البارت الثاني
الفصل الثاني
وقفت "روكسي" محملقة تتهم الشراب بتضليل بصرها ولكن الرجل لا يخطئه النظر. كان واقفاوسط الحشد ولكن في أنغلاقه على نفسه لايعبأ بما يحيط به من هرج ومرج داخل المحل.
ما الذي يفعله هنا؟ وفي هذه الملابس الأنيقة أيضا! لم تدرك من قبل ذوقه الراقي في الملبس . أم كيف ستبدو أية ملابس أنيقة على هذا الجسد الضخم ؟
لا شك أنه كان يحوز الإنتباه الكانل لكل النسوة المتجولات في المحل وكأنه يأخذ جرعة منشطة لغروره كلما نهض في الصباح.
وتوقفت وهي تفك أزرار سترتها في دفء المحل حين أدركت ما فعل لقد جاء من كورنول هذا الصباح ! إذ لا يمكن أن يكون قد تمكن من الحضور من هناك بعد مكالمته لها .
وتصاعد فضولها حول هذا الحرص منه على لقائها دون أن تبدي ذلك حتى لا تجعله يعتقد أنها مهتمة بشأنه .
كان متكئا على البنك أمام البائعة يجادلها في عناد :
" لا أصدق أنها غير موجودة ؟"
وردت الفتاة وقد كلت حيلتها :" بل هي غير موجودة بالفعل "
وانسلت "روكسي" وراء بعض الرفوف المكدسة بالقارورات وأخذت تراقب المنظر. ولم يكن يبدو سوى ساقيه المغروستين في الأرض .
" إتها قد اقتربت من الرابعة ولا يمكن أن تظل في فترة الغداء كل هذا الوقت....."
"إن هذا أمر غير شاذ بالنسبة لها" وزمجر قائلا :
"لا أصدق. إن للعمل مواعيد"
"إنها هي التي تضع مواعيد عملها بنفسها " فتمتم قائلا :
"حسنا لا يمكن أن تستمر تحت خدمتي طويلا إذن ".
وعمل عقل "روكسي" بسرعة البرق . إن هناك إلحاحا منه وإصرارا على ألا يتراجع...ولا بد أن هناك أمرا مهما أتى به إلى لندن ليقابلها. وابتسمت لنفسها . إنها في مظهر المرأة التي تحمله اليوم لن يتعرف فيها أبدا على تلك الفتاة المنكسرة التي لمحها تحت هطول المطر ولم تجد غضاضة في أن تتلاعب برجل مثله بعض الوقت.ونادت على الفتاة المسكينة :
" دعي هذا لي يا "آن" ". إن "إيثان" يثير بعض الاضطراب داخل المحل ويجب التخلص منه بأسرع ما يمكن .
"آه, شكرا يا "روكس..." وقاطعتها صائحة بابتهاج وهي تقذف بلأكياس في الهواء مؤملة ألا يكون "إيثان" قد انتبه لاسمها:
"فساتين !ثروة من الفساتين من الحرير وواحد بلون الفراولة واثنان بلون الزعفران وواحد قطيفة سوداء. دفعت فيها دم قلبي!"
وكان يعبس لها بصورة غريبة. ولكن ملامحه بدأت تلين شيئا ما لما أبدت من ابتهاج. وشعرت بزهوة انتصار. ها هو ذا قد اعترف بها أخيرا.
ضحكت البائعة واختلست نظرة "لإيثان" ثم انصرفت إلى عملها على مضض وكانت قبعتها الحمراء قد انحسرت عن رأسها حتى تظهر شعرها الفاحم المتراقص وعيناها الممتلئتان سرورا. لقد كانت تخطط لأمر ما, وتتلذذ بالتفكير حين يوضع موضع التنفيذ. ولكن "إيثان" لا يدري عنه شيئا ويظن ككل المغرورين أن لسرورها صلة له.
و أقبلت نحوه ترفل في ثيابها لا تخفي قصد إثارته. وانحنت مستندة على البنك وأخذت تصعد بصرها فيه بطريقة مهينة.
يا له من تحد! ورد عليها بنظرات ملؤها التهكم. احذري يا امرأة, فأنا مغرم بالتحدي.
وغمغم "إيثان " بصوت معسول :
" لقد قمت بمشهد مؤثر عند دخولك مبتهجة ومتلألئة كفراشة "
وكانت رقة كلماته تخفي لذعة حسية تفوح من جسدة القوي .
وتعرفت فيه على رجل يعتز برجولته وقد كاد يصرع البائعة لولا أنه حول انتباهه إليها ولم تكن تحب منه ذلك وقد أن الأوان أن يتلقى درسا سيكون هذا من دواعي سرورها وردت عليه بنعومة:
إني لا أحب الكآية فهل تحبها أنت ؟ إن الأيام القائمة فيها الكفاية ودون ملابس كهذة يقع المرء فريسة الأكتئاب لا محالة"
وكانت تتعمد ألا تنظر إلى ملابسه التقليدية المملة وإن بدت ـ وهو الأمر الذي كانت تصر أن ترفضه ـ تضفي على جاذبيته
اكثر مما يفترض لها.
وأخذت عيناه المتلذذتان تمسحان جسدها بطء مركزة على أماكن الارتفاعات والانخفاضات منها. وغمغم قائلا :
"البعض منا يحب أن يزهو أمام الجميع بزينته والبعض الآخر يفضل ألا يكشف نفسه إلا للصفوة المختارة "
وأثارها هذا التقريع منه ولكنها رفضت أن تبدي له أنه أثارها وردت عليه :
"البعض منا كئيب المنظر ةالبعض الآخر مثير للبهجة "فسألها بخشونة" وأي من هاتين الصفتين يناسبني ؟"
وانتابها الشك فجأة, إن به خبثا لا يكاد يبين, ولكن ذلك الخبث بدا مثيرا لها وهو ما يتعارض تماما مع ما تنتويه.
"في اللحظة الحالية أنت خارج عن طوعك بصياحك هكذا لموظفتي "
وارتفع حاجباه, وتساءل:
"موظفتك؟"
"نعم فأنا صاحبة محلات "زست"
"كذا!" ثم قال هازئا" وتتناولين منتجاتك على الدوام. فأنت تبدين متشبعة بحبوب الصحة". فردت بمرح "إني خير دعاية لمحلاتي أليس كذلك؟"
ثم تحولت لهجتها إلى الجد "والأن ما الذي جعلك تفقد أعصابك هكذا؟"
ضاقت عيناه واحتدت لهذا التأنيب المستتر."إنني أبحث عن "روكسان بيج" لقد أخذت عنوانها من المحامي الخاص بي وقد بدأت أتساءل عن سبب رفضها مقابلتي ".
وهتفت في دهشة:"مستحيل إن أية فتاة سيلعب رأسها لذلك".
وعبس فأدركت أنها تجاوزت حدها فعادت إلى الجد .
"ولكن يبدو أنها لم تعد فالبعض لا يحترمون مواعيد العمل كما يجب أليس كذلك؟
هيا معي إلى مكان ننتظرها فيه يا مستر..."
"تريمين, اسم من بلدة "كورنوول" ". ومد يدا ضخمة واثقة.
وقالت لنفسها. لطيف جدا يستخدم عينيه كثيرا ولا عجب أن تصطف النساء من أجله. وتركزت نظرته على عينيها بثبات عدة ثوان وانتاب "روكسانا" الذعر لما شعرت به من جفاف في حلقها.
لقد بدا كما لو كان عقلها النشيط وجسدها سريعي الحركة قد كبحا بمكبح قوي تحت تأثير عينيه وبدأت تشعر بنوع من السلام الداخلي أخذت تقاوم سحره فالسلام هو عدو الانطلاق والمبادأة. وبدأ عقلها يستعيد نشاطه. وابتسمت في داخلها.
" من "كورنوول" يا للطرافة أليست هذه بلد الجنيات وعجائن اللحم ؟"
وابتهجت لما بدا عليه من غيظ وهي تحقر من شأن بلدته العريقة بكلمات قليلة متهكمة ورمته بابتسامة من ابتساماتها الساحرة لتعوضه عن ذلك تاركة رموشها الكثيفة ترتعش قليلا. إنها ستتركه هكذا معلقا إلى أن تعرف الغرض من مجيئه.
"إن لدي مكتبا في الطابق الأعلى يمكنك أن تنتظر فيه وتقص لي موضوع الأنسة بيج وأنت على راحتك".
وقال بصوت به بحة :
"أرى ذلك أمرا طيبا".
وعبست فقد ظلت عيناه تهزآن بها فلماذا؟ وسارا معا وهو مقترب منها إلى أن كاد جسداهما يحتكان ببعضهما. ورأت أنه يتعمد أن يقترب منها أكثر وأكثر حتى اضطرت إلى أن تلتصق بدرابزين السلم .
وبدا لها التناقض البين بين نعومة ملابسه الأنيقة والجسد الصلب المتين العضلات تحتها. وأصابتها العصبية خصوصا وأنها لم تكن لتسمح لرجل أن يقترب منها بهذه الدرجة لمجرد تعارف عادي. إلا أنها رأت أنه من المنطق أن تتركه على حريته إلى أن تتمكن منه. ومد يده ليحيط بها ظهرها بحجة تقديمها أمامه فانقبض عمودها الفقاري قليلا .
إنه يقوم بلعبة ما معها ما في ذلك شك. وملأها السرور كيف أن "إيثان تريمين" الأرستقراطي قد وقع في حبائل أبنة الخادمة.
وقال في صوت عميق :
"فتاتك الأنسة بيج هل ستعود قريبا ؟"
وردت في براءة واعية لنظراته عليها:
"إنك محظوظ اليوم "فروكسانا" معروف عنها أنها لا تحضر دائما بعد الظهر ولكنني متأكدة أنها لن تلعب هذه اللعبة اليوم".
"أحقا؟ يالها من فتاة مسببة للأزعاج لك بل لكلينا"
"آه ولماذا؟" "لقد سمعت عنها شائعات شنيعة "ثم سألها بنظرة بريئة :" ألم تسمعيها أنت؟"
وردت بقلق :"نعم مثل ماذا؟" إنه لم يعلم عنها شيئا إلا من خلال خطابات والدتها ولم يكن فيها شيء بالمرة.
ومط شفتيه وقال واجما:" لايمكنني أن أردد الشائعات ".
وودت لو تبطش به فقد كانت متحرقة إلى المعرفة ورأت أن من الأفضل أن تكسبثقته فقد يسر إليها بما لا تعرف. ولمست ذراعه مقبلة عليه.
وقالت له بلهجة منخفضة :
"لا يمكن أن تلوم البنت فهي لم تحصل على قسط من التربية."
وهبط حاجباه في عبوس وفاح عبيرها في الجو المحيط بهما وأحست بأهتمامه بها يتصاعد وأشعت عيناه الخضراوان بدفء تسلل إلى عقلها وجسدها وغمغم :
"إنك لم تعطيني اسمك بعد "
ومطت فمها ورمقته بنظرة كلها دلال وكانت تشعر في داخلها بجوار "إيثان" بنوع من التفاهة وهو على ما هو عليه من جد وتحكم في النفس. وهما خاصيتان لم تحسد عليهما أحد من قبل بل كانت تشعر بالرثاء لمن لا يضحكون كثيرا فهي تتمتع بحياتها حتى الثمالة
ولكنها شعرت فجأة بالرغبة في الرزانة و العمق بلا من الاندفاع الذي قد يصل إلى حد المجون .
وأشرقت ابتسامتها : " اسمي أنا "
وتشكلت شفتاه ببطء في ابتسامة وأحست فجأة لفرط دهشتها أن ذلك التعديل في ملامح وجه قد بعث الدفء في أعماق جسدها ولم يكن الرجال يثيرونها بسهولة عادة . ولكن أن يحدث هذا لمجرد ابتسامة أو كما بدا لها لم يكن "إيثان" ممن يبتسمون كثيرا وأحست من أرتفاع المكان أن توهب واحدة من ابتساماته.
يا للسخف أتنجح تلك الابتسامة الماكرة في تسكرعقلها هكذا؟
وهزت رأسها منفعلة واستعادت رباطة جأشها رافضة أن تقع تحت تأثير مغناطيسيته لا معنى أن تركع تحت قدمي هذا الرجل لمجرد أنه ابتسم .
وقال يستحثها :" نعم اسمك "
وعادت إليها نزعتها الشريرة للفكاهة:"آه يا عيني ..إنه غاية في الرسمية " ثم تمثلت الجد :
"يمكنك أن تدعوني..."ونقطعت أنفاسها ورموشها تتلاعب في دلال ".....عفريتة !"
وتقلصت عضلة في فكه وتساءلت إن قد تجاوزت حدها مرة أخرى وبصعوبة كتمت ضحكتها وأسرعت تسبقه قليلا على السلم متعمدة شيئا من الشقاوة تتناسب مع ما أطلقته على نفسها ونسيت في فورتها نفسها وتلاعب ردفاها كعادتها حين تسير بالكعب العالي وكان هذا أكثر مما يحتمل وأمسكت يد قوية بها فدارت بسرعة لم تتمكن معها من مقاومته وهو يجذبها إليه :
"قلت عفريتة؟ إن لك مقدرة على إثارة الرجل وقد قبلت تحديك ولا تنسي أنك البادئة فيه ".
وانقض عليها بفمه وشعرت يجسدها ينصهر وهي تستسلم قبل أن يعي عقلها هذه الخيانة من جسدها .
وغمغم " يا لها من مفاجأة" . "إياك أن...."
واتضبت تحذيرها بانقضاض جديد من شفتيه فكيف ستتعامل مع هذا الوضع ومع هذه اللذة التي دبت فيها؟ ألا من منقذ ينقذها؟
وغمغم :"أيتها العفريتة الصغيرة "
وبدأ عقلها المخدر يتيقظ وبدأت شفتاها تتمكنان من الحركة فسألته :
"هل تنوي أن تهاجم مس بيج بهذه الطريقة ؟"
وابتسم :"لو كانت على شاكلتك ...ربما "
وارتفع صوتها قليلا:
"ألم ترها بعد إذن ؟" قال ولا يزال السرور يتملكه كما لو كان يتمتع بفكاهة ما, الأمر الذي ضايقها كثيرا:
"مجرد لمحة وكانت تبدو كمتسولة".
توردت وجنتاها, فلم تكن مزرية المنظر بهذه الدرجة. و قالت بابتسامة بارده:
ـ يمكنك أن تترك معى رسالتك لها و تنصرف.
ـ أغاضبة انت؟ لقد كان علىّ أن أثبتك لحظة حتى لا تطيرى من أمامى لفرط ما كنت فيه من نشوة. لم يكن لى رجل ان يقاوم هذا.
وجدت أنها قد احيط بها من أكثر من ناحية. فطبقاً للدور الذى لعبته. عليها أن تتظاهر بأنها لا تهتم بقبلة عابرة. و لم تكن حصلت على أى معلومة منه بعد. و لوحت بيدها اعرتافاً باحتما صدق ملحظوته. و هى تشعر دون أن تعبر –أنها على قمة العالم.