صدمه غيرت حيــاتي
# الموت علي بابك
# البارت الثاني
لاتبخلو عليا بتصويت ودعم بلييز
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
توقفت أمام البوابة الزجاجـية للمشـفى. أنفاسـها تتصاعد في الهـواء البارد كضـباب خفيـف. عقـلها يدفعـها للدخـول، بينما قلبها يتوسل إليها بالرحـيل.
ترددت لحظة، ثم أخذت نفسًا عمـيقًا ودفعت الباب.
الصمت يخيـم على ردهة الاستقبـال. مرضى وزوار يجلسون في سكون مقلق. توجهت نحو مكتب الاستعلامات بخطـوات ثابتة ظاهريًا، لكـنها تُخـفي عاصفة بالداخـل.
همست للموظفة:
ــــ عذرًا، أين غرفة جراحة المخ والأعصاب؟
أشارت الموظفة بفتور نحو المصعد:
ــــ الطابق الثاني، أول غرفة على اليمين.
ابتسمت لها ابتسامة باهتة بالكـاد تُخفي الخوف.
عبرت الردهة، لا يكسر الصمت إلا صدى خطواتها على السيراميـك اللامـع. كل خطوة تُحـدث رنينًا مكتومًـا.
دخلت المصعد. صمت ثقيـل. قلبها يتسـارع مع كل طابق يمر، نبضاته تكاد تخترق صدرها.
خرجت واتجهت نحو الغرفة على الجـانب الأيمن. رفعت رأسـها ببطء لتقـرأ اللوحة المعلقة على الباب:
"جراحة المخ والأعصاب"
ارتجف جسـدها. قبضـت على مقبض البـاب حتى شعرت ببرودته يُخـدر أصابعها. دقت ثـلاث دقات مترددة، ثم أخـذت نفسًـا عميقًا وفتحت الباب ببطء.
تسلل تيار هوائي يحمل رائحة المطهر—مزيج من الدواء والمعـادن.
دخلـت، تاركة الباب يُغلق خلفـها بصمت.
استقرت عيناها على الطبيب الجالس خلف المكتب. رفع رأسه فور دخولها، ونظر إليها نظرة فاحصة:
ــــ تفضلي، اجلسي.
جلست على الكرسي أمامه، يداها مشبوكتان بإحكام في حضنها.
فتح الطبيب ملفًا أمامه، تصفحه بصمت للحظات، ثم رفع نظره إليها.
توقف قلبها.
ـــ آنسة إيفلين...
بدأ بنبرة هادئة، لكن عينيه تحملان شيئًا لم تستطع فك شفرته.
ابتلعت ريقها بصعوبة:
ـــ نعم؟
ــــ أخبريني، ما الأعراض التي تشعرين بها؟
أخذت نفسًا عميقًا:
ــــ صداع شديد... دوار مستمر، أحيانًا أفقد التوازن. ومؤخرًا... بدأت أشعر بغثيان.
دوّن ملاحظات بصمت، ثم رفع نظره إليها مرة أخرى. تلك النظرة الغامضة لم تفارق عينيه.
ـــ منذ متى وأنتِ تشعرين بهذه الأعراض؟
ـــ منذ حوالي سبعة أشهر... لكنها ازدادت سوءًا مؤخرًا.
أومأ برأسه ببطء، ثم قال بنبرة هادئة لكنها جادة:
ــــ سنحتاج لإجراء فحوصات. أشعة مقطعية للدماغ.
ارتجف قلبها.
ـــ هل... هل هناك شيء خطير؟
نظر إليها بعينين تحملان شفقة خفية:
ـــ لا أستطيع تأكيد أي شيء قبل رؤية النتائج. لكن الأعراض التي وصفتِها... تحتاج لفحص دقيق.
صمت قصير. ثقيل كالرصاص.
ثم أضاف بهدوء:
ــــ سأطلب الفحص الآن. النتائج ستظهر خلال ثلاث ساعات تقريبًا. يمكنك الانتظار هنا في المشفى، أو العودة لاحقًا.
ابتلعت ريقها بصعوبة:
ـــ ثلاث ساعات؟
ـــ أجل. أعلم أن الانتظار صعب، لكنني أحتاج لرؤية الصورة كاملة قبل أن أخبرك بأي شيء.
توقفت للحظة، ثم قالت بصوت خافت:
ـــ سأنتظر هنا.
أومأ برأسه:
ــــ حسنًا. يمكنك الانتظار في الصالة الخارجية. سأستدعيك بمجرد أن تظهر النتائج.
وقفت ببطء، ساقاها ترتجفان قليلًا.
ـــ شكرًا لك أيها الطبيب.
ـــ لا داعي للشكر. حاولي أن تهدئي، سيكون كل شيء على ما يرام.
✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧
في الجامعه ! تحديداً
في صالة التدريب الموسيقية، جلـس لوكـاس على المقعد الخشـبي، جيتاره الكلاسـيكي بين ذراعيه. أصابعه تداعب الأوتار بخفة، لم يبدأ العـزف بعد، بل كان يسـتعد.
حـوله، امتـلأت القـاعة بالضجيـج المختـلط.
بعـض الفتيات في الصـفوف الأماميـة ينظـرن إليه باهتمام واضح، يتهامسن فيما بينهن:
ــــ سمعتُ أنه موهوب جدًا.
ـــ أجل، كنت أتمنى أن أسمعه يعزف.
في المقابل، جلس بعض الطلاب الشباب بوجوه عابسة. أحدهم تمتم بصوت منخفض لزميله:
ــــ دائمًا لوكاس... وكأنه الوحيد الموهوب هنا.
رد عليه زميله بنبرة ساخرة:
ــــ ربما يعزف جيدًا، لكن الفتيات يبالغن في ردود أفعالهن.
في الصف الخلفي، صفق أحد الطلاب المتحمسين بيديه:
ــــ هيا يا لوكاس، أرنا ما لديك!
انضمت إليه فتاة بحماس:
ــــ لوكاس! نريد أن نسمع!
لكن ليس الجميع شاركهم الحماس. بعضهم جلس بصمت، ينظر بفتـور، وبعضهم تبـادل نظرات ساخرة مع زملائه.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة.
رفع المدرب يده، فساد الهدوء تدريجيًا. نظـر إلى لوكاس وأومـأ برأسه:
ــــ ابدأ العـزف.
وهنا، انهمر السحر.
أصابعه انطلقت على الأوتار، كل نغمة تولد من تحت أصابعه كانت تحيي القلوب.
ثم بدأ يغني.
صوته كان أجشَّ، لكن فيه عذوبة تلامس القلب قبل الأذن. كان صوتًا منفردًا، لكنه يحمل في نبرته عمقًا لا يُوصف.
توقف الهمس تدريجيًا.
المدرب نفسه، ذلك الرجل الصارم، وجد نفسه يستمع باهتمام شديد، عيناه تتابعان حركة أصابع لوكاس.
الفتيات المعجبات نسين الهمسات، وأصبحن ينظرن إليه في صمت تام، عيونهن تلمع بإعجاب صامت.
لكن ليس الجميع استسلم بنفس الطريقة.
بعض الشباب الذين كانوا يشعرون بالغيرة، وجدوا أنفسهم رغمًا عنهم يستمعون باهتمام. أحدهم عقد ذراعيه على صدره، لكن قدمه كانت تهتز مع الإيقاع دون أن يشعر.
آخر حاول أن يبدو غير مبالٍ، لكن عينيه كانتا تتابعان حركة أصابع لوكاس بدقة.
حتى الذي تمتم بسخرية في البداية، وجد نفسه يطأطئ رأسه قليلًا، يستمع بصمت.
الموهبة الحقيقية لا يمكن إنكارها، حتى لو حاولوا.
عندما أسدل الستار على آخر نغمة، ساد صمت ثقيل للحظات.
ثم انفجرت القاعة بالتصفيق.
المدرب نفسـه صفـق ببطء، وعلى شفتيه ابتسامة نادرة من الرضـا.
الفتيات صفقن بحرارة، وبعضهن وقفت من مكانها.
معظم الطلاب صفقوا أيضًا، بعضهم بحماس حقيقي، وبعضهم بتصفيق مهذب مُجامِل.
أما الشباب الذين شعروا بالغيرة؟
بعضهم صفق بفتور، وبعضهم اكتفى بإيماءة رأس صامتة.
وواحد منهم همس لزميله وهو يصفق ببطء:
ــــ حسنًا... كان جيدًا. لكن ليس بهذا القدر من الروعة.
رد عليه زميله بهمس أيضًا:
ــــ اعترف... كان رائعًا.
وقف لوكـاس بهـدوء، انحنـى قليلًا شـاكرًا، ثم جـلس
مرة أخرى.لكن الصـمت الذي ساد قبل التصفيق...
ذلك الصمت ان أثقل من أي هتـاف.لأنه كان صمت
من أصـيب بالدهـشة، حتى أولئك الذين
لم يريـدوا الإعجـاب... أُعجبـوا رغمًا عنهم.
غادر المدرب القاعة بصمت، دون أن ينطق بكلمة.
كان صمته أبلغ من أي إشادة.
وما إن أغلق الباب حتى...
انفجرت القاعة بالضجيج.
المعجبون تجمعوا حول لوكاس، يهنئونه بحماس. التهاني تنهال من كل جانب، والابتسامات تملأ الوجوه.
لكن ليس الجميع اقترب.
بعض الطلاب الذين كانوا غيورين في البداية، وقفوا على الجانب بصمت، بعضهم يراقب بفتور، وبعضهم غادر مباشرة.
لكن المعجبين؟ كانوا في عالم آخر.
من بين الجميع، تقدمت فتاة جميلة، عيناها تحدقان فيه بإعجاب واضح، وقدمت له وردة حمراء:
ــــ كنت رائعًا بحق. غناؤك كان مذهلًا.
ابتسم لها بسحره المعتاد، وأخذ الوردة بحركة مسرحية مبالغ فيها:
ــــ شكرًا لك يا جميلتي. سأحتفظ بها إلى الأبد... أو حتى تذبل غدًا.
غمز لها بعينه، فضحكت وهي تحمرّ خجلًا.
تدفق عليه الآخرون:
ـــ لوكاس، عزفك اليوم كان مختلفًا تمامًا!
ـــ حقًا، لقد أبهرتنا جميعًا!
ابتسم لهم، شاكرًا كل واحد منهم بأدب.
لكن سرعان ما بدأ يشعر بالاختناق من الزحام.
تقدم أصدقاؤه المقربون—كالإنقاذ في الوقت المناسب—وسحبوه بحماس من وسط الحشد.
صاح أليكس بمرح.
ـــ يا رجل، هيا! دعه يتنفس قليلًا!
خرجوا من القاعة معًا، يضحكون.
مشى أليكس بجواره، عيناه واسعتان بالإعجاب:
ــــ يا رجل! ما هذا الأداء؟! لقد فاجأتني اليوم.
ضحك لوكاس:
ـــ أتهزأ؟ كان مجرد تدريب عادي.
لكمه أليكس على كتفه بخفة:
ـــ لا تتواضع! هذا لا يليق بك.
سام، الصديق الآخر، تدخل بنبرة ساخرة:
ـــ يا ملعون! أين كنت تخبئ هذا الصوت كل هذا الوقت؟
أجابه لوكاس وهو يفرد ذراعيه على كتفيهما في عناق أخوي:
ـــ كنت أنتظر اللحظة المناسبة لأبهركم أيها الأغبياء!
انفجروا جميعًا في ضحكة عالية مليئة بالمرح.
ثم قال أليكس بصوت هادئ لكنه مشحون بالحماس:
ـــ يا رفاق، اسمعوا... افتتح نادٍ جديد في الحي القديم. ما رأيكم نزوره الليلة؟
قفز سام حماسًا:
ـــ فكرة رائعة! بالطبع سنأتي!
التفتا نحو لوكاس، ناظرين إليه متسائلين.
ابتسم بمكر ورفع حاجبه:
ـــ تسألان؟ أنتما تعرفانني.
ثم أضاف بشقاوة واضحة:
ـــ لكن أخبرني يا أليكس... هل سيكون هناك فتيات جميلات؟
ضحك أليكس وهو يهز رأسه:
ـــ أنت لا تتغير أبدًا!
رد لوكاس بثقة مضحكة.
ـــ لماذا أتغير؟ أنا مثالي كما أنا.
قال سام بسخرية
ـــ حسنًا أيها المثالي،المكان مليء بالناس... وأجل، ربما بعض الفتيات الجميلات أيضًا.
صفق لوكاس بيديه بحماس:
ـــ ممتاز! إذًا أنا قادم بالتأكيد.
ثم أضاف وهو يشير بإصبعه:
ـــ لكن إذا كان المكان مملًا، أو إذا كذبت عليّ بخصوص الفتيات، ستدفع أنت الحساب كله!
انفجروا في الضـحك مرة أخرى، وهم يسـيرون معًا نحـو الخارج، أكتافهم متشـابكة، وأصواتهم تملأ الممر بالمرح والصـداقة والمـزاح الذي لا ينتهي.
✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧
في تلك الأثناء في المستشفى.
ها هي تجلس على حافة المقعد الخشبي بعد ثلاث ساعات من الانتظار.
الغرفة صامتة، لا يكسرها سوى أزيز النيون الخافت الذي يلقي بظلال شاحبة على الجدران البيضاء. رائحة المعقمات القاسية تملأ المكان، مختلطة بعرق بارد يبلل جبينها.
كـانت تشعر بأن أعصـابها على وشـك الانهيار. قدماها فقدتا الإحسـاس من طول الجـلوس.
أصابعها متشابكة بإحكام في حضنها، تنغرس في لحم كفيها. قلبها يخفق بعنف، وأنفاسها ثقيلة. كل شيء فيـها مشـدود، متـوتر.
تنتظر الكلمات التي ستحدد مصـيرها.أمامها على الشاشة المضيئة، تلك الأشعة. بقعة رمادية وبيضاء تطفو كشبح غامض. كلما نظـرت إليها، شعرت بقبضة باردة تنقبـض حـول قلبـها.
عيناها الفيروزيتان اللتان طالما كانتا ساحرتين، تحملان الآن رعبًا خالصًا. نظراتها الحائرة تتجول بين ظلال الصورة الرمادية، تحـاول أن تقرأ ما خلف تلك الخيوط المتـشابكة.
لكنها لا ترى سوى لغزًا مصورًا.
لغزًا قد يحمل بين طياته خبرًا يقلب حياتها رأسًا على عقب.
والطبيب...كان صامتًا
رجل في الثلاثينيات، وسـيم ببشرة برونزية جذابة. عيناه الخضراوان تتنقلان بين تفاصيل الأشعة، حاجباه مقطـبان في تفكـير عميق.
لكن وجهه... لا يفصـح بشيء.
لا تأكيد، ولا نفي.
ثم التفت إليها.
وفي تلك اللحظة، رأت شيئًا غريبًا في عينيه.
ليس مجرد تركيز طبي، بل شيء آخر... أعمق.
كأنه يعرفها. لكن كيف؟
كان ينظر إليها بطريقة جعلتها تشعر بالارتباك—نظرة تحمل شفقة عميقة، وشيئًـا لم تسـتطع تفسـيره. كأن هناك قصـة بينهما لا تعرفها.
لم تعد تحتمل الانتظار.
انحنت إلى الأمام، وهمست بصوت رقيق هش:
ــــ ما الأمر أيها الطبيب؟ هل كل شيء... على ما يرام؟
سؤال بسيط، لكنه يحمل كل رغباتها في الحياة، كل مخاوفها من المجهول.
التفت إليها.
نظراته تلك... لن تنسـاها ما حيِيت.
عيناه العميقتان كانتا تشعـان بمزيـج من الشفقة والألم. كان ينظر إليـها كمن يحمل سرًا ثقيلًا على كتفيه، سرًا يؤلمه أن يبوح به.
توقف قلبها.
أنفاسها المتقطعة علقت في حلقها.
إنها تنتظر الكلمات التي ستحدد مصيرها.
أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يحمل العالم على كتفيه.
ثم قال بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقل الجبال:
ـــ آنسة إيفلين...
توقف للحظة، كأنه يتردد.
ثم تابع، وصوته يخنقه شيء عميق:
ـــ يؤسفني... يؤسفني حقًا أن أخبرك.
صمت قصير. ثقيل كالرصاص.
ـــ أنتِ مصابة بورم أرومي دبقي.
الكلمات سقطت كحجارة في بركة ساكنة.
ورم.، أرومي،دبقي.
لم تفهم المعنى تمامًا، لكن نبرته أخبرتها بكل شيء.
نظر إليها، وفي عينيه شفقة عميقة جعلتها ترتجف.
ثم قال بهدوء مخيف:
ـــ للأسف... الورم في مرحلة متقدمة.
توقف، ثم أضاف بصعوبة:
ـــ قد لا يتبقى لكِ... أكثر من بضعة أشهر.
سقطت كلمات الطبيب عليها كصاعقة.
"ورم أرومي دبقي في الدماغ."
كانت الكلمات تسقط كقطرات المطر الأولى، ثم تحولت إلى سيول جارفة. جرفت معها كل ألوان الحياة، تاركة وراءها عالمًا أصبح بالأبيض والأسود
الغرفة بـدأت تدور، ونظرتها تاهـت في الفراغ. تشبثت يداها بمقعد الكرسـي حتى ابيضـت
مفاصلها. شعرت فجأة وكأن كل شيء قد توقف.
تجمد الهواء في رئتبيها، وتوقـف الزمن عند تلك
الكلمة القاتلة لم تعد تسمع سوى دقات قلبها
المتسارعة، ولم تعد ترى سوى تلك الكلمات
ترقص أمام عينيها.
راقبها الطبيب بصمت، وتدفقت فيه موجة من الشفقة لم يستطع كبحها.
لم تطلق صرخة، ولم تذرف دمعة. تجمدت في مكانها كتمثال، وهذا ما صدمه أكثر من أي رد فعل متوقع.
ارتفع من كرسيه بهدوء، وخلع نظارته الطبية. تقدم خطوتين نحوها، ووقف على مسافة محترمة، يداه متشابكتان أمامه بمهنية.
لكن عينيه الخضراوين لم تفارقا وجهها الشاحب.
ـــ آنسة إيفلين...
نطق اسمها بوضوح، صوته منخفض وحازم.
ـــ أتفهم تمامًا صعوبة الموقف، لكنني أرجوك أن تحاولي تهدئة نفسك.
انحنى قليلًا ليواجه عينيها مباشرة، لكنها ظلت منكسرة الرأس.
ــــ حاولي أن تتنفسي معي... شهيق... ثم زفير.
لم يأته أي رد. كانت غارقة في صمتها الأليم.
ــــ ما سمعتيه للتو... هو بداية الطريق، وليس نهايته.
أطلق كلماته بعناية، محاولًا إخراجها من دوامة الصدمة.
عندما لم ترد عليه، امتلأت عيناه بشفقة عميقة.
حرك يده بإيماءة هادئة:
ـــ هناك بروتوكولات علاجية محددة لمثل هذه الحالات، وسنناقشها معًا بالتفصيل عندما تكونين مستعدة.
وأخيرًا... رفعت عينيها الفيروزيتين نحوه.
تنهد بعمق، وكأنه يطلق زفيرة كانت محبوسة بين ضلوعه.
لقد استجابت لندائه.
عيناها ترتفعان إليه، تلمعان من خلف حجاب من الدموع المكبوتة. حدق بهما، يراقب كيف تتشكل الدموع ثم تتراجع، كيف تحاول عيناها التمسك بكرامتها رغم الألم.
رأى فيها قوة لم يكن يتوقعها.
أما هي، فكانت تحدق به بنظرة حائرة، كمن يبحث عن بصيص أمل، أو كلمة واحدة تخبرها أن هذا كله مجرد خطأ. لكن كل ما وجدته كان الشفقة.
الشفقة التي تخبرها بكل شيء—أن ما سمعته هو الحقيقة المرة، وأن لا مجال للإنكار.
همست بكلمات بالكاد تخرج من بين شفتيها المرتعشتين:
ـــ هل يمكنك أن تخبرني أكثر عن هذا الورم؟
تردد لثوانٍ معدودات، لكن مهنيته أجبرته على الصدق.
عاد إلى مقعده، وأمسك القلم. أشار إلى بقعة داكنة في زاوية صورة الدماغ.
ــــ إنه ورم الأرومة الدبقية...
انطلق صوته الهادئ،
ــــ نوع من الأورام ينشأ في الخلايا الداعمة للدماغ.
توقف برهة، ثم واصل بصراحة مؤلمة:
ــــ وهو خطير جدًا. لقد انتشر مؤخرًا بشكل ملحوظ، وهذا ما يسبب الأعراض التي تشكين منها: الصداع، فقدان التوازن، النوبات، التقيؤ.
انفتح فمها كأنها تريد الكلام، لكن صوتها اختنق في حنجرتها. هزت رأسها ببطء، كأنها تحاول تفتيت الكلمات الثقيلة في ذهنها.
لم يتحمل نظرتها الضائعة.
ـــ لكل حالة علاج مختلف...
قال محاولًا التخفيف
ــــ وسنبدأ العلاج فورًا: جراحة، ثم أشعة وكيماوي. الطب توسع الآن، هناك أمل.
كادت الدموع تخونها، لكنها كبحتها بقسوة. شعرت ببرودة تتسلل في أوصالها.
ثم همست بصوت يتهدج:
ـــ ولكنك أخبرتني أن لن أبقى إلا بضعة أشهر... أخبرني بالحقيقة رجاءً أيها الطبيب.
تنهد وهو يراقب آثار الألم في عينيها:
ــــ إن أُخضعتِ للجراحة، ستعيشين سنة أو أكثر. بدونها، لن يبقى لك إلا ثلاثة أو أربعة أشهر.
ثم أضاف بسرعة حين رأى الحزن العميق في عينيها المتسعتين:
ـــ ولكن…
قاطعته بهمس مكسور:
ــــ شكرًا لك... لا حاجة لأن تعطيني أملًا مزيفًا.
أخرجت من حقيبتها علبة دواء، ومدتها إليه بتردد:
ـــ كنت أتناول هذا... حبة واحدة كل يوم عندما أشعر بالصداع.
أمسك العلبة بين أصابعه، ونظر إلى الملصق.
اتسعت عيناه قليلًا.
رفع نظره إليها بحدة:
ـــ منذ متى وأنتِ تتناولين هذا؟
ترددت:
ــــ منذ... سبعة أشهر تقريبًا. اشتريته من الصيدلية بدون وصفة.
صمت للحظة، ثم قال بصوت حازم لم تعهده من قبل:
ــــ لا تأخذي مثل هذه الأدوية مرة أخرى! هذا مسكن قوي جدًا، وفي حالتك يمكن أن يتفاعل مع الورم ويسبب مضاعفات خطيرة... نزيف دماغي، زيادة الضغط داخل الجمجمة.
شحب وجهها:
ـــ لم... لم أكن أعلم.
ألقى بالعلبة في سلة المهملات بحركة حاسمة:
ــــ من حسن حظك أنك أخبرتني. لا تأخذي أي دواء دون استشارتي أولاً، أتفقنا؟
أومأت برأسها ببطء.
استمعت إلى كلماته بهدوء غريب، كأنها قد استسلمت أخيرًا لواقعها المر.
ثم همست بخفة، وكأنها تذكرت أمرًا غائبًا:
ـــ وكم نسبة نجاح هذه الجراحة؟
صمت طويلًا.
طويلًا جدًا.
حتى أنها أدركت أن الإجابة نفسها هي الجُرم.
لم تنتظر أكثر.
أمسكت بحقيبـتها في هدوء يشبه الاستـسلام، وشكرت الطبيب بنبرة ميتة.سـارت نحو الباب
بخطوات هادئة، ظاهرها الهدوء والاتزان، لكن أعماقها كانت تعصف بها عاصفة صامتة.
كانت تحس أن روحها تتكسر قطعة قطعة.
وعند الباب، انهمرت همستها من أعماق جراحها:
ــــ صدقت تلك المقولة حين قالت: الألم الذي يبدأ من العائلة لا ينتهي أبدًا.
توقفت برهة، ثم أضافت بنبرة فيها مرارة الأقدار:
ـــ وكأنها لعنة أبدية.
كانت تحمل في هذه الجملة القصيرة كل تاريخ من الآلام المتوارثة، كل جروح الطفولة التي لم تندمل. تحتها بركان من الدموع لن يُسـكب أبدًا.
...................
ما إن فتحت الباب حتى هرولت إلى الخارج.
كانت بالكاد تمسك بدموعها. كلمات الطبيب سقطت على روحها كحجارة ثقيلة، وشعرت للحظة أن مجيئها إلى العيادة كان خطأً.
ربما كان الجهل أرحم من هذا العلم المر.
لم تعد قادرة على كبـح مشاعـرها.تشكـلت طبقة من
الدموع في عينيها الفيروزيتين، ثم بدأت تتساقط وهي تسير في رواق المشفى الطويـل.خطواتها
كانت بطيئة، شاردة، متألمة.
لم تعد تسمع سوى همسات الذكريات الأليمة
عائلتها، الفقد، الألم القديم الذي لم يشفَ أبدًا.
وكأن الحياة لم ترحمها يومًا، فقررت أن توقعها بهذه الصدمة التي حطمت ما تبقى من روحها.
"أنا... على وشك الموت."
الكلمات ترن في أذنيها.
"لم يتبق من عمري سوى ثلاثة أشهر."
شعرت وكأن كل شيء بداخلها ينهار بصمت. قلبها اضطرب في صدرها، ونبضاته تتسارع.
"ورم أرومي دبقي... ورم... أرومي... دبقي..."
كررت الكلمات وكأنها تحاول استيعاب حجم الكارثة.
تسلل الحزن إلى أعماقها كظلام كثيف.
هذه هي الحقيقة—إنها مريضة بسرطان خطير سينهي حياتها.
انهمرت دموعها دون إرادة منها.
كففت دموعها بيديها، وهمست بأسى وحزن:
ــــ اللهم ألهمني الصبر... يا رب، أنا تعبت كثيرًا.
واصلت طريقها نحو الخارج بخطوات شاردة، غافلة عن قدرها المجهول الذي كان يتقدم منها بخطى ثابتة.
وكأن القدر والصدفة اتحدا على جمعهما.
حيث تعثرت قدماها وكادت تهوي أرضًا، لولا أن شعرت بيدين قويتين تحيطان بخصرها بقوة. شهقت بصوت مكتوم متزامنًا مع اصطدامها بصدره العريض، الصلب كقبضته تماماً...
ــــ هل أنتِ بخير؟
صوت عميق، هادئ.
رفعت وجهها ببطء...
واتسعت عيناها بذهول.
...............
قبل ذلك بقليل...
عند باب المشفى، دخل إلى الداخل بهدوء واثق وثقة... وهو يضع كلتا يديه في معطفه الأبيض ويسير في الرواق بغرور وهـالة من الهيبة تحيط به. جذبـت له الأنظـار.
لم تمضِ ثوانٍ قليلة حتى تعالت همسات الممرضات التي وصلت إلى مسامعه:
ــــ يا إلهي، من هذا؟
ــــ يبدو أنه طبيب جديد... لم أره من قبل.
ــــ انظرن إلى عينيه الرماديتين!
ــــ وسيم بشكل لا يُصدق!
ظلت الهمسات تتناقل بين الحاضرات، وهنّ يحدقن به يحدقن به بهيام وإعجاب، ويتساءلن عن هوية هذا الطبيب الغامض. تخرج منهنّ تنهيدات متحسرة، فلا الوقت ولا المكان مناسبان للتعرف عليه!
أما هو، فتجـاهل نظراتـهنّ ببرود تام، وكأنه لا يسمع ما يُقال عنه. بل كأنه لا يراهـنّ أساسًا، فكل تركيزه كان منصبًا على ذلك الهدف الذي جاء اليوم من أجله!
جذب انتباهه صوت ممرضة تنادي من خلفه بسرعة:
ــــ عفوًا! مطلوب فريق طبي في غرفة الطوارئ فورًا!
للحظة خاطفة، انزلقت ابتسامة ماكرة على وجهه أبتسامة لم ترها.تحددت ملامحه بقتامة غريبة.
ثم استدار نحوها ببطء، وعلى شفتيه ابتسامة
مهذبة تخفي شيئًا آخر تمامًا.
أومأ برأسه دون أن ينطق بكلمة واحدة.
حدقت به الممرضة بإعجاب ممزوج بارتباك من برودته الغامضة، لكنه كان قد انصرف بالفعل.
شق طريقه إلى الداخل، حيث تقع غرفة الطوارئ.
وفجأة...
اصطدم بجسد رشيق كاد أن يهوي أرضًا.
بحركة لا إرادية، التفت ذراعاه حول خصرها النحيل مانعًا سقوطها.
ـــ هل أنتِ بخير؟
قالها بصوته العميق البارد وهو يرفع عينيه ليراها.
التقت نظراته بعينيها في اللحظة ذاتها التي رفعت فيها وجهها نحوه.
فتاة يافعة تُحيط بها هالة من البراءة والرقة.
عيناها واسعتان، عميقتان كبحر هادئ، لكن يشوبهما ألم خافت.
لمعة دمع في أعماقهما جعلته—للحظة عابرة—يتساءل: "لِمَ تبدو عيناها حزينتين هكذا؟"
لكن قسوة قلبه القاسي كانت كافية لإخماد ذلك الشعور النادر.
تطلع إليها بعينين باردتين، بينما لاحظ كيف تتسع عيناها وهي ترمقه بذهول واضح.
التمع في عينيه بريق عابث، وارتسم المكر على شفتيه.
أما هي، فلم تتمكن من إبعاد عينيها المتسعتين عنه.
ربما كان ذلك بسبب ملامحه الحادة:
وجهه شاحب، فكه منحوت بدقة، وشعره الأسود الكثيف ينساب بتمرد على جبهته.
قوامه قوي، تبرز عضلاته من تحت قميصه الأسود، كأنه منحوت بإتقان.
شعرت برعشة خفيفة تسري في جسدها، بسبب عينيه الرماديتين اللتين تحملان حدة تتفحصها بتقييم صامت.
انتقلت نظراتها بين يديه القويتين اللتين ما تزالان تحيطان بخصرها، ووجهه الذي يُشع جاذبية باردة، مما دفعها للتساؤل بفضول:
ــــ من يكون هذا...؟
لكن قبل أن تُكمل، رفع حاجبيه بطريقة استفزازية، وقال ببرود قاتل وكأنه يقرأ أفكارها:
ـــ أعرف أنني وسيم... لكنني مشغول الآن.
أنهى جملته بابتسامة متعالية، فتوهجت وجنتاها احمرارًا بين الخجل والغضب تحت نظراته الثاقبة.
ثم أشاح بوجهه عنها، وسرعان ما تبدلت ملامحه من العبث إلى شيء... أكثر قتامة.
شيء شيطاني، مظلم.
عيناه الرماديتان التمعتا بوميض مُريب.
حين وقع بصره على باب غرفة الطوارئ، لم يمهلها وقتًا للرد، وتركها متجهًا نحو هدفه بخطوات واثقة.
حملقت في ظهره المبتعد بعينين امتلأتا حنقًا من وقاحته.
ثم استدارت لتغادر، وهي تغمغم بسخط مكتوم:
ــــ رجل وقح... فظ وعديم الذوق! اللعنة عليه وعلى غروره البغيض.
غادر كل منهما في اتجاه مختلف.
غافلين عما كان ينتظرهما.
غافلين أن اللقاء الأول... لم يكن الأخير.
******************
يتبع........