعمٍ ذاب في الهواء، وتحوّل الفجر الثابت إلى نهارٍ حيٍّ يتحرك لأول مرة منذ آلاف السنين. --- سقط ليون على الأرض مرهقًا، بينما ميرا تحمل بيديها كرةً صغيرة من الضوء الرمادي، فيها صوت نيروس يهمس: > "< لم أُهزم... بل تحرّرت. >" قالت ميرا بهدوء: > "لقد تحرر النور من غروره... وهذا هو التجلي الثاني." وفي تلك اللحظة، انفتحت السماء، وظهر فوقهما رمز جديد — دائرة نصفها ذهب، ونصفها رمادي. ومن بعيد، كان هناك صدى صوتٍ يهمس من العدم: > "< الدائرة الثالثة بانتظاركما... دائرة الصمت. >" --- نظر ليون إلى الأفق الذي صار يشعّ كضوء الغروب وقال: > "كلما اقتربنا من النور، اكتشفنا أنه ليس كما حلمنا به." ابتسمت ميرا بخفوتٍ وهي تردّ: > "النور الحقيقي لا يُرى… بل يُتَّزن." ثم التفتت إلى السماء حيث بدأت بوابة جديدة تتشكل من خيوط الضوء الرمادي، وقالت بصوتٍ حازم: > "لنعدي الطريق. التجلي لم يبدأ بعد." وسار الاثنان نحو البوابة الثالثة — نحو دائرة الصمت، حيث لا يُسمع فيها إلا الحقيقة.