الجزء الخامس : نصفه الآخر
كان الليل في عالم " بين العالمين " يشبه الصمت أكثر مما يشبه الظلام ، كلّ شيءٍ ساكنٌ حتى الأفكار .
جلس " يوسف " قرب دائرةٍ من الضوء ، يفكّر في كلمات الفتاة الفضية :
“ نحن نُخلق مزدوجين .. ”
كان قلبه ينبض بخوفٍ غريب ، كأن شيئًا بداخله يقترب من الانفجار .
فجأة ، ارتجفت الأرض تحته ، و ارتفع من بين الأنوار جسدٌ آخر يشبهه تمامًا ، نفس الوجه ، نفس العينين ، لكن بلونٍ داكنٍ كالليل .
نظر إليه " يوسف " بذهول ، فقال الآخر بصوتٍ خفيف لكنه مألوف :
“ و أخيرًا التقينا . ”
تراجع خطوة إلى الوراء ، و همس :
“ من أنت ؟ ”
ابتسم الآخر ببرودٍ وقال :
“ أنا أنت . الجزء الذي خبأوه عنك حين وُلدت . النصف الذي تركوه في الظلال . ”
وقف " يوسف " مذهولاً ، بينما كانت الرياح تدور حولهما ، تضرب وجهيهما كأنها تحاول أن تفرّق بينهما .
“ كاذب ! أنا من النور ، أنا ابن أمي . ”
ضحك الآخر ، ضحكةً مؤلمة ، وقال :
“ و أمّك من أين جاءت ؟ من النور فقط ؟ لا يا " يوسف " كلّ نور يولد من ظلّ ، و كلّ حياةٍ تخرج من موتٍ سابق . ”
ثم اقترب منه ببطء ، حتى كاد يلمسه ، وقال بصوتٍ كأنه صدى أعماقه :
“ لقد عاش العالم على أنصافٍ ناقصة ، حتى وُلدت أنت لتعيد التوازن .. لكن إن أردت أن تعرف الحقيقة ، يجب أن تقبلني . ”
" أقبلك ؟ "
“ نعم ، تقبل ظلك ، و إلا ستحترق بنورك وحدك . ”
سكت " يوسف " للحظة ، ثم نظر في عينيه ، فوجد فيهما كل الألم الذي حاول نسيانه ، كل الخوف ، كل الوحدة .
مدّ يده ببطء ، و لمّا لمس جسده الآخر ، انطفأ النور من حولهما للحظة ، ثم اشتعلت السماء كلها بلونٍ ذهبيٍّ غريب .
سقط " يوسف " على الأرض ، و صوتٌ جديد يملأ المكان :
“ الاتحاد بدأ .. العالم سيختار من جديد . ”
ثم غرق كل شيء في بياضٍ لا يُرى ، و كأن الكون يُعيد خلق نفسه .