حين فُتح الباب (الجزء الثاني) - الفصل 1 - بقلم عابرة القارات - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين فُتح الباب (الجزء الثاني)
المؤلف / الكاتب: عابرة القارات
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 1

الفصل 1

--- الفصل الأول: همسات بين الجدران وصلت سهاد إلى القرية عند غروب الشمس، والسماء مشبعة بألوان الغسق، كأنها تنتظر شيئًا أن ينكسر. الهواء بارد ورطب، يحمل رائحة التراب الممزوج بالأوراق الذابلة، ورائحة الخشب القديم الذي بدأ يتقشر في سقف البيت. البيت كان قديمًا جدًا، يبدو كأنه يحافظ على أسراره منذ عقود، ولم تعرف سهاد أنه كان مسكن سهام، وأن جدرانه شهدت أصواتًا لم يُكتب لها أن تُنسى. دخلت المنزل، خطوة وراء خطوة، الأرضية الخشبية تصدر صريرًا مخيفًا تحت قدميها، الجدران مطلية بألوان باهتة، لكنها تشعّ برائحة الرطوبة والفطريات، وكأن البيت نفسه يتنفس ببطء، يراقبها. في أول ليلة، حين سكنت الغرفة، وغابت أصوات القرية، سمعت همسات خافتة تأتي من الممر الطويل: > “رجّعيني… رجّعيني…” جمشت عينيها، أظنت أن الصوت مجرد نسيم يلعب بالأرض، لكن الصوت عاد، أعمق، أكثر وضوحًا، كأنه يهمس في أذنها مباشرة. اقتربت بخطوات مترددة نحو الغرفة، أشعلت شمعة صغيرة على الطاولة، واللهب اهتزّ بطريقة غريبة، كأن الهواء لا ينتمي لهذا المكان. الظلّ على الجدران لم يعد مجرد انعكاس للغرفة، بل كان يتحرك ببطء، يشبه شخصًا يزحف من الظلال. في زاوية الغرفة، وجدت صندوقًا قديمًا مغبرًا، مغلقًا بغبار السنين، يبدو أن أحدهم لم يفتحه منذ عقود. اقتربت سهاد، مدّت يدها لترفع الغطاء، وفجأة شعرت بوخز حاد في أطراف أصابعها، كأن شيئًا حيًا يحاول سحبها إلى الداخل. انسحبت على الفور، لكنها لم تستطع التوقف عن النظر. ثم سمعت صوت الطفلة نفسها التي كانت تراها في الحلم، صوتًا حنونًا ومرعبًا في الوقت نفسه: > “اللي فُتح… لازم يكتمل.” ارتجفت سهاد، قلبها يصرخ في صدرها، حاولت أن تتراجع، لكن ساقيها شعرت بالثقل وكأن الأرض تمسك بها. الشمعة اهتزّت فجأة، وانعكست صورة فتاة صغيرة على الحائط. كانت ترتدي ثوبًا أبيض، شعرها مبلل يلتصق بوجهها، وعيناها سوداوان كفجوة. الظلّ يقترب بخفة، لكنه يملأ الغرفة كلها بوجوده. سمعت صوتًا آخر، أشبه بالنفس نفسه، يهمس في قلبها: > “الباب الثالث… الآن فيك.” انطفأ الضوء فجأة، وبقيت سهاد واقفة في الظلام، تتنفس بصعوبة، تسمع خطوات تقترب، لكنها لم تستطع رؤيتها. مدّت يدها على الجدار لتتوازن، ولمست شيءً ناعمًا وباردًا، يد… تشبه يدها، لكنها ليست هي. شعرت ببرودة تسري في جسدها كله، شعرت وكأن شيئًا يغمر قلبها ويضغط عليه، كأن روحًا أخرى تحاول العبور من خلالها. ثم ظهرت أمامها على الحائط علامات غامضة، خطوط ملتوية محفورة على الطلاء الباهت، رموز تشبه الهلال المكسور، رمز مألوف من صندوق الأم القديم… جلست سهاد على الأرض، تحاول فهم ما يحدث، لكن كل شعور بالأمان كان يتبخر. الهمس يعود، أقوى، أكثر إلحاحًا: > “سهاد… افتحي… الباب الثالث… الآن.” ارتجفت بالكامل، شعرت بأن الهواء حولها أصبح ثقيلاً كالرصاص، حتى أن أنفاسها بدأت تتوقف أحيانًا للحظة، كما لو أن البيت نفسه يحاول سحبها إلى الداخل. ثم، فجأة، سمعت صوتًا خافتًا، مألوفًا جدًا، صوت أمي… لكنه بعيد، مكسور، وكأنه يصرخ من عالم آخر: > “سهاد… لا تفتحيه… لا تسمحي لها بالداخل…” لكن في المرآة، ظهر وجه الطفلة، ولم يكن مجرد انعكاس، بل كان ينظر إليها مباشرة، ابتسمت بابتسامة باردة وهادئة، وتركت يدها على زجاج المرآة… وكأنها تدعو سهاد للعبور. وفي تلك اللحظة، أدركت سهاد شيئًا مخيفًا: سهام لم تختفِ أبدًا… بل عادت، بطريقة لم تفهمها بعد، تبحث عن جسد جديد، وعن الباب الثالث الذي بدا الآن في قلبها. --