البارت الثاني عشر
كانت الليلة باردة، والسماء ملبدة بالغيوم، والمدينة غارقة في صمتٍ ثقيل يشبه الصراع اللي داخل جود.
جلست على أريكتها، كوب القهوة بين يديها، لكنه صار بارد من طول التفكير.
كأن العالم كله توقف، إلا عقلها وقلبها اللي في معركة ما تبي تنتهي.
كل كلمة قالها عقاب ما زالت ترن في أذنها.
> “يمكن لو ما كنا خصوم، كنا شي ثاني.”
“يمكن كنا نرتاح… أكثر من اللازم.”
تغمض عيونها، تتنفس بعمق، لكنها تحس بثقل في صدرها، شيء يضغطها من جوّا، شيء يخوفها أكثر من أي حرب خاضتها في حياتها.
رفعت يدها تلمس قلبها، وقالت بصوت مرتجف:
"ليه أحسك قريب حتى لما تبعد؟ ليه كل ما أحاول أكرهه، أشتاق له أكثر؟"
ابتسمت بمرارة وهي تهمس:
"أنا كنت أقول إن الكره أقوى من الحب، بس يمكن كنت أكذب."
قامت من مكانها، تمشي في الغرفة وكأنها تحاول تهرب من نفسها.
لكن كل زاوية فيها كانت تذكّرها فيه — المكتب اللي جلست تشتغل عليه وهي تتجاهل نظراته، الممر اللي دايم تمر فيه بعد كل نقاش حاد، وكأن المكان يحتفظ بأنفاسه.
جلست على الأرض، وأسندت ظهرها للجدار، ثم تمتمت بخفوت:
"جود، كفي عن الكذب."
كأنها تتحدث إلى انعكاسها، أو إلى ظلّها.
"أنتِ… تحبينه."
سكتت بعدها طويلًا، كأنها ما صدّقت اللي قالت.
بس الكلمة خرجت، ما عاد تقدر ترجعها.
انفلتت من شفتيها كسرّ ظل حبيسًا طويلًا، ولما خرج، كسر القيود كلها.
دمعة سقطت من عيونها وهي تبتسم ابتسامة صغيرة متعبة.
"أنا أحبّه…"
قالتها مرة ثانية، كأنها تحاول تختبر وقعها على قلبها.
"أنا أحب عقاب."
ضحكت بخفة وهي تمسح دموعها.
"من بين كل الناس… اخترت أكره الشخص اللي كنت أحبه من البداية."
في تلك اللحظة، شعرت براحة غريبة.
كأنها أول مرة تتنفس بصدق، أول مرة تتوقف الحرب داخلها.
لكن مع الراحة، جاء الخوف.
الخوف من وش راح يصير لو عرف…
هل راح يبتعد؟ هل راح يستغل ضعفها؟ أم يمكن… يحس مثلها؟
قامت واقفة، مشت نحو النافذة، المطر بدأ يتساقط ببطء.
همست وهي تطالع قطرات المطر على الزجاج:
"يمكن أحبك في صمت، مثل المطر لما يلمس الأرض بدون ما يترك أثر واضح، بس الأثر دايم موجود."
وفي اللحظة نفسها، رنّ هاتفها.
نظرت إلى الشاشة — كان اسمه.
عقاب.
ترددت… أصابعها ترتجف، عقلها يقول "لا"، لكن قلبها يهمس "ردّي".
ضغطت على زر الإجابة، صوتها خرج هادئ لكنه مليان ارتباك:
– "هلا."
– "كنت متأكد إنك ما نايمه."
– "كنت أفكر."
– "فيّ؟" سألها بنبرة خفيفة لكنها عميقة.
تجمدت لحظة، ثم قالت بهدوء:
– "يمكن."
ضحك بخفة وقال:
– "دوم تفكرين بعقاب."
ردّت بصوت مبحوح:
– "مو دايم… بس لما أفكر، ما أقدر أوقف."
سكت هو.
صمتهم صار أجمل من الكلام.
وبين أنفاسهم المتقطعة، كان في شيء واضح لأول مرة — ما عاد بينهما كره.
كان في حبّ يحاول يولد، رغم كل الحواجز.
قبل أن يغلق الخط، قال بصوت خافت جدًا:
> “جود… أحيانًا نحارب الشيء اللي نحتاجه أكثر.”
ابتسمت وقالت:
“وأحيانًا نخسره… لأننا ما اعترفنا فيه بدري.”
وأغلقت الهاتف بيدٍ ترتجف، لكنها ابتسمت.
لأنها في تلك اللحظة، رغم الخوف والوجع، عرفت الحقيقة —
هي ما عادت تكرهه، وما عادت تهرب منه.
هي تحبه… بكل فوضاه، بكل عناده، بكل ما فيه.