الجزء الثامن : صمت الأبد
لم يكن في السماء قمرٌ تلك الليلة ، فقط نورٌ بعيد يشبه أنينًا قديماً .
وقف " يوسف " على قمة التلّ ، يراقب العالمين ، عالم الضوء الذي بدأ يخبو ، و عالم الظلال الذي يزحف بصمتٍ نحو كلّ شيء .
كان يعرف أن عليه الاختيار ، لكن بين من ؟ بين من أنقذه ، أم من ينتظره في الضفة الأخرى ؟
سمع همسًا يأتي من الريح ، كأنه صوت الأم التي فقدها منذ زمن :
" يوسف " لا تُطفئ ما أُوقد فيك . "
ارتجف قلبه ، كأن الماضي عاد بملامحه البعيدة .
رأى صورته صغيرًا ، وحيدًا في كوخٍ مظلم ، ينتظر يدًا لا تأتي ، و صوتًا لا يُجيب .
كل شيءٍ فيه صرخ : لماذا أنا ؟ لماذا تُركتُ وحيدًا ؟
لكن صوته الداخلي ، ذاك الذي كان ظله يومًا ، قال له بهدوءٍ عميق :
" لأن من ذاق الوحدة ، هو وحده من يعرف معنى النور حين يولد . "
جلس على الأرض ، وبدأ يرسم بيده رموزًا من ضوء ، كأنها مفاتيح لعالمٍ آخر .
كانت تتشكل في الهواء دوائر صغيرة ، تدور حوله ثم تختفي ، لتترك وراءها أثرًا من السكون الجميل .
و في تلك اللحظة ، أدرك " يوسف " أن مهمّته لم تكن إنقاذ العالم فقط ..
بل إنقاذ نفسه أيضًا .
" كل روحٍ يتيمة ، هي بابٌ نحو النور . "
رفع رأسه نحو السماء ، و أغمض عينيه .
لم يعد هناك خوف ، ولا فقد ، و لا سؤال .
فقد صار هو الجواب .
و مع أول نسمةٍ مرت على وجهه ، عاد الضوء ينساب إلى الأرض ، بهدوءٍ يشبه السلام .
ابتسم " يوسف " ، و عرف أن النهاية ليست سوى بدايةٍ أخرى .. في عالمٍ لا يُرى إلا بالروح .