الجزء الأخير : حين يصمت الضوء
كان كل شيء ساكنًا .
الريح توقفت ، البحر خفت صوته ، و السماء بدت كأنها تمسك أنفاسها في انتظار شيءٍ عظيم .
وقف " يوسف " في منتصف الجسر الذي يفصل بين العالمين ، النور من جهة ، و الظلال من جهةٍ أخرى .
كان الجسر مصنوعًا من الضوء ، لكنه بدأ يتلاشى ببطء ، و كأن الزمن نفسه ينفد .
سمع صوتًا يأتي من الضباب أمامه ، هادئًا وعميقًا :
" لقد وصلت ، يا ابن الذاكرة ."
تقدّم بخطوةٍ خفيفة ، فظهرت أمامه امرأة من نور ، وجهها يشبه القمر حين يبتسم للمرة الأخيرة قبل الفجر .
لم تكن بشرًا ، و لا ظلًا ، بل شيئًا بين الاثنين .. نقاءٌ يمشي .
قالت له :
" كنت تبحث عن الأصل .. عن من أنت ... "
أخفض رأسه ، و صوته يختنق بين الرجفة و الدموع :
" نعم .. كل هذا الوقت ، كنت أظن أني ضائع ."
اقتربت منه بخطوة ، و لم تلمسه ، لكنها حين نظرت في عينيه ، رأى فيها الطفولة ، الفقد ، و السماء التي حلم بها ذات ليلةٍ من المطر .
" لم تكن ضائعًا ، يا " يوسف " . كنت طريقًا . وُجدتَ لتكون صدى النور في عالمٍ نسي معناه . "
سألها بصوتٍ مبحوح :
" ومن أنتِ ؟ "
ابتسمت ، و الضوء حولها بدأ يذوب في الهواء كندى الفجر :
" أنا الذاكرة الأولى .. أنا من خلقت الظلال لتذكّركم أن النور بلا ظلمةٍ لا يُرى .
حين قالت ذلك ، شعر " يوسف " أن جسده صار شفافًا ، و أن قلبه صار ضوءًا صافياً يمتد نحو السماء .
لم يعد هناك فصلٌ بين النور و الظلال ، و لا بين الحياة و الحلم .
كلّ ما تبقّى هو السلام .
" اذهب ، يا ابن الضوء … لقد تمّ التوازن ."
ابتسم " يوسف " للمرة الأخيرة ، و نظر إلى الأرض التي تركها ، إلى الغابة التي بدأت تنبض بالحياة من جديد ،
ثم همس بصوتٍ يكاد لا يُسمع :
" أنا لم أعد وحيدًا ."
و اختفى …
كشعاعٍ يعود إلى فجره .
و هكذا تنتهي قصة ليان ، اليتيم الذي وُلد بين النور و الظلال ، ليذكّرنا أن كلّ وحدةٍ فينا قد تكون بدايةً لنورٍ جديد .