الحب - البارت الرابع - بقلم شورى الشرفي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الحب
المؤلف / الكاتب: شورى الشرفي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: البارت الرابع

البارت الرابع

الـــفــــصــــل الــــرابـــــع اقشعر بدن روكسى لهذه العاطفة الجياشة التى بدت فى صوته. لم تكن تفهم كيف يتعلق قلب إنسان بحجارة و بلاط بهذا الشكل, ناهيك عن حقول و اشجار. إن المنزل هو مكان تأوى إليه بعد عناء العمل. و بالنسبة لها كان ذات مرة مسكن قوم أخرين, ذلك حين توفى والدها بعد عيد ميلادها بقليل و انتقلت والدتها بها لتعمل لدى عائلة كبيرة فى لندن. و حين انتقلت والدتها لتعمل فى كارنوك, عاشت فى مساكن الممرضات, ثم فى سكن مشترك فى نيويورك. و حين اصبح لها مسكنها الخاص, لم تكن مرتبطة به عاطفياً, و من ثم كان صعباً عليها أن تفهم هذه العاطفة القوية من ايثان. ورأت أن الأمر قد تجاوز الحد و أن عليها أن تصفيه فقالت فى تردد: ـ ايثان هناك أمر يجب أن اخبرك به, أننى... لقد.... رباه, هذا شنيع. لقد خدعتك. و تصلبت شفتاه فى خط مستقيم و سألها كما لو كان دهشاً: ـ أحقاً؟ و لم تكن نبرته مشجعة. و كان الأمر أصعب مما توقعت: ـ لقد كان غباء منى, و لكن يجب أن تسمع لتبريرى حتى تفهم موقفى. و ردد فى صوت أجش: ـ حسناً, أننى مصغ. و كانت تود بإلحاح أن تستعيد فكرته الطيبة عنها, و لكنه سوف يفقد الثقة بها لو فعلت, و لكن على أية حال, فجلسة فتح الوصية يوم الاثنين و سوف تظهر شخصيتها فيها. و بدأت تتحدث و هى تضم اصابعها بشدة: ـ حين جئت تسأل عن روكسانا بيج, اردت أن أعرف السبب أولاً. فقد بدا الأمر غريباً أن تقطع كل هذه المسافة لتقابلها. قاطعها: ـ لقد أخبرتك. لقد تصادف وجودى فى لندن, و كان امرأً يتطلب المناقشة وجهاً لوجه. كان سيسهل عليها الاعتراف لو لم يتخذ هذا المظهر الصارم. إن لديه براعة فى إفقادها ثقتها فى نفسها, دون أن يعنيه أن يكون وسيماً أم لا. و ضايقها تصرفه ذلك, فقد كان يخفى وراءه شدة مفزعة, و أكملت مضطربة: ـ لقد تحدثت أنت أقصد.... لقد كان ذلك..... ثم توفت و هى ترى الصدر الضخم ينتفخ بالغضب : ـ ايثان.... و سأل محتداً: ـ تحدثت أنا.....؟ و كانت نبرته تحمل شيئاً من الاستغراب. ـ نعم, معى. و كان ذلك.... و تصلب جسدها حين مد يده و راء ظهرها, ثم احاط عنقها به. و سرى الخوف فى بدنها و قال يستحثها: ـ نعم؟ لعقت شفتيها بعصبية. و امتدت يده إلى شعرها, و ادارت رأسها تجاهه. و ارتعدت للنظرة التى رماها بها, باردة, عدائية, اخترقت قلبها كمدية من الجليد. ـ ايثان..... و قال من بين اسنانه: ـ هيا! قالت بنبرة بؤس: ـ أنا روكسانا بيج و انتظرت الانفجار. و رد عليها باقتضاب: ـ اعلم ذلك. و سرى الهلع فى كل بدنها: ـ تعلم؟ متى...؟ عند أية نقطة ادركت ذلك؟ و بدأت السيارة تخفف من سرعتها. و تجاهلها عدة دقائق مركزاً على الطريق و هو يدخل فى حارة ضيقة. و قالت متوسلة: ـ قل شيئاً. كان وجهه جامداً و هو يتجه إلى منزل يؤدى إلى محطة خدمة. و كان فى تصلبه يعطيها انطباعاً يثير اضطرابها, و كان شعورها أكثر من مجرد خيبة أمل فى لعبة غبية ورطت نفسها فيها. كان جسده كله ينبئ عن أن الغضب يسيطر عليه بعناية بالغة, من عينيه الباردتين لصوته الأجش, إلى قدميه و هما تتبادلان الوضع على الفرامل و دواسة البنزين بعنف. و قررت ألا تبدى أى قدر من الدفاع عن نفسها و هو فى حالته المزاجية تلك. و اتجه إلى مكان متسع من جانب الطريق, و أوقف السيارة, و خيم الصمت بينهما ثقيلاً, و شعرت بأعصابها تتوتر. متى عرف بحقيقتها؟ هل قبل قبلته الملتهبة؟ و دفعت الباب, و قفزت من السيارة و أخذت تعب من هواء الليل, شاعرة بالوهن يسرى فى جسدها. و شعرت بجرح عميق من الحرج و هى تتذكر كل لمسة من يده, و كل كلمة كاذبة سخر منها بها. و همست فى الظلام: ـ إيها الخنزير القذر. لقد لعب بها و استغلها عن عمد, عالماً برغبتها فى استخلاص الحقيقة منه. و شعرت بالاذلال و تحطم الكرامة. و عادت إلى كرسيها و قد خارت قواها فجأة. فارتمت عليه تحاول فى يأس أن تجمع شتات نفسها. و غمغمت بشفتين باردتين: ـ يا لك من وغد. فسألها ساخراً: ـ و ماذا عن يا عفريته؟ و اشتعل جسدها و غمغمت: ـ إنى آسفة. ـ أوهـ, و هل يصلح هذا الأسف الأمور؟ هل اغفر لك إخفاءك شخصيتك, و محاولة إغرائى بمفاتنك لتعرفى سبب طلبى لك؟ و غمغمت: ـ لم يكن الأمر كذلك. فغضب قائلاً: ـ بل كان. و كنت اعطيك درساً. و حين كنت فى مسكنك, كان يخطر ببالى أن أجعلك مجنونة بىّ لولا أنه كان لدى أمور اهم كانت نبرة صوته مفعمة بالازدراء. و ردت محتدة: ـ لم تكن لتفعل بىّ ذلك. فأجابها صارخاً فى وجهها: ـ بل كنت سأفعل و أنت تعرفين كم أنا عنيد و لا أعرف الرحمة. و سالته متخاذله: ـ و كيف عرفت حقيقتى؟ فأجاب و السخرية تملأ عينيه: ـ لقد كان حماسك زائد عن الحد. رغم جاذبيتى لم أكن لأثير كل ما بدا منك من انفعال هكذا. ثم أن البائعة بدأت تهتف باسمك, و اعتقدت لحظتها أننى اخطأت السمع, فأين فتاة الجنازة البدائية من تلك اللعوب التى دخلت المحل. ثم أننى تعرفت على صوت سكرتيرك رغم سوء الخط التليفونى. قالت مدافعة عن نفسها: ـ لقد كنت ضائقة النفس بتصرفك معى فى اثناء الجنازة. و قد كان خطا منك أنك لم تخبرنى بمعرفتك شخصيتى. ـ و افتقد كل تلك المتعة؟ لقد سرنى أن اسايرك حتى أعلم سبب تقمصك شخصية ماتاهارى, أو بالاحرى.... العفريتة. و اشتعلت بالغضب, فلم يحدث أن تغلب عليها رجل بتلك الصورة. و سالته ببرود: ـ ماذا تريد الآن؟ فرد باقتضاب: ـ المنطق. لماذا كنت فى ذلك المنظر المزرى فى جنازة والدتك؟ فردت بوهن: ـ كنت قد غادرت لندن فى يوم مشمس, و فوجئت بالمطر يهطل, فاستعرت بعض الملابس من صاحبة النزل الذى نزلت فيه. ـ و إذا كنت لم تقصدى إغرائى كما تقولين, فما سبب تصرفك معى؟ ـ لقد قلت لك, كان الشك يملأ قلبى تجاهك. فصرخ وجهه على بعد سنتيمترات من وجهها: ـ كاذبة, أيتها الفاجرة الخسيسة واتسعت عيناها بتعاسة: ـ ماذا......؟ تمتم بشئ و أدارها لتواجهه, و بدا كما لو كان سيبطش بها. و كانت ملامح وجهه تنطق بالكراهية, و قالت من بين اسنانه: ـ إنى أعدك, لو كنت تسخرين منى, فسوف أجعلك تندمين اشد الندم على محاولتك خداع ايثان تريمين. استشاطت غضباً. إذا كان كل هذا الغضب منه, لاكتشافه أنه كان يغازل ابنة الخادمة, فإنه يكون نذلاً. و سألها محنقاً: ـ لقد كنت تتلاعبين بىّ طوال الوقت, أليس كذلك؟ ألهذا قبلت دعوتى للسفر إلى كارنوك ! لتمارسى إغرائك لىّ, ثم تفاجئيننى بادعائك حقاً على ارضى؟ ثم ضيق عينيه: ـ هل أتصل بك بنها ليجون؟ ـ نعم حينما كنت أتحدث مع جو. ماذا تقصد بخصوص الارض؟ و اشتدت قبضته على كتفها بوحشية, و تراجعت أمام هذه الضغينة التى تشع منه, و لكنها انجذبت إليهحتى شعرت بلفح انفاسه على وجهها. و صرخ فيها: ـ إنك تعلمين شيئاً, أليس كذلك؟ و هزها بقسوة: ـ ما هو؟ ما الذى فى الوصية؟ و انفجرت تبكى بغضب: ـ لست أدرى, كف عن هذا ! لكنه رفع صوته في وجهها: ـ بل تعلمين! امك كانت خبيثة مثلك, لو فكرت لحظة... ثم رمش بعينيه: ـ ....لو فكرت لحظة أنك سوف تدعين شيئاً من ميراثى, فسوف اقذف بك من السيارة المنطلقة.