الفصل الثالث
الفصل الثالث: ما بين نغمة وخط
مرّت الأيام بهدوء جميل، كأن الليل صار مسرحهم الخاص.
هو بعزفه، وهي بريشتها، والقمر دايم فوقهم، يراقب بصمت.
الناس تشوفه مجرد صدفة — بنت في شرفة، وولد في حديقة.
بس اللي بينهم كان أبعد من كذا.
كان في شعور خفيّ، كأن كل واحد منهم يكمّل نقص الثاني، بدون ما يتكلمون كثير.
ليان صارت تنتظر صوته كل ليلة.
تحس إن نغمة الجيتار تفتح جوّاها باب ما كانت تدري إنه موجود.
حتى لو كانت متضايقة، أول ما تسمع العزف، يطيح عنها التعب،
كأنها تتنفس بصوت موسيقى مو بكلمات.
ومع الوقت، صار هو بعد يعرف توقيتها.
يعزف دايم وقت ظهور القمر، كأنه يعرف إنها جالسة هناك ترسمه.
أحيانًا يوقف، يبتسم، ويقول من بعيد:
"هاه، اليوم وش رسمتيني؟"
ترد عليه وهي ترفع دفترها بخجل:
"شي بسيط."
بس الحقيقة إن كل لوحة كانت تحكي عنه أكثر مما تعترف.
وفي ليلة من الليالي، عزف لحن جديد.
لحن غريب، مو مثل عادته، فيه وجع، فيه شي ثقيل.
خلّى ليان توقف عن الرسم وتنزل ريشة الرسم من يدها.
نادت بصوت خفيف:
"وش فيه اللحن اليوم؟ فيه شي مختلف."
رفع عيونه وقال بابتسامة باهتة:
"يمكن لأنّي مو دايم أقدر أكون بخير."
ترددت شوي، وقالت:
"تعبان؟"
هزّ راسه وقال:
"مو جسدي، بس أحيانًا الوجع يكون من شي ما تقدر تشرحه."
انكمش قلبها، حسّت إن كلامه لمَسها بطريقة غريبة،
لأنها عارفة تمامًا كيف هو الشعور لما الوجع يكون صامت.
من بعدها، بدأ يغيب أحيانًا.
ليلة يجي، وليلتين لا.
ولما يرجع، يبتسم كأنه يخفي شي كبير.
ليان ما كانت تجرؤ تسأله كثير، كانت تخاف يعرف إنها تعلّقت فيه أكثر من اللازم.
كل مرة كان يغيب،
كانت تحاول تقنع نفسها إنه مجرد جار… مجرد صوت.
بس كل مرة كانت تكذب على نفسها أكثر.
وفي آخر مرة طلع فيها، عزف بصمت طويل،
وبعدها قال بصوت خافت كأنه يحدّث نفسه:
"بعض النغمات تطلع من وجع، وبعضها من وداع قريب."
ما فهمت وش يقصد،
بس قلبها حسّ بشي مو مطمئن.
كأن اللحن اللي سمعته ذيك الليلة، كان آخر لحن قبل الصمت الطويل.