بين النور و الظلال - الجزء الرابع : العالم وراء اللهب - بقلم نسرين - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بين النور و الظلال
المؤلف / الكاتب: نسرين
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الجزء الرابع : العالم وراء اللهب

الجزء الرابع : العالم وراء اللهب

حين خطا " يوسف " داخل اللهب ، لم يشعر بحرارةٍ أو ألم ، بل أحسّ كأن شيئًا يوقظه من حلمٍ طويل . فتح عينيه .. فلم يجد الغابة ، و لا الظلال ، و لا الأرض التي يعرفها . كان يقف على أرضٍ من نورٍ صافٍ ، تمتد إلى ما لا نهاية ، تتناثر فيها جزر صغيرة من الظلام كأنها بقع حبر على صفحةٍ بيضاء . الهواء كان مختلفًا .. لا يُستنشَق ، بل يُسمَع ، يحمل أنغامًا تشبه أصوات من رحلوا . تقدّم بخطواتٍ بطيئة ، و كلّ خطوة كانت تُضيء تحت قدميه كأن الأرض تعرف اسمه . سمع صوتًا جديدًا ، ناعمًا كنسمة ، يقول له : “ مرحبًا بك في بين العالمين ، هنا تبدأ الذاكرة و تنتهي الحقيقة . ” التفت " يوسف " ، فرأى فتاةً تقف على مسافةٍ قصيرة ، شعرها فضيّ وعيناها زرقاوان تلمعان كقطرتي نجم . سألها بصوتٍ مرتجف : “ أين أنا ؟ ” ابتسمت و قالت : “ في عالم النصف . لا حيّ ولا ميت ، لا نور و لا ظلال . من يعبر اللهب يُمحى اسمه من الأرض و يُكتب في السماء . ” سكتت للحظة ، ثم تابعت بصوتٍ حزين : “ كنتُ مثلك ، يا " يوسف " .. باحثة عن الحقيقة . لكن كلّ من عرفها اختفى . ” تقدّم منها وسألها : “ هل تعرفين أمي ؟ قالت لي إنني خُلقت بين النور و الظلال . ” نظرت إليه بعينين تلمعان بالأسى ، وقالت : “ أمّك كانت آخر من حمل نور الحياة ، و أنا كنت ظلّها .” تجمّد في مكانه . “ ظلّها ؟ ” اقتربت منه وقالت : “ نعم ، نحن نُخلق مزدوجين في هذا العالم ، جسدٌ من النور ، و جسدٌ من الظلال . حين ماتت أمّك ، اختفى نورها ، لكن ظلّها بقي .. داخلك . ” صمت " يوسف " ، بينما بدأ الضوء من حولهما يتبدّل إلى لونٍ أزرقٍ عميق ، و الريح تهمس من جديد بكلماته القديمة : " من يملك الضوء ، يملك الذاكرة … " عندها فقط ، أدرك " يوسف " أنّ رحلته لم تكن بحثًا عن والديه ، بل عن نصفه الآخر الذي لم يولد بعد .