حين لامستها الريح من السماء - طريق العودة - بقلم ماريا ريان تلي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين لامستها الريح من السماء
المؤلف / الكاتب: ماريا ريان تلي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: طريق العودة

طريق العودة

انقضت شهورٌ طويلة منذ تلك الليلة التي عادت فيها الطائرة إلى سماء المدينة. تعافت جراح سامر بعد معاناةٍ طويلة في المستشفى الميداني، لكنّ جرح قلبه ظلّ ينزف كلّما تذكّر ليلى والسطح الأبيض الذي تعلّق فيه القدر. كان كلّ من حوله يظنّه صامتًا لأن الحرب أنهكته، لكن الحقيقة أنه كان يحمل في صدره حربًا أخرى — حرب الشوق والحنين. وحين صدر أمر التسريح المؤقّت بعد انتهاء العمليات، لم يتردّد لحظة. عاد إلى مدينته، لا يحمل سوى حقيبته العسكرية وورقةٍ صغيرة عليها عنوانٌ كتبه من الذاكرة: حيّ النخيل القديم. كانت المدينة قد تغيّرت كثيرًا، بيوتها رمادية بعد المطر، وشوارعها هادئة كأنها نائمة على أسرارها. سار سامر بخطواتٍ بطيئة، قلبه يخفق كلّما اقترب من الزقاق الذي كان يراه من السماء. وقف أخيرًا أمام البيت الأبيض الصغير، يتأمله كما يتأمل الغريب وطنه بعد غيابٍ طويل. كانت الأبواب مغلقة، والنوافذ صامتة. تردّد لحظةً، ثم صعد الدرجات المؤدية إلى السطح. كلّ شيء هناك كان كما تركه القدر: الحبال، الغسيل الملوّن، والمكان الذي لطالما رأى منه وجهها. وقف في المنتصف، تنفّس بعمق، وقال بصوتٍ خافتٍ: > "ليلى... عدتُ من الحرب، أأنتِ هنا؟" لكنّ الصدى وحده أجابه. لم يكن أحد في البيت. جلس على الجدار الصغير يحدّق في الأفق، حتى لاح له في البعيد ظلّ امرأةٍ تمشي ببطءٍ في الزقاق، تحمل سلةً من الزهور البيضاء. عرفها قبل أن يراها بوضوح. عرف طريقة سيرها، وانحناءة رأسها، وكيف تمسك بالأشياء كمن يخاف أن يؤذيها الهواء. ناداها بصوتٍ خافتٍ أولاً، ثم أعلى: > "ليلى!" توقفت فجأة، التفتت نحوه، والدهشة في عينيها تتبدّد شيئًا فشيئًا لتتحول إلى دموعٍ مضيئة. ركضت نحوه، والسلة تتأرجح في يدها، حتى وصلت إلى الدرج وصعدته وهي لا تصدّق. حين التقت عيناهما، لم يقولا شيئًا. كانت كلّ الكلمات التي كتبها على الأوراق، وكلّ الدعوات التي قالتها تحت السماء، تختصرها تلك النظرة الواحدة. اقترب منها وقال بهدوءٍ يشبه الاعتذار: > "كنتُ أعدّ الأيام لأعود، وخفتُ أن أصل بعد أن تنساني." أجابته وهي تبكي وتضحك في آنٍ واحد: > "كيف أنسى رجلاً كانت السماء نفسها تخبرني بموعد مروره؟" وقفا على السطح ذاته، تحت الشمس ذاتها التي شهدت البداية، والريح تمرّ بينهما كأنها تصفّق للقاء طال انتظاره. ---