السادس عشر
ليان أول ما شافت صورتها متعلقة جنب صور الستات التانيين، حسّت رجليها مش شايلينها. قلبها كان هيقف، وإيديها بدأت ترجف.
"هو ناوي يقتلني؟ زيهم؟ إزاي؟ وأنا وثقت فيه؟!"
بدأت تدور بسرعة في المكان تدوّر على مخرج، على أي حاجة تهرب بيها. لمحت جنب الصور درج خشب صغير، فتحته ولقت جواه دفتر أسود، مقفول بقفل صغير.
شدّت الدفتر وخبّيته بسرعة في هدومها، وقعدت تضرب على الباب تاني بكل قوتها.
فجأة، سمعت صوت خطوات تقرب… يوسف!
دخل عليها والهدوء الغريب مرسوم على وشه.
انتي ماكانش المفروض تشوفي ده…"
إنت بتعمل إيه هنا؟ إنت بتقتل الناس؟ أنا شفت الصور! شفت اسمي!"
وقف يوسف شوية، وبص لها بنظرة جامدة، وقال:
– "أنا بحميهم، مش بقتلهم… كل واحدة فيهم كانت في خطر، زيّك."
– "إزاي؟! يعني تحبسهم؟! تحط صورهم؟! ده اسمه خطر مش حماية!"
يوسف قرب منها، ووشه اتبدل من الهدوء للغضب:أنا الوحيد اللي كنت عارف أن الشر حواليهم، وأنا الوحيد اللي قدرت أوقفه… وسعاد؟ ماتت عشان صدقت حد تاني… وأنا مش هكرر نفس الغلطة.
ليان مسكت حجر صغير من الأرض، واستعدت تدافع عن نفسها لو قرب أكتر. بس قبل ما يلحق يتحرك، سمعت صوت صفارة عربية شرطة برا!
كان في شاب من سكان العمارة شاف يوسف بينزل بالشنطة السودة، وبلغ عن تصرفاته الغريبة.
يوسف بص للباب، وبعدين لليان، وقال بهدوء مرعب:خلاص… اللعبة خلصت.
وفجأة، مد إيده وسحب حاجة من جيبه… وساعتها ليان صرخت بكل قوتها.
رامي وهو بيبص حواليه: شايفين؟ الهوا حلو، والناس ماشية، ولا حد فارق معاه حاجة... بس إحنا؟ قاعدين نحاسب الدنيا!
سليم: بصراحة عندك حق، الواحد لازم يبطل ياخد كل حاجة بجدية كده.
رامي يغمز: يعني إنت اللي كنت بتعيط على الفاتورة الشهر اللي فات؟
سليم ضاحك: دي كانت كهربا مش فاتورة، حسيت إني مشغل مصنع حديد مش بيت!
حازم بدأ يضحك شوية: وأنا التلاجة عندي بتصرف أكتر من مرتبي... حتى هي بتاكل أحسن مني!
رامي واقف فجأة قدام عربية فول: بصوا، بدل ما نفضل نشتكي، إيه رأيكم نفطر فول؟ أهو فول ببلاش بدل فول المشاعر.
سليم: هو فين ببلاش ده؟ مش شايف التسعيرة؟ ده كاتب "الفول بالحب" والعيش بـ"الاهتمام"!
رامي بجدية تمثيلية: آه... دي أغلى عملة الأيام دي.
حازم وهو بيضحك ويطلب من الراجل: يا عم، واحد فول زيادة سعادة، وبلاش بصل لحسن إحنا مكتئبين كفاية!
الراجل بيضحك: حاضر يا باشا، فول مخصوص للقلوب التعبانة.
رامي بصوت درامي: إحنا مش بناكل فول... إحنا بنرمم أرواحنا!
سليم وهو بيشم ريحة الفول: ياااه، الريحة دي تفتح النفس... حاسس إني رجعت طالب جامعة ومستني سندويتش بخمسة جنيه.
رامي: خمسة جنيه إيه يا ابني؟ ده حتى الذكريات غليت!
حازم وهو بياخد الساندويتش: بصراحة، ماكنتش متوقع اليوم يقلب ضحك كده.
وفجأة، تيجي قطة وتقفز على رجل رامي وتخطف منه الساندويتش!
رامي بيصرخ بصوت عالي: يا لهويييي! القطة خطفت عشايااااا!
سليم بيضحك وبيصور بالموبايل: دي قطة ولا حرامي محترف؟ دي محتاجة تتوظف في فيلم أكشن!
حازم قاعد يضحك وهو بيتهز من الضحك: بص على وشك وانت بتجري وراها! افتكرتك بتلعب في الأول!
رامي واقف بيتنفض من الصدمة: والله يا جماعة، دي خطة مدروسة... واضح إنها مترصدة لي من بدري!
الراجل بتاع الفول وهو بيضحك: متقلقش يا نجم، هديك واحد فول مضاعف... عشان القطة شاركتك الأولاني.
رامي وهو بياخده بس بنظرة حذرة للقطة: هقسمه اتنين... نص ليّا ونص أزرعه فـ الأرض، يمكن أربي فول بدل قطة!
سليم: لا يا رامي، أنت محتاج بودي جارد لسندويتشك
الجاي.
حازم: أو على الأقل سلك شائك حواليه!
التلاتة يضحكوا بصوت عالي، والمشهد يخلص على ضحكتهم وانتقالهم من جو الكآبة للضحك الحقيقي.
في قرية صغيرة على طرف الجبل، كان عايش أدهم، شاب ساكت بطبعه، وشه دايمًا فيه هيبة الرجالة الكبار، رغم إن سنه لسه ماكملش العشرين كان معروف بين الناس إنه "الولد اللي بيشيل الهم بدال أبوه"، من ساعة ما أبوه توفّى وهو عنده 12 سنة، وهو شايل مسؤولية البيت، وأمه، وأخته الصغيرة "رُقيّة".
أدهم ماكانش بيشتكي، كان بيصحى قبل الفجر، يروح الغيط يشتغل، وبعدها يركب حماره ويمشي السوق يبيع شوية خضار. وفي عزّ الزحمة، تلاقيه ساكت، عينيه بتتكلم أكتر من لسانه.
بس اللي محدش كان يعرفه إن جواه حلم كبير.. كان بيحب يقرأ، وكل ما يخلّص شغل، يقعد جنب النور الضعيف، يفتح كراسته، ويكتب خواطر عن الدنيا والحرب والناس. كان نفسه يدرس، يبقى ضابط، مش علشان الرتبة، لكن علشان يحس إنه بيعمل حاجة كبيرة، حاجة ليها قيمة.
وكانت فيه لحظة غيّرت كل حاجة.
في يوم، وهو راجع من السوق، سمع صوت بكا جاى من بيت جاره الحاج عبد الغني، دخل ولقى ابنه الصغير، شهيد، جاي له العلم ملفوف.
ساعتها أدهم وقف، وقلبه وقع. ما قالش كلمة، بس لما رجع بيته، مسك ورقة، وكتب:لو كنت راجل.. لازم أكمّل الطريق اللي بدأه.
ومن هنا بدأ قراره. راح وسجّل اسمه في الجيش، وهو عارف إنه ممكن مايرجعش، بس كان مؤمن إن الحياة مش بس أكل وعيش.. الحياة إنك تسيب أثر.
وفي يوم وداعه، حضن أمه وقال لها:يا أمّي، إدعيلي زي ما كنتي بتدعي لأبويه.. أنا رايح برجليه ورجعه على الله.
ومن هنا بدأت الحكاية اللي خلّت "أدهم" مش بس جندي.. لكن بطل بيسكت ويتكلم بعنيه، ويحارب علشان ناسه، وأرضه، واللي راحوا قبله.
بعد أيام من زيارة وفاء وسامر، الدنيا في بيت هبة كانت ماشية على نار. كريم بقى وحش أكتر، وكلامه كله تهديد ووعيد.
في ليلة كانت قاعدة فيها هبة لوحدها في الصالة، حزينة ومكسورة، سمعت صوت باب الشقة بيتفتح جامد. رفعت راسها بخضة، ولقت كريم داخل وهو مبتسم ابتسامة شيطانية، ومعاه بنت صغيرة في السن، لابسة فستان أبيض بسيط شبه فساتين الفرح.
هبة قامت واقفة مكانها، قلبها بيخبط بعنف، مش مستوعبة اللي شايفاه.
كريم بصوت كله شماتة:اتعرفي... دي مراتي الجديدة. اتجوزتها النهاردة.
عايزك تتعلمي يعني إيه الست تبقى ست بجد!
البنت اللي معاه كانت واقفة جنبه، بتضحك بخجل، وكأنها مش شايفة المصيبة اللي بتحصل.
هبة اتجمدت مكانها، عنيها دمعت من غير ما تحس. حسّت إن قلبها بيتقطع جوا صدرها، ومفيش نفس يطلع.
هبة بصوت مبحوح:كريم... إنت بتتجوز عليا؟
كريم بكل برود:آه! عادي جدًا... وأنتي تفضلي قاعدة هنا، تشوفي بعينك، عشان تتعلمي الأدب وتحترمي اللي فوقك.
هبة رجعت خطوتين لورا، كانت عايزة تصرخ، تهرب، تعمل أي حاجة... بس رجليها مش شايلينها.
كريم يكمل بتهكم:آه... وإوعي تفكري تفتحي بُقك. إنتي هنا خدامة لمراتي الجديدة، فاهمة؟
البنت ضحكت بخفوت وهي ماسكة طرف فستانها، وكأنها بتحاول تتصرف بطبيعية.
هبة حست إنها بتغرق في بحر ظلمة ملوش قاع.
قلبها اتكسر.
تاني يوم الصبح، صوت ديك القرية يصحي الدنيا.
الشمس لسه بتتبسم بخجل فوق الحقول، ونسمات الهوا تشيل ريحة النعناع والريحان اللي مزروعين قدام البيت.
صفا، بشعرها المكركب وقميص نومها اللي عليه دباديب، تجري على نجاة اللي كانت بتكنس قدام باب البيت: ماماااا… ماماااا… أنا عايزة أروح معاك الغيط!
نجاة، تضحك وتحط إيدها على راس صفا: تصبحي على خير يا بطة، بس إحنا رايحين نحش برسيم للغنم… مش فسحة يعني.
صفا، بعناد بريء: عادي! أنا بحب الحيوانات.
تيتا تخرج معاهم، لافّة طرحتها حوالين وشها عشان تحميه من الشمس.
يمشوا مع بعض في طريق ترابي صغير، حواليهم خضرة من كل ناحية، وأصوات عصافير تغرد، وجاموسة تعدي بهدوء جنبهم.
نجاة توطي وتعلم صفا:شايفة يا صفا؟ البرسيم ده لما نقطعه من فوق بس، يطلع تاني وينمو… عشان كده بنقول: الخير في الأرض، بس اللي يصبر عليه.
صفا، وهي تمسك حزمة برسيم صغيرة، تضحك:يعني البرسيم زيه زي الناس الطيبين؟