الفصل 1
الطابق الثالث، مكتب رقم 12، شارع داونشاير هيل، حي هامبستيد، مدينة لندن — عام 1875.
كان المحقق بنيامين كروذل، البالغ من العمر ثلاثةً وعشرين عامًا، يجلس متراخيًا على كرسيه، واضعًا قدميه فوق المكتب، يحدّق في السقف كأنما يبحث عن فكرةٍ تهبط عليه.
أمّا مساعده إدوارد لينغلي فكان يجلس مقابله صامتًا، يحدّق في الجدار أمامه وكأنه ينتظر أن ينطق.
ساد الصمت بينهما حتى قطعته طرقةٌ على الباب.
اعتدل بنيامين فجأة وقال بنبرةٍ جادّة:
ـ ادخل.
فتح الباب رجلٌ أنيق المظهر، يرتدي معطفًا فخمًا تفوح منه رائحة العطر الفرنسي، تبدو عليه ملامح الثراء الواضحة. تقدّم بخطواتٍ واثقة وصافح بنيامين ثم جلس.
قال الرجل:
ـ صباح الخير يا سيد بنيامين، اسمي جون كارتر، وقد جئت لأن لدي قضية أودّ أن تتولاها.
ارتسمت على وجه بنيامين ابتسامة حماس، فقد كانت تلك أول قضية يتولاها منذ افتتاح مكتبه.
قال بحيوية:
ـ تفضل يا سيد كارتر، أخبرني بكل التفاصيل، وثِق أنني سأحلّ قضيتك.
قال جون بهدوء:
ـ يسعدني سماع ذلك، الأمر باختصار أن صغيرتي اختفت قبل يومين، ولم أستطع العثور عليها.
قطّب بنيامين حاجبيه وسأل باهتمام:
ـ اختفت؟! كم عمرها يا سيدي؟ وما أوصافها؟ حدّثني عمّا حدث في اليومين الماضيين.
قال جون:
ـ عمرها سنتان فقط...
قاطعه بنيامين بدهشة:
ـ سنتان؟!
تابع الرجل دون اكتراث:
ـ نعم، وشعرها أبيض، وعيناها عسلية، وهي من النوع الفارسية...
توقّف بنيامين فجأة وقال بارتباك:
ـ تمهّل يا سيد جون... ابنتك شعرها أبيض وفارسية؟!
أجابه الرجل بجدية تامة:
ـ أي ابنة؟! إنني أتحدث عن قطتي.
تنهّد بنيامين وقال وهو يمرّر يده على جبينه:
ـ سيدي، أنت في مكتب تحقيقات لا في عيادة بيطرية، وأنا محققٌ لا طبيب حيوانات.
ابتسم جون ابتسامة صغيرة وقال بثقة:
ـ أعلم ذلك، سيد بنيامين، ولهذا جئت إليك. قطتي لا تعاني مرضًا... إنها مفقودة.
قال بنيامين ببرود:
ـ آسف، لكني لا أتولى قضايا القطط المفقودة.
اقترب إدوارد منه وهمس في أذنه:
ـ بنيامين... إنها قضيتنا الأولى، ولن يضرّنا أن نبدأ بها، فليس أمامنا غيرها.
تنهّد بنيامين ثم قال:
ـ حسنًا، سيد جون... سأقبل القضية.
تهلّل وجه جون وقال بامتنان:
ـ أوه، كم أنا سعيد وشاكر لك! لا تتصور كم من شخصٍ رفض مساعدتي.
قال بنيامين وهو يدون بعض الملاحظات:
ـ أرجو أن تعطيني عنوانك، سأزورك قريبًا لبدء التحقيق بشأن... قطتك.
قال جون:
ـ بالطبع، أسكن في حي هايغيت، شارع نورث هيل، المنزل رقم 16. أهلاً بك في أي وقت تشاء.
ابتسم بنيامين ابتسامة صغيرة وقال:
ـ جيد، سأكون عندك قريبًا يا سيد كارتر.