الجزء الرابع : العالم وراء اللهب
حين خطا " يوسف " داخل اللهب ، لم يشعر بحرارةٍ أو ألم ، بل أحسّ كأن شيئًا يوقظه من حلمٍ طويل .
فتح عينيه .. فلم يجد الغابة ، و لا الظلال ، و لا الأرض التي يعرفها .
كان يقف على أرضٍ من نورٍ صافٍ ، تمتد إلى ما لا نهاية ، تتناثر فيها جزر صغيرة من الظلام كأنها بقع حبر على صفحةٍ بيضاء .
الهواء كان مختلفًا .. لا يُستنشَق ، بل يُسمَع ، يحمل أنغامًا تشبه أصوات من رحلوا .
تقدّم بخطواتٍ بطيئة ، و كلّ خطوة كانت تُضيء تحت قدميه كأن الأرض تعرف اسمه .
سمع صوتًا جديدًا ، ناعمًا كنسمة ، يقول له :
“ مرحبًا بك في بين العالمين ، هنا تبدأ الذاكرة و تنتهي الحقيقة . ”
التفت " يوسف " ، فرأى فتاةً تقف على مسافةٍ قصيرة ، شعرها فضيّ وعيناها زرقاوان تلمعان كقطرتي نجم .
سألها بصوتٍ مرتجف :
“ أين أنا ؟ ”
ابتسمت و قالت :
“ في عالم النصف . لا حيّ ولا ميت ، لا نور و لا ظلال . من يعبر اللهب يُمحى اسمه من الأرض و يُكتب في السماء . ”
سكتت للحظة ، ثم تابعت بصوتٍ حزين :
“ كنتُ مثلك ، يا " يوسف " .. باحثة عن الحقيقة . لكن كلّ من عرفها اختفى . ”
تقدّم منها وسألها :
“ هل تعرفين أمي ؟ قالت لي إنني خُلقت بين النور و الظلال . ”
نظرت إليه بعينين تلمعان بالأسى ، وقالت :
“ أمّك كانت آخر من حمل نور الحياة ، و أنا كنت ظلّها .”
تجمّد في مكانه .
“ ظلّها ؟ ”
اقتربت منه وقالت :
“ نعم ، نحن نُخلق مزدوجين في هذا العالم ، جسدٌ من النور ، و جسدٌ من الظلال . حين ماتت أمّك ، اختفى نورها ، لكن ظلّها بقي .. داخلك . ”
صمت " يوسف " ، بينما بدأ الضوء من حولهما يتبدّل إلى لونٍ أزرقٍ عميق ، و الريح تهمس من جديد بكلماته القديمة :
" من يملك الضوء ، يملك الذاكرة … "
عندها فقط ، أدرك " يوسف " أنّ رحلته لم تكن بحثًا عن والديه ، بل عن نصفه الآخر الذي لم يولد بعد .