شرارة تحت الرماد - البارت التاسع - بقلم Areej | روايتك

اسم الرواية: شرارة تحت الرماد
المؤلف / الكاتب: Areej
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: البارت التاسع

البارت التاسع

لم تنم جود تلك الليلة. كانت تحدّق في السقف، تتذكّر كلماته، نبرته، النظرة التي حملت أكثر مما قيل. كانت تحاول تقنع نفسها أنه مجرد تلاعب جديد من عقاب، أنه يجيد لعبة الكلمات مثلما يجيد كسر القلوب… لكنها فشلت. في داخلها، كان هناك شيء يتحرك، شيء لم تعد قادرة على تجاهله. أمسكت بهاتفها، فتحت رسائلهم القديمة، تلك المحادثات القصيرة الباردة التي كانت كلها أوامر وردود جافة، لكنها الآن بدت مليئة بمعانٍ أخرى. كل “تمام” منه كانت تخفي اهتمامًا، وكل “لا تتأخري” بدت مثل قلق خفيّ. في الطرف الآخر من المدينة، كان عقاب جالسًا أمام نافذته، يشرب قهوته الباردة، يحاول يفكر بعقل، لكن كل مرة يغمض عيونه يشوف وجهها. وجهها اللي صار بالنسبة له لعنة وجمال في نفس الوقت. “ليه قلت لها؟” همس لنفسه، وهو يضحك بسخرية. “وش تتوقع يا عقاب؟ إنها تطيح بحضنك مثلاً؟ انت أجهل مما كنت تتصور.” ورغم كلماته القاسية لنفسه، رفع الجوال وكتب: > “نامي؟” ثم مسحها قبل يرسلها. “اشتقت لك.” ثم مسحها أيضًا. “يمكن لازم نوقف.” مسحها الثالثة وهو يزفر. وأخيرًا كتب كلمة واحدة: “تصبحين على خير.” وأرسلها. أما جود، حين رأت الرسالة، ظلت تحدّق فيها طويلًا. جملة بسيطة… لكنها جعلت قلبها يرتبك أكثر مما لو كتب رواية كاملة. رفعت يدها لتكتب “وأنت بخير”، لكنها ترددت. “لازم أكون قوية.” قالتها بصوت خافت، وأغلقت الهاتف. لكن قلبها لم يهدأ. مرت الأيام بعدها غريبة، صامتة. هو لم يقترب، لكنها كانت تشعر بوجوده حتى لو لم تره. وفي أحد الصباحات، استدعاها المدير لاجتماع مفاجئ، لتفاجأ بأن عقاب يجلس هناك أيضًا. جلسا على طرفي الطاولة، بينهما أوراق وأرقام وخطط عمل، لكن ما بين النظرات كانت حرب مختلفة. وحين قال المدير: “المشروع الجديد يحتاج تعاونكم معًا.” تجمّد الهواء في الغرفة. هو نظر لها بابتسامة صغيرة وقال: > “جاهزة للحرب يا جود؟” ردّت ببرود مصطنع: “أنا دايم جاهزة… بس انت لا تنكسر بسرعة.” ضحك بخفة، لكنها رأت في عينيه وميضًا مختلفًا… مزيج من إعجاب وغضب، كأن كل كلمة منها توقظه أكثر. وحين خرجا من الاجتماع، لحقها حتى الممر الطويل وقال بنبرة خافتة: > “إذا بنبدأ مشروع جديد… لازم نتفق على قاعدة.” التفتت له، رفعت حاجبها: “قاعدة؟” اقترب خطوة وقال: “ما عاد نكذب على بعض. لا بالكلام ولا بالنظرات.” صمتت، وارتبكت ملامحها للحظة. لكنها تمالكت نفسها وقالت بثقة: > “تمام، نبدأ بدون أكاذيب… بس انت أول من لازم يتعلم الصدق.” غادرته، تاركة خلفها عطراً وابتسامة غامضة. أما هو، فبقي في مكانه، يبتسم وهو يتمتم: “تمام يا جود… بس لا تندمين على صراحتي.”