الثامن عشر
ندى مستغربة: حازم؟! إنت هنا؟ أنا كنت بدوّر عليك!
حازم متفاجئ ومتوتر: ندى! إزايك؟ خير؟ حصل حاجة؟
ندى: آه، لسه جاية من عند المدير... هو اكتشف إنك قدمت ورقة الاستئذان، بس كانت ضايعة من السكرتيرة... وقرر يرجعلك أيامك!
رامي بصوت عالي وهو بيضرب كف بكف: الله! يعني القطة اتصرفت لحساب الخير!
سليم بياخد نفس طويل: شفت؟ ربنا بيظهر الحق... حتى لو تأخر شوية.
حازم مرتاح جدًا: والله ما كنت متوقع... شكلك وشك حلو علينا يا ندى!
ندى بضحكة خفيفة: ده أقل حاجة... وبعدين حبيت أشوفك بنفسى وأطمنك.
رامي بصوت هامس لسليم: حازم ابتسم! يا ترى الفول السبب ولا ندى؟
سليم ضاحك بصوت منخفض: غالبًا ندى... بس مش هنقول كده له دلوقتي.
ندى: طيب هستأذن أنا، بس متقلقش، المدير قال هيكلمك بنفسه.
حازم: شكرًا يا ندى... بجد مش عارف أقولك إيه.
رامي وهو بيرجع يأكل: قولها أعزمي نفسك على فول، أهو رد جميل وإنساني!
ندى بتضحك: ماشي يا رامي، يوم تاني لما يكون في فول مش مخطوف!
ندى تمشي، والتلاتة يبصوا لبعض ويسكتوا ثواني، وبعدين يضحكوا فجأة
حازم: أنا لازم أكتب اليوم ده في مذكراتي بعنوان "من القطة إلى ندى!
من اللحظة دي، ليان ما قدرتش تنام. الكلام اللي سمعته عن يوسف، وإن شكري شريكه… حرّك جواها كل الأسئلة.
تاني يوم، أول ما خرج شكري من البيت، ومراته كانت مشغولة في المطبخ، همست لعمر:تعالى معايا… لازم نعرف شكري مخبّي إيه.
عمر اتوتر:بس لو عرف… هيزعق لينا جدًا!
لو يوسف بريء، يبقى لازم نعرف… وأنا عارفة إنك شجاع.
مشيوا على أطراف صوابعهم ناحية الأوضة اللي دايمًا كانت مقفولة. ليان كانت شايفة شكري بيدخلها كل يوم، بس عمر قالها إنه بيقفلها بالمفتاح.
بس النهارده… النسيان نعمة! المفتاح كان في الباب.
دخلوا بسرعة… واللي شافوه جوّه غريب:أوضة كلها ملفات، صور، تسجيلات صوت، خرائط فيها دوائر بالأحمر، صور لستات… من بينهم صورة سعاد، مرات يوسف، وصورة ليان!
عمر اتنفض:إيه ده! دي صورتك!
ليان قربت، وبدأت تقلب في الورق… ولقت ملف مكتوب عليه: مشروع العزل يوسف جمال الدين
جوه الملف، كان فيه تقرير رسمي، موقّع باسم ضابط شكري، بيقول إن يوسف شاف جريمة قتل في العيادة، وبدل ما يبلغ، خبّى الحقيقة علشان يحمي واحدة من مرضاه… والنتيجة؟ موت سعاد.
بس فيه ورقة تانية… مكتوب فيها بخط يوسف، تاريخ قديم…
شكري قال لي: خليك ساكت، علشان اللي وراهم ناس كبار، بس الضمير هيموتني. أنا كتبت كل حاجة في الدفتر.
عمر بص لليان وقال:يعني يوسف ماكنش كداب؟ بابا هو اللي خبّى الحقيقة؟!
وقبل ما تلحق ترد… الباب وراهم اتقفل بقوة.
شكري واقف… بيبص لهم بنظرة غير مفهومة.
قال بهدوء مرعب:كنتم بتفتشوا ورايا؟
شكري واقف على باب الأوضة، عينه بتتحرك بين ليان وابنه عمر، وصوته طالع هادي… بس فيه حاجة مرعبة فيه:انتي… قلبتي حياتي، يا ليان… أول كنتِ ساكتة، بتاكلي وبتنامي وخلصنا. إنما دلوقتي… بتفتشي، وبتعلمي الواد كمان؟
ليان وقفت قدامه، رغم الخوف اللي كان بيخبط في قلبها، وقالت بثبات:أنا ما عملتش حاجة غلط… يوسف كان بريء… وأنا كنت لازم أعرف الحقيقة.
عمر بص لأبوه، وعينه فيها مية:بابا… هو كان صاحبك، إزاي تعمل كده؟ إزاي تخليه يتهزأ ويتحبس وهو ماعملش حاجة؟
شكري صرخ:ماكانش في إيدي! فاهمين؟! الناس اللي ورا الجريمة دي كبار… وأنا كان قدامي طريقين: يا أتكلم واتدفن، يا أسكت وأنقذ عيلتي.
سكت لحظة، ونظراته اتحوّلت من غضب لألم:بس كل يوم كنت ببص في المراية، ألاقي وِشي مش وِشي… أنا اللي دفنت يوسف بإيديا… والنهارده، انتوا فتحتوا الجرح ده تاني.
ليان قالت بسرعة وهي بتحط إيدها على عمر:يبقى صلّحه… ساعدنا نخرج الحقيقة… يوسف لسه حي، ولسه ممكن يرجع لحياته لو قولت الحقيقة."
شكري اتنهد، وقعد على الكرسي، ودفن وشه في إيده:أنا تعبان… بس يمكن فعلاً جه الوقت…
بص لهم وقال:أنا عندي تسجيل… يوسف سلّمهولي من ٥ سنين، كان شايف إنه هيكشف كل حاجة… وكنت ناوي أتلفه… بس معرفتش.
قام، وفتح درج صغير في المكتب، طلع منه فلاشة صغيرة.
فيها اعترافات، وأسماء، وكل اللي حصل… لو وصل الكلام ده للصحافة، الدنيا هتتقلب.
عمر سأل بخوف:يعني ممكن نساعده؟ يوسف؟
شكري قال بهدوء:لو عندكم الشجاعة… نقدر نبدأ.
ليان وعمر بصوا لبعض…
وكان واضح إن اللعب دخل في الجد.
شكري ليان الفلاشة وقال لها:خديها وودّيها لصاحبي القديم، صحفي اسمه طارق. بيشتغل في جريدة مستقلة، وعمره ما باع ضميره. هو الوحيد اللي ممكن ينشر الكلام ده من غير ما يترعب."
ليان أخدت الفلاشة، وإيدها بتترعش، بس في عينيها إصرار. عمر همس لها:أنا هاجي معاكي.
لكن شكري قال بصرامة:لا. انتي تروحي لوحدك، محدش هيشك في بنت صغيرة ماشية لوحدها. بس لو حسيتِ إن في حد بيراقبك، ارمي الفلاشة في أول صندوق بريد تشوفيه.
خرجت ليان من البيت قبل الفجر، لابسة جاكيت واسع، ومخبّية الفلاشة في كفها. الدنيا كانت لسه نايمة، والشارع هادي… أكتر من اللازم.
وهي ماشية، حست بخطوات وراها…
واحد بلطجي بشنطة على ضهره، بيبص ناحيتها بتركيز غريب.
سرّعت خطواتها… هو سرّع.
جريت…
هو جري.
دخلت حارة ضيقة، حاولت تلف بسرعة… لقت عربية سودا وقفة، وراها راجلين لابسين سُتر سودة، واحد منهم بيقول في سماعة:البنت طلعت من بيت شكري… احتمال معاها حاجة."
ليان اتجمدت.
لكن من الحارة التانية… عربية شرطة وقفت، ونزل منها شكري بنفسه، وشد ليان بسرعة وقال بصوت واطي:
– "خدو بالكم… هما سبقونا بخطوة."
ركبها في العربية، وابتدى يجري بيها في الشوارع، وبيقولها:أنا غلطت لما خلتك تروحي لوحدك. الناس دي حطيني تحت المراقبة من سنين. بس دلوقتي؟ هيجوا يخلصوا عليّ وعليكِ.
فجأة، حصل اصطدام في جنب العربية…
حد خبطهم!
شكري حاول يسيطر على العربية، لكن عربية سودا تانية قفلت عليهم الطريق من قدّام، ونزل منها ٣ رجالة، في إيديهم عصيان كهربا، وواحد بيقول:الفلاشة يا شكري … وخلي البنت تعيش."
شكري بص لليان وقالها من غير كلام: استخبي.
وبعدين فتح باب العربية بسرعة، وقال لليان:اجري! ما تبصيش وراكي!
رجالة العصيان قربوا، بس هو خرج بعصاية حديد من تحت الكرسي وبدأ يواجههم.
ليان جريت بكل قوتها، قلبها بيخبط في صدرها، رجليها مش حاسة بيهم. دخلت بين عربيات مركونة، زحفت تحت واحدة منهم وهي ماسكة الفلاشة في كفها كأنها كنز.
واحد من الرجالة شافها وهي بتجري، وصرخ:هـــــي هناك!!
ابتدوا يطاردوها في الحواري، لكن فجأة…
عربية موتوسيكل طلعت من الزاوية بسرعة جنونية، راكبها شاب شكله غريب… لابس جاكيت جلد، نظارة شمس في نص الليل، وبصوت حاسم قال:اركبي ورايا بسرعة!!
ليان اتجمدت:إنت مين؟!
صديق قديم ليوسف… اسمي عمار … وهو اللي بعتني.
من غير تفكير، طلعت وراه، والموتوسيكل طار في الشوارع زي طلقة.
العربيات وراهم، بتحاول تلحقهم… صوت الطيارات الدرون بدأ يظهر فوقهم.
عمار قال وهو بيزود السرعة:الفلاشة معاكي؟
أيوه! كويس، علشان اللي وراينا مش هيسيبونا نعيش لو ما وصلنهاش."
قلب ليان كان هيقف من كتر الرعب، لكنها قالت له:أنت تعرف يوسف بجد؟ هو بخير؟"
عمار ابتسم وقال:بخير… ومستني اليوم ده بقاله سنين.
بعد مطاردة طويلة، دخلوا جراج مهجور في حي قديم، واختفوا عن عيون الكاميرات.
هناك… استنّاهم طارق، الصحفي.
أخد منهم الفلاشة، ووشه اتغير أول ما شاف المحتوى.
قال:ده مش بس هيسقط ناس كبار… ده ممكن يوقّع منظومة كاملة.
لكن قبل ما يكمل… الباب الحديد اتفتح فجأة.
كان فيهم خائن…!
وفي مكان آخر مروان بس مش أنا اللي كنت فيها من سنة ونص.
أنا مروان، اللي كان بيضحك من قلبه، ويخطط لكل حاجة بالدقة، اللي كان بيحلم يبقى ضابط، ويعلّق نجوم على كدفه.
بس لما رجعت، ماكنتش شايل غير الحزن على كدفي.
كنت خدام في كتيبة على الحدود.
الجو هناك غير.. فيه صوت هوا ملوش طعم، ورملة بتقرص في وشك، وريحة بارود ما بتروحش من هدومك حتى بعد الغسيل.
بس الأصعب كان صوت الصمت بعد الضرب.. اللحظة اللي بتعد الأرواح، وتبص حواليك تدور على اللي كانوا جنبك من شوية، واختفوا.
أقرب واحد ليا، سعيد، من الفيوم، كان بيمشي جنبي طول الوقت.
بيحب يغني شعبى بصوت واطي، وكان بيخبّي معاه شوية سوداني في جيبه، ويقولّي:خد، عشان ما تتعبش في السهر.
في يوم، واحنا في دورية، حصل اشتباك.
رصاصة واحدة خدت سعيد، قدامي، وهو بيضحك.
ضحكته اتجمّدت، وعنيه فضلت مفتوحة.
مروان اللي كان جواه مات في اللحظة دي.
رجعت من الجيش بعد 18 شهر، بس دماغي مشيت بيها حروب، وحسابات، وسكوت.
ما كنتش عارف أتكلم.
كنت بقعد في الأوضة، الباب مقفول، والنور مطفي، والمروحة بتلف، وأنا قلبي واقف.
أمي كانت بتدخل عليا الأكل، وتحط إيدها على كتفي، وتقول:مالك يا ضنايا؟ انت كنت شجاع.. مش كنت بتضحك في صورك؟
ما كنتش عارف أرد.
ماكانش فيا طاقة أحكي لها إني بنام وأصحى على صوت سعيد وهو بيقع، أو إني ببص في المراية ومش لاقي نفسي.
لكن في مرة، وأنا قاعد لوحدي في القهوة، شفت لافتة على عمود:مركز دعم المحاربين القدامى محتاج حد يسمعك؟ تعالى واحكي.
روحت.. مش عارف ليه.
كنت بس عايز حد مايبصليش بشفقة.
قابلت هناك دكتور اسمه طارق، قعد معايا، ما قاطعنيش، ما حاولش ينصحني، سابني أتكلم، حتى لما صوتي اتكسر.
وبعد كذا جلسة، بدأت أفهم إن اللي فيا مش ضعف.. دي صدمة نفسية حقيقية، PTSD، بيسموها كده.
رجعت مروان، بس بنسخة جديدة.
بدأت أدرس دعم نفسي، تطوعت، وقلت لنفسي:زي ما أنا لقيت حد سمعني، لازم أكون أذن لغيري.
فتحت مبادرة اسمها "نرجع بشر"، كنت بروح بيها على مستشفيات الجيش، على مدارس، على مراكز شباب، أحكي، وأسمع، وأقول للناس:الجندي مش دايمًا بيرجع بجرح في جسمه.. ممكن الجرح يكون في روحه.
وفي لقاء كبير في دار الأوبرا لتكريم المحاربين القدامى، اتكلمت على المسرح، وكانت أمي في الصف الأول، وقلت:
"أنا مش بطل.. سعيد كان البطل، اللي مات عشاني. وأنا عايش علشان أحكي عنه.
نزلت من على المسرح، لقيت دموع أمي، حضنتها، وقلت لها أخيرًا: أنا بخير يا أمي.. بس بخير جديد.. بخير نضج بعد نار.
التلاتة بيسخنوا في الملعب، لابسين تشيرتات فريقهم النسور، في جو فيه شمس نازلة، وأصوات أطفال بيهتفوا.
رامي وهو بيشوط الكورة في الشبكة: أنا حاسس إني ميسي... بس بعد المعاش!
سليم بيرد عليه: ولا حتى أبو تريكة بعد الأكل، بس ماشي.
حازم بحماس: بصوا يا رجالة، النهاردة لازم نكسب... الفريق اللي ضدنا واخديننا على خفيف، ودي غلطتهم.
رامي بصوت مسرحي : وهنعلمهم إن الخفيف ممكن يبقى تقيل لو نزلنا بكل تقلنا!
فجأة، يدخل شاب طويل ووشه معروف ليهم جدًا، لابس لبس رياضي، وواقف على الخط بيبص ليهم وبيبتسم.
سليم واقف مصدوم: استنوا... ده مش... ناصر؟!
حازم مش مصدق: ناصر!!! ياااااه بقالك كام سنة؟!
ناصر بيضحك وهو بيحضنهم: وحشتوني يا مجانين! أنا راجع... ولو لسه مكان في الفريق، عايز ألعب معاكم.
رامي بيمثل إنه بيعيط: رجع البطل! رجع حبيب الملايين! رجع الجولدن بوي!
سليم: يا جدع انت اختفيت من غير أثر! كنا فاكرك سافرت ولا خطفوك الكائنات الفضائية.
ناصر: كنت في الخليج شوية، وبعدين رجعت من غير ما أقول لحد... بس النهاردة قلت أبدأ الرجوع من الملعب.
حازم بابتسامة حقيقية: الملعب اللي بيجمعنا دايمًا... يلا ورينا لياقتك يا نجم.
ندى بتدخل الملعب وهي لابسة تشيرت الفريق، ماسكة زجاجات مياه وبتضحك.
ندى بصوت عالي: جاهزين يا كباتن؟ جبتلكم الميّة... بس مفيش مكافأة غير لو كسبتوا!
رامي بشاور على ناصر: عرفي ناصر؟ ده زمانه كان الهداف، دلوقتي هنشوف لسه فاكر الكورة ولا نسيها.
ناصر ضاحك: نديها شوطة نشوف!
صفارة الحكم الصغير بتضرب، والجمهور الصغير بيهتف، والكل بيتحرك بحماس.
رامي وهو بيصرخ: يلاااا يا ناسووووووور!
لقطة سريعة: الفريقين بيلعبوا، الكورة بتتنقل بسرعة، فيه تشجيع وصراخ من الجمهور، ندى واقفة على الخط بتشجعهم بحماس
المعلّق الشعبي من وسط الجمهور: "ياسلام ع النسور... رجعوا يطيروا تاني!"
رامي بياخد الكورة ويراوغ: خد دي يا نجم... وعدّي!
بيعدّي واحد، اتنين، لكن الثالث يشوطه في رجله ويقع على الأرض.
حازم بيجري عليه: رامي! كويس؟
رامي بيضحك رغم الألم: كويس بس رجلي بتقوللي اعتزل!
سليم للحكم: فاول واضح يا كابتن!
الحكم بيهز كتفه: لعب رجولي!
ناصر بيمسك الكورة: سيبوني أشوطها... لسه فاكر رجلي!
الجمهور يسكت شوية، فيه تركيز. ناصر بيحضّر الشوتة، كل العيون عليه... يشوطها بقوة الكورة بتلف في الهواء زي صاروخ، وتخش الجول!
الجمهور بينفجرصريخ:جووووووووووووووووووووووووووووول!!!!