شرارة تحت الرماد - البارت الحادي عشر - بقلم Areej | روايتك

اسم الرواية: شرارة تحت الرماد
المؤلف / الكاتب: Areej
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: البارت الحادي عشر

البارت الحادي عشر

مرّت ثلاث ليالٍ بعد ذلك الموقف، لكن صوت عقاب لم يغادر رأس جود. كل مرة تغمض عيونها، تسمع كلمته: > "نحارب بعض بدل ما نحارب الشعور." كانت الجملة تلاحقها مثل ظلّ لا يختفي. جلست على سريرها، تفرك جبينها بتعب، وهي تتمتم: "ليش قلتها يا عقاب؟ ليه خربت كل شيء كنت أحاول أثبته لنفسي؟" فتحت اللابتوب، تراجع تقرير المشروع، لكن تركيزها معدوم. كل سطر تقرأه يتحول في عيونها إلى صوته، كل حرف إلى اسمه. أغلقت الجهاز بضيق، قامت تمشي في الغرفة ذهابًا وإيابًا، تشعر أنها سجينة مشاعرها، لا تقدر تهرب منها ولا تواجهها. في الجهة الأخرى من المدينة، كان عقاب يعيش نفس المعركة، لكن بطريقته. جالس في مكتبه حتى بعد الدوام، الأنوار خافتة، الملفات مبعثرة أمامه، لكنه ما يقرأ منها شيء. كل ما يتذكر وجهها، يشعر أن قلبه يدقّ بسرعة غريبة، غير مألوفة عليه. هو رجل متعوّد على السيطرة، على الكلمة الأخيرة، على البرود… لكن معها، صار كل شي ينهار بسهولة. رفع الجوال، وفتح صورتهم الجماعية في الرحلة الماضية. هي كانت واقفة بعيد، تضحك مع زملائها، بس عينه علقت فيها دون قصد. ضحك بخفة وقال: "ضحكتك حتى من بعيد تغيّر الجو… جود، وش سويتي فيني؟" كتب رسالة جديدة، ثم تردد. > "تبيني أقولها؟ تبيني أعترف؟" ثم مسحها. تنفس بعمق وهو يقول لنفسه: "لا، مو الحين… هي لازم تقولها أول." في اليوم التالي، جاء الصباح غريبًا، ثقيلًا. اجتمع الفريق في قاعة الاجتماعات، وكان الجميع يتحدثون بحماس عن التقدّم في المشروع. لكن عقاب كان صامتًا. كل ما تحاول جود تتحدث عن نقطة معينة، يكتفي ينظر لها بنظرة طويلة كأنه يقرأ ملامحها أكثر من كلامها. وبعد الاجتماع، وقفت هي أمامه وقالت ببرود متعمد: > “نحتاج نراجع التفاصيل قبل نرسلها.” ابتسم وقال: “أنا جاهز، بس إنتِ قادرة تراجعين وأنا قريب لهالدرجة؟” شهقت بخفة وقالت بعصبية: > “عقاب! أنا أتكلم جد.” اقترب خطوة وقال بصوت منخفض: “وأنا بعد، أتكلم جد، جود.” تراجعت قليلًا، لكنها ما قدرت تبتعد كثير، الجدار كان خلفها، وصوته أمامها. رفع يده ببطء، ولمس خصلة شعر سقطت على وجهها، قال بصوت خافت: > “كل مرة أقول خلاص، المرة الجاية ما أضعف… لكن ما أقدر.” ردّت بصوت مبحوح، وملامحها متوترة: “أنا ما طلبت منك تضعف.” قال وهو ينظر مباشرة في عينيها: “إيه، بس انتي السبب.” تجمدت، الكلمة دخلت قلبها مثل شرارة، خلتها تتنفس بصعوبة. سكت هو، ثم تراجع خطوة، وكأنه يحاول يستعيد سيطرته. قال بخفوت: > “المشروع بيخلص بعد أسبوع، يمكن بعده نرتاح من هالدوامة.” قالت وهي تحاول ترفع وجهها بثقة: “إيه، يمكن.” لكن داخلها كانت تعرف، إن اللي بينهما ما راح يخلص بانتهاء مشروع، لأن الشعور ما يُغلق بقرار إداري. في الليل، وهي جالسة في شرفتها تشاهد أضواء المدينة، رنّ هاتفها. اسم عقاب ظهر على الشاشة. ترددت، ثم أجابت. – “نعم؟” – “كنت أفكر…” صوته كان مترددًا، غريبًا عليها. – “بماذا؟” – “يمكن لو كنا غيرنا… كنا ارتحنا.” – “ما فهمت.” – “يعني، لو ما كنا خصوم، ولا زملاء، يمكن كنا شي ثاني.” صمتت جود، وكأن قلبها توقف عن النبض. – “وش الشي الثاني يا عقاب؟” ابتسم على الطرف الآخر، وقال بهدوء: > “يمكن كنا نرتاح… أكثر من اللازم.” وأغلق الخط. جلست جود تحدّق في الهاتف، أنفاسها متقطعة، وعقلها يصرخ: “وش يقصد؟ ليه كل كلمة منه تمس قلبي؟” رفعت رأسها للسماء، والليل كان ساكنًا إلا من صوت نبضها العالي. كانت تعرف إنها سقطت… لكن ما كانت تبي تعترف. مو بعد، مو وهي لسه في حرب، حرب تحب فيها عدوها.