البارت الثالث عشر
من بعد ذيك الليلة، تغير شي بجود… بس ما كانت تعرف توصفه.
كانت تحاول تكون نفسها، القوية، الباردة، المتحكمة بكل شيء.
بس نظراتها خانتها، وصوتها صار أهدى لما تتكلم معه، وحتى خطواتها حوله صارت محسوبة أكثر، كأنها تخاف تقترب وتخاف تبتعد.
الصبح، دخلت الشركة، الكل يسلّم، وهي كعادتها ترد بابتسامة خفيفة،
بس لما شافته واقف عند مكتبه، قلبها ارتبك قبل عقلها.
عقاب.
كان لابس بدلة رمادية، وشعره مبلول كأنه توّه طالع من المطر، يكتب بشيء مركز جدًا.
ما رفع عينه أول ما دخلت… بس كأن روحه انتبهت قبل جسده.
مرت من جنبه، وبدل ما تتجاهله كعادتها، قالت بهدوء:
– “صباح الخير، عقاب.”
رفع راسه ببطء، نظرها كان مختلف.
مو نظرة عداء، ولا تحدّي.
كانت دافئة، مثل اعتراف ما نُطق بعد.
هو حسّها قبل ما يفكر فيها.
قال بابتسامة خفيفة جدًا، نادرة:
– “صباحك ناعم.”
ضحكت بخفة وهي تمشي، وداخلها شي صغير يشتعل.
خلال اليوم، كل لحظة كانت غريبة.
هو صار ينتبه أكثر، يراقبها بدون ما يبين.
وهي تحاول تكون عادية، لكن كل شي فيها يفضحها —
طريقة كلامها، طريقة لمسها للأوراق، حتى لما تكتب، يده ترتجف من مجرد اقترابه منها.
وقت الغداء، اجتمعوا مع الفريق كالعادة.
كانت تتكلم بثقة، تشرح الخطط، لكنه ما كان يسمع شيء من كلامها،
كان بس يطالع ملامحها.
عيونها اللي فيها لمعان ما كان يقدر يحدده…
هل هو حزن؟ ولا حبّ خافت؟
وفجأة، التقت عيونهم.
نظرة طويلة، ما كان فيها أي تبرير.
كأنهم في عالم ثاني، والكل اختفى.
هي ارتبكت، خفضت عيونها، وتكملت كلامها، بس صوتها صار أهدى.
وبعد الاجتماع، لما الكل خرج، وقفت ترتّب أوراقها، وسمعت صوته وراها:
– “جود.”
التفتت، قلبها ضرب ضربة قوية.
– “ها؟”
– “في شي مضايقك؟”
– “ليه تسأل؟”
– “لأنك صايره… مو مثل قبل.”
سكتت لحظة، تمسك بالأوراق عشان ما تبين ارتجاف يدها.
قالت وهي تنظر له بثبات مصطنع:
– “يمكن تعبت من الحرب.”
– “بيننا؟”
– “بين كل شيء.”
اقترب خطوة، وقال بصوت منخفض:
– “أنا ما أبي أكون حربك يا جود.”
رفعت راسها، نظراتها التقت بنظراته.
– “بس كنت دايم عدوي.”
– “يمكن لأنك الوحيدة اللي عرفت كيف تخليني أكون إنسان.”
تجمدت، ما عرفت ترد.
كانت الكلمة أثقل من كل اعتذارات الدنيا.
هو كان يقولها بصدق،
والطريقة اللي قالها فيها… خلت قلبها ينهار من الداخل.
قالت بهمس:
– “عقاب… لا تبدأ شي ما تقدر تكمله.”
ردّ بثقة هادئة:
– “أنا ما بدأت. أنتِ اللي بدأتي.”
التفتت بسرعة عشان تخفي ابتسامتها اللي طلعت غصب عنها،
بس هو لاحظها، لاحظ كل شي.
قال وهو يبتسم بخفة:
– “حتى لما تتهربين، صوتك يفضحك.”
قالت بعناد ناعم:
– “وانت تتكلم كثير.”
– “يمكن لأن سكوتك صار يعجبني.”
تراجعت خطوة، تمسح على شعرها بتوتر وقالت:
– “أنا عندي شغل.”
ضحك وقال:
– “وأنا عندي فضول.”
مشيت بسرعة، لكن قلبها كان يركض أكثر منها.
وفي طريقها للمكتب، لمست صدرها بخفة، تهمس لنفسها:
> “وش قاعد يصير لي؟ أنا مو كذا…”
بس في أعماقها كانت تعرف،
أنها خلاص ما تقدر ترجع مثل قبل.
الحرب بينهم ما صارت حرب،
صارت بداية حبّ يحاول يتنفس بين الرماد.