البارت الرابع عشر
اليوم كان مختلف.
منذ الصباح، الجو بالشركة يحمل طاقة غريبة، كأن كل العيون تراقب، وكل الأنفاس محسوبة.
جود دخلت وهي حاطة خطة واضحة:
> تتجاهله. بكل الطرق. تتصرف وكأنه مجرد مدير، لا أكثر.
بس ما حسبت حساب الغيرة.
ولا حساب الطريقة اللي عقاب يقدر يخرب فيها كل خططها بس بابتسامة صغيرة.
كانت جود واقفة مع موظف جديد اسمه “إياد”،
شاب لبق، خفيف ظل، يتكلم بثقة ويضحك بنغمة مريحة.
كان يشرح لها فكرة عرض تقديمي، وهي تبتسم، تكتب ملاحظات، وكل شيء طبيعي…
إلى أن دخل عقاب.
الجو تغيّر فورًا.
خطواته كانت هادئة، بس العيون تبعته من أول لحظة دخل فيها.
وقف عند الباب، عيونه علقت عليهم —
عليها تحديدًا، وهي تضحك بخفة على تعليق من إياد.
تجمّدت ضحكتها لما شافته.
عرفت النظرة.
نظرة الغيرة اللي ما تقدر تنكرها حتى لو حاولت.
اقترب ببطء، وقف بجانب الطاولة.
– “إيش في؟”
سأل بصوت بارد، بس نبرته فيها شيء يخلي الدم يجمد.
إياد ابتسم وقال:
– “كنا نراجع العرض يا أستاذ.”
– “كويس… بس ما أشوف سبب يخليكم تراجعونه بعشر دقايق من الضحك.”
ضحكت جود بتوتر وقالت:
– “هو بس كان يمزح بشيء في الشريحة.”
رفع حاجبه وقال بنبرة متعمدة:
– “واضح إن المزاح في فريقك متطور جدًا.”
سكتت.
ما عرفت ترد.
بس كل اللي لاحظوه إن إياد رجع لمكتبه بسرعة بعد ما قال:
– “برجع أضبط الشريحة.”
وبقيت جود وعقاب لوحدهم.
الصمت كان خانق.
هي تحاول تشتغل، وهو واقف مكانه، ما راح.
قال أخيرًا بصوت منخفض:
– “ما أحب تشاركين ابتسامتك مع أحد.”
رفعت نظرها، مصدومة، قالت بنبرة متوترة:
– “وش؟”
اقترب خطوة:
– “قلت ما أحب… تشاركين ابتسامتك.”
سكتت.
حاولت تتجاهله، قلبها يدق بسرعة، بس عقلها يصرخ: وش قاعد يقول؟!
قالت بهدوء مصطنع:
– “أستاذ عقاب، إحنا في عمل، مو في…”
– “ولا في شي اسمه عمل يخليني أشوفك تضحكين لغيري.”
سحبت نفس طويل، تحاول تخفي الارتباك اللي على وجهها:
– “أنت مو من حقي تعاتبني، ولا من حقك تتدخل.”
اقترب أكثر، نظرته ثابتة على عيونها:
– “بس غصب عني أتدخل، وغصب عني أغار.”
الكلمة الأخيرة طلعت منه كأنها ما كانت محسوبة،
لكنها سقطت على قلبها مثل شرارة.
ارتجفت جود، عيونها توسعت، وجهها احمرّ.
– “تغار؟!” قالتها بخفة بين الذهول والدهشة.
– “إيه، وأكره إني أغار، بس أكره أكثر لما تضحكين لغيري.”
تراجعت خطوة، تحاول تخفي ارتباكها:
– “أنت تبالغ.”
– “ولا شوي.”
كان صوته منخفض، لكنه مليان صدق.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
– “أنا مو لك، عقاب.”
– “بس قلبي شايف العكس.”
سكتت، الكلمة الأخيرة كانت كافية تخليها تتنفس بصعوبة.
هو التفت، وكأنه خاف من نفسه أكثر منها،
وقال قبل ما يخرج:
– “حاولي بس، جود… لا تخليني أكره غيري عشانك.”
خرج.
وظلت جود واقفة مكانها، تلمس رقبتها بخفة، تهمس:
> “يا الله… ليه كل كلمة منه تحرك فيني شي؟”
بقية اليوم، حاولت تركز في الشغل، بس عقلها ما قدر يهرب من صوته، من عيونه، من الغيرة اللي فيها شيء يشبه الاعتراف.
ولما مر الوقت، عرفت شيء واحد بس:
إنها خلاص، ما صارت تقدر تخفي اللي جوّاها…
ولا هو ناوي يوقف عن الاعتراف الصامت.