الفصل الثاني: و اي عالم ؟
القوي و الضعيف، الغني و الفقير، الذكي و الغبي، الفرح و الحزن، السعادة و الشقاء، الصحة و المرض، الكثرة و القلة، الخير و الشر، الموت و الحياة، القدرة و العجز، النشاط و الكسل
هكذا ولد العالم و خلق، و هكذا سطرت سطوره و دونت، و علمت و بنيت، فلا يمكن أن يكون للخير علينا الغلبة، و لا للشر ان يكون كذلك، فكما يتعاقب كل من الليل و النهار فلا يتفانيان في أداء أعمالهما، و القيام بدورهما، فلا يتفانى هذا النظام الباهر في جعلك لا تمر بيومين جيدين إلا فاجأك بتقلبه
سخر في هذا العالم الخير كاللوحة قبل الرسم؛ بيضاء لا يرى السواد فيها، منح السحر للملوك دون عتو و لا فساد، و لا تجبر و لا تكبر، فمدوا الأيدي لمن وقفت الأرض دون مساعدتهم، و لمن كان للقدر ان يضع طلائه الأسود على كتبهم، و لمن كان للألسنة أن تعجز عن حمل كلمة المساعدة عليها، فحطوا رحالهم في أرض القدر فجعلو يعدلونها حتى صارت كالجنة الخضراء، فلا يسمع للظلم حس، ولا للفقر ايضا، و لا للسرقة أيضا، و لا للقتل و لا لل ....
جعل الماء رمزا للبركة، و النار لدفئ الأمن، الريح لشد الهمة، و الصخر سر الرسوخ، عاش الناس في سعادة ظنوها أبدية، و آلت بهم أحلامهم للوصول لمبتغى السلم الأبدية، توارثتها الاجيال و الاجيال، الآباء و الأبناء و الأحفد، حتى وصلت بهم الكتابة لنقطة الختام، المنعطف الذي دافعت لمنعه الأجيال يظهر بين يدي طفل غير اللوحة فأضفى عليها التغيير و زينها بلون ردائه الأسود
في قرية بعيدة ولد فتى بين أحضان الحب و الحنان، فوضع الفانوس فأضاء العائلة الصغيرة البائسة، التي لم يكن ليد القدر أن تطأهم إلا بقسوة، و لا ليد الملوك إلا أن تبعدههم بالقوة
توفي أبوه و هو في الخامسة، و قتلت أمه في العاشرة، و دمر منزله و شرد، و عذب و ضرب، و ألفى صديق الغابة الصدوق، و الليل و القمر البروق، فامسى يصبح غابيا و يمسي غابيا حتى يغمض الليل عيونه و تحضنه الأرض لتذهب عن قلبه فقدان الأم الحنون
لكنه وصل للنقطة المفصلية، حيث وقف القدر دون هذه الوحشية الأبدية، فوضع العدل على الميزان فاستقم، و وضع الختام على الكتاب فاكتمل، وهب القوة على فعل الكثير، وهب القوة ليد دم أمه و أبيه، و أيامه التي اتخذت فيها الأرض هذا الولد ابنا طول هذه السنين
لم تكن قوته تعطي الأمن، ولا البركة، و لا الهمة و لا الرسوخ، بل أعطت الخوف، و المجاعات، و الكسل والخمول، و الانقياد و الخضوع، اعطي قوة صححت الموازين و عدلتها، فأصبحت أكثر واقعية من ذي قبل، فكما لا يمكن تخيل العيش آمنا طول السنين، فلا يمكن تخيل موت قرية كاملة على يد طفل مسكين، و حقيقة أنه كان يطمع أن يكون أحد الملوك ليقضي الخير عهدة أخرى على هذه البلدان، فقد استيقظ على وقع بصمة القدر الشنيعة التي منحته قوة الانتقام و التدمير
بدات الفكرة تترسخ في اعماقه و تترسخ، فلا يمكن تغيير الواقع و لو كان أليما، فلا بد أن القدر رأى فيه لذة الإنتقام رغم رأية الطفل البعيدة، رغم ما فعل به، رغم ما أجبر على عيشه و تذوقه، رغم موت شطري قلبه، فقد طمح للخير، طمح ان يكون أحد الأربعة المحافظين على الأمن و السلم، إلا أن القدر أراد التوازن، أراد أن يكون لهذا الطفل ذي الحياة الأليمة لذة الإنتقام و إسترجاع ما سلب منه و اخذ
استيقظت البشرية على واقع أليم، الأربعة أصبحوا صفرا، و الواحد أيضا اخذ صفرا، لكن يستحيل أن يفرغ كأس من عدم، أو تحصد أرض فيجنى العدم، سماها الناس بالانفجار الصفري، لاسمه معنا عميق، فالصفر يدل على الانتهاء، كما يدل على البداية، فايهما قصدو؟