الجزء الثالث : الطريق إلى الذاكرة
منذ تلك الليلة ، لم يعد " يوسف " ينام . كان يسمع صوت أمه في أحلامه ، لكن حين يفتح عينيه ، لا يرى سوى العدم . الغابة صارت غريبة عليه ، كأنها تعرف أنّه لم يعد واحداً منها .
كان يحمل قطعة الزجاج التي وجدها قرب سريره ، و قد صار بداخلها الآن ضوءٌ دافئ يشبه نبض قلبه . كلّما ضمّها إلى صدره ، يسمع همسًا يقول له :
“ اتبع الضوء ، و لا تلتفت للظلال . ”
بدأ رحلته مع بزوغ فجرٍ رماديّ ، لا شمس فيه ولا ليل . سار بين الأشجار التي كانت تتفتح من حوله رغم أن الفصول لا تتبدّل هناك . و مع كل خطوة ، كان يرى صورًا عابرة أمامه ' رجلٌ يحمل طفلًا ، امرأةٌ تغنّي ، بيتٌ من نور ... ' لكنها تتلاشى حين يحاول لمسها ، كأنها ذكريات ليست له .
و في منتصف الطريق ، سمع صوتًا آخر غير مألوف ، صوتًا يحمل صدى الحديد و النار :
“ أنت تبحث عن نفسك ، لكنك لا تعلم أنّك آخر من بقي من النور . ”
التفت " يوسف " فرأى رجلاً غريبًا يقف في الظلّ ، يرتدي عباءةً سوداء طويلة ، و وجهه نصفه محروق ، ونصفه الآخر يشعّ بنورٍ أبيض .
قال " يوسف " بخوف :
“ من أنت ؟ ”
أجابه الرجل بصوتٍ عميقٍ كأنما يأتي من الأرض :
“ أنا الحارس بين العالمين . جئت لأختبر قلبك ، لأرى أيّ جانبٍ سيختار ، النور أم الظلال ؟ ”
ثم مدّ يده نحوه ، فاشتعلت الأرض بينهما بخطٍّ من لهبٍ أزرق ، يفصل بينهما كحدٍّ لا يُرى .
شعر " يوسف " أن قلبه ينقسم ، نصفه يريد العبور ، و النصف الآخر يريد البقاء .
لكن قبل أن يقرر ، سمع صوت أمه من بعيد ، ضعيفًا لكنه واضح :
“ ابني .. تذكّر ، ليس كل من في النور طاهر.، و لا كل من في الظلّ شرير . ”
تردّد ، ثم أغمض عينيه ، وخطى داخل اللهب .