الجزء الثاني : ذاكرة الظل
كانت خطواته تتباطأ كلما ازداد الهمس قربًا من قلبه . الغابة بدت و كأنها تتنفس من حوله ، تتنهد مع كل حركةٍ منه ، حتى أغصانها صارت تهمس بأصواتٍ تشبه صوته حين كان صغيرًا .
اقترب من بحيرةٍ صغيرةٍ ساكنة ، سطحها كمرآةٍ من ليلٍ صافٍ ، لكن حين انحنى فوقها ، لم يرَ وجهه .. بل رأى طفلاً آخر ، يشبهه تمامًا ، إلا أن عينيه كانتا من نور .
قال الطفل المنعكس بصوتٍ يشبه الهمس :
" أنت لست وحدك .. أنا ما تبقّى منك . "
تراجع اليتيم خطوة إلى الوراء ، لكنه لم يسقط ، بل أحسّ أن الأرض تمسك به لتمنعه من الهرب . كانت البحيرة ترتجف ، و الماء يصعد نحو السماء على شكل دوّامةٍ من الضوء ، لتتكوّن في وسطها صورة امرأةٍ بثوبٍ أبيض ، شعرها طويلٌ كخيوط الفجر ، وعيناها تحملان حزناً لا يشبه حزن البشر .
" أماه ؟ "
همس الكلمة ، و كأنها كانت محبوسة في صدره منذ ولادته .
ابتسمت المرأة ، لكن ابتسامتها كانت باهتة :
" ابني .. أنت لست من هذا العالم . لقد وُلدت بين النور و الظلال ، و جُعل قلبك ميزانًا بينهما . "
لم يفهم ، لكنه شعر بشيءٍ يشتعل في صدره ، ضوءٌ صغير بدأ يسطع من جلده .
رفعت المرأة يدها نحوه و قالت :
" حين يأتي الليل الأخير ، ستعرف من كنت ، و من نحن ، و لماذا خُلق العالم مرتين . "
ثم اختفت كما ظهرت ، تاركةً وراءها سكونًا غريبًا ، و قطرةً من دمعةٍ سقطت في البحيرة ، تحولت إلى دائرةٍ من ضوءٍ ذهبيّ ، ترسم في الماء اسماً واحداً ...
" يوسف . "
كان ذلك اسمه الذي لم يعرفه من قبل .