هبه والمنتقم - السابع عشر - بقلم خضراء القحطاني | روايتك

اسم الرواية: هبه والمنتقم
المؤلف / الكاتب: خضراء القحطاني
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: السابع عشر

السابع عشر

نجاة تبصلها بحنية:بالظبط يا قلبي… الطيبين مهما تتعبهم، يرجعوا يفرحوا الدنيا تاني. يمر عليهم عم حسين، راكب حماره، يسلم عليهم:صباح الخير يا ست نجاة، صباح الخير يا صفا الجميلة! صفا ترد، وهي تلوّح بإيدها الصغيرة: صباح الفل يا عم حسين! ويكملوا يومهم وسط الشمس والنيل والنسمات، وتكبر صفا وسط الحكايات، وتتعلم من أمها وجَدتها إن الحياة مش بس تعب، دي كمان حب، وضحك، وقصص حلوة تتحكي في الليالي. في ركن الأوضة، كانت هبة قاعدة على الأرض، حضنا رُكَبها، ودموعها بتنزل من غير صوت، كأنها خايفة حد يسمع وجعها. البيت اللي كانت شايفاه أمانها، بقى مليان غُرب. كريم، جوزها، جاب لها ضُرّة، ومش أي ضُرّة… دي كانت بتتمناله الشر حتى وهي بتضحك في وشّها. وكإن الوجع مش كفاية، لقت أخُو الضُرّة بيحوم حواليها، بكلام معسول ونظرات تخوف. كان يقول لها:إنتِ مش زي أي واحدة… كريم غبي إنه يضيعك. وهي تشد نفسَها وتقول:احترم نفسك، أنا ست متجوزة. بس هو كان بيتعامل معاها كإنها بقت سهلة… كإن كسرها بقى مُبرر لقِلّة الأدب. كل ما تشوفه يبتسم، كانت تحس بطعنة، مش بس منه، من الدنيا كلها. هو كريم خلاص مبقاش يهمه… سايبها للوحدة، للوجع، ولأطماع واحد مفروض ملوش فيها. كانت بتحس إنها محاصرة… لا قادرة تهرب، ولا عارفة تفضل. قلبها واجعها، وكرامتها بتنزف كل يوم. في يوم، وهو عدى وقال لها كلام ملوش لازمة، وقرب منها أكتر من اللازم، قامت واقفة وهي عينيها بتلمع من القهر وقالت له بصوت عالي:ابعد عني! أنا لسه ست محترمة حتى لو جوزي نسيني… ومش هسمح لحد يهين اللي باقي مني! وحتى لو كان كريم مش بيحبني أنا مستحيل اخونه! وبينما لسه صوتها بيرن في المكان، سمعت ضحكة سخرية طالعة من وراها… ضحكة فيها برود، فيها استهزاء، وريحة خيانة… لفت بسرعة، وقلبها وقع في رجليها… كان كريم واقف، ومتكئ على الحيطة، بيبصلها بنظرة فيها مية معنى ومعنى، بس ولا واحد فيهم طيب. قال بنبرة تقيلة:إيه ده؟ بقيتي صوتك عالي؟ بتزعقي في الرجالة كمان؟ حاولت ترد، بس الكلام اتخنق في زُورها… حسّت برجليها بتتهز، وكأن الأرض مش شايلها. كملت هي وهي بتحاول تثبّت صوتها:أنا بدافع عن نفسي… عن كرامتي، اللي إنت سبتها تحت رجلين الكل. ضحك تاني، وقال وهو بيقرب منها بخطوات باردة:كرامتك؟ وإنتي فاكرة إنك لسه ليكي كرامة بعد اللي حصل؟ الكلمة دي كانت زي سكينة دخلت قلبها… مش عشان معناها، لكن عشان جت من الشخص اللي كان يوم من الأيام أمانها. عيونها دمعت، بس مسحت دموعها بسرعة، وقالت بحدة:طالما شايفني كده… متستغربش لما تلاقيني بتغير. أنا خلاص مش هفضل الضحية اللي بتسكت. لو إنت فقدت ضميرك، فأنا لسه معايا نفسي، وهعرف أخلّصها من كل ده. بص لها كريم بدهشة، يمكن لأول مرة يشوف النار اللي في عينيها. مروان مش رجع زي ما كان، رجع بشخصية تانية، أهدى.. أعمق.. وأقوى. رجع مروان من الجيش، بس مش زي ما سابه. كان قبل كده شاب حماسي، دايمًا يضحك، يحب الحياة، عنده طموح كبير يبقى ضابط كبير، وكان بيحب يخطط لحياته بالسنتيمتر، زي ما يقول. لكن بعد اللي شافه، واللي فقده، رجع بشعر شاب بدري، بعينين شايفين أكتر ما لازم، وبقلب فيه رُكن دايمًا ساكت. أول ما رجع، الناس فرحت بيه، بس هو ماكنش بيشوف الفرح. قعد في أوضته أيام، مش بيكلم حد، بيصحى مفزوع من النوم، بيعيط من غير ما حد يسمعه، وكان كل ما أمه تيجي تسأله:مالك يا مروان؟ يقولها بصوت واطي:أنا كويس يا أمّي.. بس تعبان من السفر. لكن الحقيقة إن التعب ماكنش من الطريق، كان من اللي شافه.. من اللي سابه وراه. بس مروان ما استسلمش، هو اللي اتعلم في الجيش إن الوقوف بعد الوقعة هو اللي بيخلي الراجل راجل. راح بنفسه على مركز تأهيل نفسي للجنود العائدين، قعد هناك أول مرة كـ مريض.. بس بعد شهور، بقى مساعد، وبعدها بدأ يدرس، ويتطوع، ويدخل دورات في الدعم النفسي. حب الشغل ده، حس إنه بيعالج نفسه من خلال الناس، ولما يقعد قدام شاب عنده نوبة هلع، يبتسم ويقول له: "أنا كنت مكانك.. وكنت فاكر إن حياتي خلصت، بس هي لسه بتبدأ. بدأ مروان يلف على المدارس، يحكي للطلبة عن معنى الوطن، مش بس في الحرب، لكن في الشغل، في الإخلاص، في الكلمة الحلوة، في الأمانة. وعمل مبادرة سماها: "نرجع بشر"، علشان يخلّي المجتمع يفهم يعني إيه جندي راجع.. مش بس بجسمه، لكن بروحه اللي محتاجة حضن. وفي آخر لقاء بينه وبين زمايله القدامى، قال جملة الكل سكت بعدها:الحرب ما بتخلصش على الجبهة.. بتبدأ لما ترجع وتحاول تعيش من تاني. رهف كانت قاعدة على طرف السرير، بتبص في الفراغ بعينين مطفية. كل حاجة حواليها كانت عادية، بس جواها كان في حرب. الخيانة وجع مش بس في القلب، دي بتكسر ثقة، بتخلّي الواحد يشك في كل حاجة، حتى في نفسه. اتذكرت كلامه، ونبرته الباردة، وسكوته لما كانت بتستنجد بيه. "ليه؟" الكلمة دي كانت بتتردد في دماغها ألف مرة. بس مفيش رد. وبدل ما تستنى إجابة، قررت تقوم. مسحت دموعها، ووقفت قدام المراية، شافت بنت مجروحة، بس مش مكسورة. جواها بدأ يكبر الصوت اللي كان بيهمس... انسي اللي فات، وابتدي من جديد... مش علشانه، علشانك إنتِ. بدأت تاخد خطوات صغيرة... غيرت شكل شعرها، خرجت من العزلة، رجعت تكتب في دفترها اللي كانت سايباه من شهور. وكل ما تيجي الذكرى، كانت بتوجعها، بس كمان بتفكرها إن فيه حاجة جواها أقوى من الخيانة: كرامتها. بعد ما اتحجز يوسف في مستشفى الأمراض النفسية، وتحققوا مع ليان، الشرطة قررت تنقلها لمكان آمن. الضابط اللي مسك القضية، اسمه ضابط شكري، كان راجل صارم، نبرة صوته دايمًا حادة، ووشه دايمًا متجهم. وفي قرار مفاجئ، قرر هو بنفسه ياخدها تعيش في بيته مؤقتًا لحد ما يلاقوا لها دار مناسبة. من أول لحظة دخلت بيته، حسّت بالاختناق. البيت نظيف ومرتب بزيادة، كل حاجة في مكانها، ومراته ست غريبة، كلامها قليل ونظراتها باردة. ليان حاولت تكون مؤدبة، بس كريم كان بيتعامل معاها بجمود وقسوة، كأنها مجرمة مش بنت صغيرة ضحية. ممنوع تفتحي التلفزيون إلا بإذن. ممنوع تطلعي أوضتك بعد الساعة ٩. وما تلمسيش حاجة مش بتاعتك، واضح؟ كانت بتحس إنها محبوسة في سجن جديد… بس المختلف إن السجن ده فيه ناس، ومع كده تحس بالوحدة أكتر. ومع الأيام، بدأت تلاحظ حاجات غريبة في البيت… شكري كل يوم بيرجع من الشغل متوتر، يقفل على نفسه أوضة معينة، ولما بتقرب منها تسمع صوت تسجيلات… صراخ! ولقيت صورة قديمة متخبّية في مكتبة مراته، فيها يوسف… وشكري! وهنا، كل حاجة بدأت تركب في بعضها… هل شكري كان يعرف يوسف من زمان؟ رغم المعاملة الجافة والقاسية من الضابط شكري، ليان كانت بتحاول تمشي حالها، بس قلبها صغير وحاسس بالوحدة. في يوم وهي قاعدة لوحدها في أوضتها، الباب خبط بخفة، ودخل ولد صغير عنده حوالي ٨ سنين، عيونه طيبين، وشه بشوش، وقال لها بصوت خجول:انتي ليان؟ أنا إسمي عمر… أنا بحب القصص، وانتي شكلك بتحبيها كمان… صح؟ ابتسمت له أول مرة من أيام، وقالت بهدوء:بحبها جدًا… وكنت بقرأ كل يوم وأنا لوحدي في الشارع. من اليوم ده، بقى عمر ييجي كل ليلة بعد ما أهله يناموا، يجيب قصصه ويقراوا سوا تحت نور الأباجورة الصغيرة. كانوا يضحكوا بهدوء، ويقلدوا أصوات الشخصيات، ويتكلموا عن عالم خيالي بعيد عن الواقع المؤلم. عمر كان أول حد يعامل ليان كطفلة زيها، مش كعبء ولا خطر. بقى يخبّي لها شوكولاتة من مصروفه، ويقول لها:بابا بيزعق كتير، بس هو مش وحش… هو بس دايمًا زعلان. حتى ماما بتعيط من وراه. ليان بدأت تحس إن عمر هو النور الوحيد في البيت ده، وفي مرة قالت له:أنا نفسي نكتب قصة سوا… بطلها ولد صغير شجاع… وبنت بتحاول تلاقي بيتها الحقيقي." ضحك عمر وقال:بس أنا مش شجاع! قالت له:أنت شجاع علشان جيتلي، وكمان خبيتني من باباك! كانوا قاعدين على الأرض، ليان ماسكة القصة، وعمر حاطط راسه على كتفها، بيضحكوا على مغامرة البطل اللي بيطير فوق الجبال… وفجأة الباب اتفتح بعنف، وصوت الضابط شكري هز الأوضة:إيه اللي بيحصل هنا؟!! الكتاب وقع من إيد ليان، وعمر وقف بسرعة، قلبه بيدق، وليان وشها اتقلب، وشها شاحب زي الورقة. شكري دخل الأوضة بخطوات تقيلة، عنيه متعلقة بعمر وهو بيصرخ:مين سمحلك تدخل أوضتها؟! ودي بتعملك إيه؟! عمر بص له بخوف، بس رفع راسه وقال:إحنا بس بنقرا قصة… مش بنعمل حاجة غلط. شكري شد عمر من دراعه بقسوة، وليان قامت تدافع وهي بتقول:سيبه! ما عملش حاجة! ده أكتر حد طيب شفته في حياتي! شكري لف لها بسرعة، وصرخ:انتي تسكتي خالص! أنا اللي مشيتك من الشارع، وكنت هودّيكي دار، بس قلت أساعدك… وده جزائي؟! وفجأة… صوت ناعم جه من ورا الباب، ست هادية… مراته! قالت بصوت متردد:كفاية بقى يا شكري … انت بتصرّف غضبك في البنت دي، وهي أصغر من إنها تستحمل ده… إنت اتغيّرت… من بعد اللي حصل مع يوسف. شكري اتجمد في مكانه، ووشه اتشد. ليان قالت بسرعة:إيه؟! إيه اللي حصل مع يوسف؟! الست بصت لها، وسكتت لحظة، ثم قالت:يوسف ماكنش مجرم… هو كان شاهد على حاجة كبيرة، وكان بيحاول يخبّيها… وشكري هنا، كان شريكه… في السر ده. شكري بص لمراته بعصبية:اسكتي، إنتي مش فاهمة حاجة! لكن عمر سأل:بابا… إنت كنت تعرف يوسف؟! شكري اتنفس بصعوبة… وقال بهدوء غريب:كان صاحبي الوحيد… وأكتر واحد يعرف أسراري. كانت هبة جالسة في ركن الصالة، ترتدي فستانًا ورديًا أنيقًا، شعرها منسدل على كتفيها كغلالة حرير، وبين يديها كتاب تقرأه بهدوء وسكينة. دخل كريم، فتوقف في مكانه. قلبه خفق بقوة وهو يراها بتلك الطلّة، جمالها الهادئ يأسر عينيه. قال في نفسه:لو تعلمين كم أحبك... لو كنت أملك شجاعة الاعتراف، لكني محبوس داخل قفص من اختياراتي. فجأة، انفتح الباب ووقفت سهى عند المدخل، تنظر لهبة بنظرة باردة. ابتسمت بخبث وقالت:الفستان حلو عليكي... واضح إن كريم بيعرف يختار. رفعت هبة عينيها باندهاش، قبل أن تهمّ بالرد، دخل شقيق سهى وهو يضع يديه في جيبيه ويتصنّع البراءة:أنا اللي جبت الفستان على إنه من كريم... قلتله المفاجآت دي بتفرّح الستات، صح يا كريم؟ تجمّد كريم، وعيناه تقدحان نارًا. التفت إلى هبة بصوت مكسور:كنتِ عارفة؟ كنتِ مفكرة إني جبتلك الفستان؟ هبة نظرت إليه بذهول، قلبها يعتصر ألمًا:أنا... سهى قالتلي إنه منك، وإنك بدأت تهتم... ماكنتش أعرف إنها لعبة! سهى قاطعتها بضحكة خافتة:مش لعبة، دي حقيقة... الحقيقة إنك لسه بتعلقي في أوهام مش موجودة. في لحظة، تحوّل حب كريم إلى غضب، إلى خيبة، إلى شكّ قاتل. اقترب من هبة، وصفعها بغضب، ليس فقط على الفستان، بل على كل الصراعات بداخله. تراجعت هبة بخطوتين، ودموعها تنحدر بصمت، بينما كانت سهى تراقب المشهد بعين ممتلئة بالانتصار. شقيق سهى مال على أذنه هامسًا:دلوقتي تأكدت إن مشاعرها مش بريئة، صح؟ لكن كريم لم يجب. نظر إلى هبة، فوجد الألم في عينيها لا يشبه الخيانة، بل يشبه الطعنة من أقرب الناس. كانت هبة تجلس على كرسي خشبي قبالة الطبيب النفسي، يداها مشتبكتان في حجرها، تنظر إلى الأرض كأنها تبحث عن نفسها بين التفاصيل القديمة. صمتت للحظات، ثم تنهدت بعمق وقالت بصوت خافت يكاد يُسمع:كنت لابسة فستان وردي... كنت حاسة إني حلوة لأول مرة من شهور. قعدت أقرأ كتابي المفضل، وحسيت إني هادية، مطمنة... يمكن لأول مرة من وقت طويل." رفعت عينيها إلى الطبيب، وابتسامة موجوعة مرت على شفتيها:دخل هو... كريم. شافني وسكت، بس عنيه اتكلمت. كان فيه حاجة... نظرة حب يمكن؟ أو حنين؟ معرفش، بس حسيت إن فيه أمل. سكتت قليلًا، ثم شدّت على يديها وقالت:بس بعدها بدقايق دخلت سهى، مراته... وورايه أخوها. قال إنه جايبلي الفستان وادّعى إنه من كريم... وأنا كنت مصدقة... كنت فاكرة إن في حاجة بتتغير... إن كريم بيبتدي يهتم... اهتز صوتها وهي تكمل:بس كانت خدعة... فخ! سهى حطتني فيه وأنا مش واخدة بالي. لما عرف كريم الحقيقة... ضربني. قدامهم. من غير ما يسمعني... من غير ما يسألني حتى." نزلت دمعة حارة على خدها، فمسحتها بإهمال وأكملت: "اللي صدمني مش الضرب... ولا الإهانة... اللي صدمني إنه صدّقهم، وموثّقش فيا، رغم كل حاجة بينّا. كل مرة كنت بسكت فيها، كل مرة كنت بستحمل... راحت في لحظة شك. ثم نظرت للطبيب نظرة مشوشة، كأنها تسأله ولا تسأله:أنا غلطت إني صدقت؟ إني تمنيت؟ ولا إني لسه موجوعة؟ مرت السنين، وصفا كبرت وبقت في تالتة إعدادي. عيونها لسه فيها نفس اللمعة، لكن دلوقتي بقى فيها شوق أكبر… شوق للحلم. كانت قاعدة جنب تيتا في الجنينة، ومعاها كتاب العلوم، وبتذاكر بصوت عالي:الجهاز الهضمي في الإنسان يتكون من.. تيتا، تضحك وتقول:هو الهضم ده مش بيخلص؟ كل يوم تقوليلهولي! صفا تبتسم وهي تطوي الكتاب:عايزة أدخل ثانوي عام يا تيتا… وعايزة أبقى دكتورة بعدين. تيتا تبص فيها وتقول:دكتورة؟! يا سلام… ونروح نعالج عندك بلاش بقى؟ نجاة تدخل عليهم، سامعة الكلام، وعينيها تمتلئ بالفخر: وأنا واثقة إنك هتبقي دكتورة، بس لازم تشتغلي على حلمك، الطريق مش سهل… في بنات كتير بيسيبوا التعليم في السن ده. صفا تقوم بحماس، تمسك إيد أمها:أنا مش هسيبه… حتى لو الطريق طويل، حتى لو اتريقت عليّا البلد كلها… أنا هكمّل! نجاة تبص على بنتها، وتتذكّر يوم ما كانت هي صغيرة، وكان نفسها تكمل تعليم، بس الظروف منعتها. تمسح دمعة صغيرة وتهز راسها:ربنا يكتبلك اللي أنا ماقدرتش عليه… وإحنا وراك. ومن اليوم ده، بدأت صفا تصحى بدري قبل الفجر، تذاكر، تساعد أمها، وتروح الدروس ماشية على رجليها ساعة كاملة، وترجع مبتسمة رغم التعب. وفي يوم، جالهم جواب من المدرسة:الطالبة صفا حسين، الأولى على الإدارة التعليمية. البيت كله يتهز من الفرحة، تيتا تزغرد، ونجاة تضم بنتها وتقول:عارفه يا صفا؟ إنتِ مش بس بتحققي حلمك… إنتِ بترجعيلي حلمي أنا كمان. وتبص صفا للسماء… وتحس إن الصعيد، رغم بساطته، قادر يحضن أحلام كبيرة جداً. عزة رجعت بيت أهلها، بس مش زي كل مرة. المرة دي ما كانتش راجعة مكسورة... كانت راجعة بتفكير جديد. دخلت على أمها، حضنتها، وقالت بصوت هادي:كفاية، أنا تعبت… ومش هرجع غير وأنا واقفة على رجلي. أول أسبوع قضته في سريرها، مش بتتكلم كتير، بس دماغها شغالة. كل موقف، كل كلمة، كل نظرة من حماتها، كانت بتعدّي قدامها زي فيلم طويل… بس المرة دي، كانت بتتفرج عليه وهي ماسكة ريموت حياتها في إيدها. وفي يوم، صحيت من النوم، لبست طرحه سودة بسيطة، وخرجت. راحت مركز تدريب صغير جنب بيتهم، وسجلت في كورس خياطة وتطريز الست اللي هناك قالت لها: هتتعلمي بسرعة، باين عليكي شاطرة. ابتسمت وقالت: أنا لازم أتعلم… مش عايزة أكون محتاجة حد، ولا أمد إيدي لحمزة ولا غيره. بدأت تروح كل يوم، تتعلم، وتشتغل، وتكلم نفسها وهي ماسكة الإبرة: اللي بيعرف يخيط… بيعرف يرقّع قلبه كمان. بعد شهر، عملت أول طقم أطفال صغير، نزلت بيه السوق، وباعته لتاجرة قالت لها: إيدك حلوة يا بنتي… كملي. وفي لحظة، بدأت تحس إنها رجعت لنفسها، لو حتى بنسبة بسيطة. وفي يوم، وهي راجعة من السوق، لقيت حمزة واقف قدام باب بيتهم. قال لها وهو باصص في الأرض: عزة، أنا… آسف. ما كنتش شايف، بس دلوقتي فهمت كل حاجة. ردّت وهي رافعة راسها: بس أنا بقت شايفة... وشايفة إني أستاهل أعيش من غير خوف، ومن غير إذن حد. سألها: مش عايزك ترجعي؟ سكتت لحظة، وقالت: لو هرجع، مش هبقى نفس الست… ومش هرجع لبيت فيه واحدة بتكرهني وتتحكم في حياتي. لو هترجعني، يبقى تكون معايا، مش ضدي. حمزة سكت، وابتسم بمرارة، وقال: أنا محتاج أفكر… قالت له: فكر براحتك… بس أنا مش هستنى. ودخلت بيتها، وقلبها خفيف لأول مرة من شهور… لأنها فهمت إن الكرامة عمرها ما كانت اختيار صعب، بس كنا بنخاف نختارها. سليم لسا بيضحك: والله يا رامي، اليوم ده يتحط في مذكراتك تحت عنوان: "كيف سرقت قطة أحلامي بالفول. رامي بتمثيل درامي: وهفضل أفتكر وشها وهي بتجري... فيها خبث مش طبيعي. حازم بيمسح دموع الضحك: طب متقولناش بقى إنها خطفت قلبك كمان؟ رامي بيهزر: لا بس خطفت نص مرتبي، كان آخر سندويتش في الميزانية! راجل الفول بيسلم له ساندويتش جديد: خد يا نجم، فول مخصوص ومغلف ضد القطط. رامي: تسلم إيدك يا عم الحج، ده تأمين صحي مش فول! فجأة، تليفون حازم بيرن... بيبص عليه ويتجمد، ثم يرد وهو مكشّر حازم بصوت منخفض وقلق: ألو؟... نعم يا فندم؟... إيه؟... إزاي يعني اتخصم من المرتب ٣ أيام؟ أنا كنت مستأذن! سليم و رامي بيبصوا له بقلق حازم بيقفل التليفون بضيق: المدير قرر يخصملي تلات أيام لأني مشيت بدري امبارح... مع إني كنت رايح لدكتور! سليم: يا نهار... طيب ما حاولتش تشرح له؟ حازم: شرحت، بس هو مزاجه كده... قال النظام أهم من الظروف. رامي بحاول يخفف الجو: بص يا صاحبي، اعتبرهم تلات أيام راحة إجباري... ونعملك حفلة فول صغيرة كل يوم! حازم بضحكة حزينة: والله ما فاضللي غير فول وقطط... لكن بجد وجودكم خفف عني. راجل الفول بفلسفة: اسمعوا يا ولاد، طول ما في ضحكة بتتشارك، ولا همّ يفضل في القلب. رامي بشقاوة: بس القطة دي مش داخلة في الضحكة تاني، هبلغ عنها! سليم: بلغ عنها وبلاش تنسى تحط صورتها في قسم المطلوبين أكلًا! التلاتة يضحكوا من قلبهم، رغم المشكلة، والمشهد يُغلق على لقطة جماعية فيها سندويتشات فول وضحك مكتوم. رامي وهو بيكسر حبة لب: بصوا بقى، إحنا لازم نعمل خطة نرجع بيها أيام حازم المسحوبة... يعني حملة علاقات عامة! سليم ساخر: ولا نرشحه موظف الشهر ونخلي المدير يحس بالذنب؟ حازم وهو بيشرب الشاي: ياريت، بس الراجل ده دماغه ناشفة... ما فيش فايدة. رامي يفكر للحظة: طب إيه رأيك نبعته إيميل رسمي فيه صورة للقطة وهي بتخطف الساندويتش؟ نقوله "ده سبب تغيب حازم، كان بيدافع عن الوطن!" سليم: يا ريت تمسك نفسك بس، إحنا بنتكلم بجد. وفجأة تدخل ندى، زميلة حازم في الشغل، وتشوفهم من بعيد، فتقرب