سقوط النور الجزء الاول - الفصل 2 - بقلم عابرة القارات - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سقوط النور الجزء الاول
المؤلف / الكاتب: عابرة القارات
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

--- 🌒 الفصل الثاني: عين الظل > “أخطر ما في النور أنه يظن نفسه طاهرًا، وأخطر ما في الظل أنه يؤمن بأنه نجس. وبين الاثنين يولد الحُبّ… خطيئةً مقدّسة.” كانت الأيام تمرّ ببطءٍ غريب منذ تلك الليلة. السماء لم تعد كما كانت، وكأن الغيوم تراقب القرية بحذرٍ خفي. أما ليان، فكانت تمشي في الطرقات بعينين زائغتين تبحثان عن وجهٍ لا تجرؤ على وصفه. الناس بدأوا يلاحظون تغيّرها، فصارت أكثر صمتًا، أكثر حزنًا، وأقرب إلى الغياب. حتى أمها كانت تقول: > “ابنتي تنظر إليّ وكأنها لا تراني… كأنها ترى ما لا يُرى.” وفي الليل، كانت تسمع صوته — ذاك الذي زارها عند الغابة. يناديها دون كلمات، فقط همس يشبه نغمة ريحٍ حزينة. --- في الجانب الآخر من العوالم، كان سيراف يقف على حافة الهاوية التي تفصل مملكة الظلال عن الأرض. وجهه جامد، وصدره ممتلئ بأسئلةٍ لا يحقّ له طرحها. منذ أن رآها، شعر أن النار بداخله لم تعد تحرق كما كانت، بل صارت تضيء… وهذا، في عرف قومه، بداية الهلاك. اقترب منه جنديٌّ من الظلال وقال بخفوت: > “هازار يسألك… هل أطفأت الشرارة؟” أجاب سيراف ببرود: “النور لا يُطفأ، بل ينتظر أن ينطفئ بنفسه.” قال الجندي: “احذر أن تراه بعينيك ثانية، فالذي يرى النور كثيرًا ينسى النار.” لكن سيراف لم يكن يستمع، كان يسمع صوتها في داخله. صوت ليان… الحرف الوحيد الذي كسَر صمته منذ قرون. --- في الليلة التالية، عاد إليها كما يأتي الحلم — بلا طرقٍ ولا موعد. وجدها جالسة عند النهر، شعرها الطويل يتراقص فوق الماء، ووجهها يغرق في ضوء القمر. اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، حتى سمعها تهمس: > “كنت أعلم أنك ستأتي.” جلس قربها، وقال وهو ينظر إلى السماء: > “كيف علمتِ؟” قالت بهدوءٍ غريب: “من لا يأتي يُحدث غيابه ضجيجًا… وصمتك كان أعلى من السماء.” ابتسم. قال: > “البشر لا يفهمون الصمت، يعتبرونه فراغًا، بينما هو لغتنا نحن.” قالت بفضولٍ طفلةٍ لا تعرف الخوف: “أنتم؟ من أنتم؟” لم يُجب. فقط مدّ يده نحو النهر، لامس الماء، فتحوّل جزء منه إلى بخارٍ أسود ارتفع نحو القمر. تراجعت ليان بخوفٍ، لكنه قال: > “لا تخافي… النار لا تحرق من وُلد بالنور.” اقتربت منه أكثر، نظرت في عينيه، فرأت داخله شيئًا يشبهها — وجعٌ قديم، وحنينٌ لا اسم له. قالت بصوتٍ مبحوح: > “رأيتك من قبل، قبل أن أولد.” فأجابها بصوتٍ أقرب إلى تنهيدةٍ من زمنٍ غابر: “ورأيتك حين لم تكوني فكرة بعد… كنتِ في الضوء الذي سقط، وأنا في الظلّ الذي تبِعَه.” --- > “أحيانًا لا نلتقي لنبدأ الحكاية، بل نلتقي لنُنهيها بطريقةٍ لم تُكتب بعد.” في تلك الليلة، كانت السماء تمطر شراراتٍ خفيفة، وكان العالمان يقتربان أكثر مما يجب. في مملكة الظلال، رأت العرافة نيرينا رؤياها: > “حين يرى الجنيّ وجه الإنسان مرتين، يسقط العهد القديم.” وفي الأرض، كانت ليان تُغمض عينيها للمرة الأولى وهي تشعر أن قلبها ينبض بلحنٍ لا ينتمي للبشر. بينما سيراف كان ينظر إلى يديه المشتعلتين بنورٍ غريب ويقول لنفسه: > “إن كانت هذه هي الخطيئة… فلأكن أول من يؤمن بها.” --- في الصباح التالي، استيقظت القرية على صراخٍ مرعب. عُثر على رجلٍ محترقٍ عند أطراف الغابة، قالت النساء إن وجهه كان خاليًا من الملامح، كأنه مسح بالنار. أما ليان، فكانت تنظر من نافذتها بعينين مملوءتين بالدموع، وفي عروقها، كان الضوء يغلي كأن شيئًا داخليًا يحاول الهروب. > “حين يقترب الظلّ من النور، لا يحترق أحدهما… بل يتغيّر كلاهما.” تلك كانت بداية التغيير. فما بين قلبٍ من نورٍ وعينٍ من نار، بدأ العالم يتهيأ للسقوط الذي لن ينجو منه سوى من يفهم: أن النور لا ينتصر دائمًا، وأحيانًا… يهزمه الحب. ---