بين النور و الظلال - الجزء الثاني : ذاكرة الظل - بقلم نسرين - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بين النور و الظلال
المؤلف / الكاتب: نسرين
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الجزء الثاني : ذاكرة الظل

الجزء الثاني : ذاكرة الظل

كانت خطواته تتباطأ كلما ازداد الهمس قربًا من قلبه . الغابة بدت و كأنها تتنفس من حوله ، تتنهد مع كل حركةٍ منه ، حتى أغصانها صارت تهمس بأصواتٍ تشبه صوته حين كان صغيرًا . اقترب من بحيرةٍ صغيرةٍ ساكنة ، سطحها كمرآةٍ من ليلٍ صافٍ ، لكن حين انحنى فوقها ، لم يرَ وجهه .. بل رأى طفلاً آخر ، يشبهه تمامًا ، إلا أن عينيه كانتا من نور . قال الطفل المنعكس بصوتٍ يشبه الهمس : " أنت لست وحدك .. أنا ما تبقّى منك . " تراجع اليتيم خطوة إلى الوراء ، لكنه لم يسقط ، بل أحسّ أن الأرض تمسك به لتمنعه من الهرب . كانت البحيرة ترتجف ، و الماء يصعد نحو السماء على شكل دوّامةٍ من الضوء ، لتتكوّن في وسطها صورة امرأةٍ بثوبٍ أبيض ، شعرها طويلٌ كخيوط الفجر ، وعيناها تحملان حزناً لا يشبه حزن البشر . " أماه ؟ " همس الكلمة ، و كأنها كانت محبوسة في صدره منذ ولادته . ابتسمت المرأة ، لكن ابتسامتها كانت باهتة : " ابني .. أنت لست من هذا العالم . لقد وُلدت بين النور و الظلال ، و جُعل قلبك ميزانًا بينهما . " لم يفهم ، لكنه شعر بشيءٍ يشتعل في صدره ، ضوءٌ صغير بدأ يسطع من جلده . رفعت المرأة يدها نحوه و قالت : " حين يأتي الليل الأخير ، ستعرف من كنت ، و من نحن ، و لماذا خُلق العالم مرتين . " ثم اختفت كما ظهرت ، تاركةً وراءها سكونًا غريبًا ، و قطرةً من دمعةٍ سقطت في البحيرة ، تحولت إلى دائرةٍ من ضوءٍ ذهبيّ ، ترسم في الماء اسماً واحداً ... " يوسف . " كان ذلك اسمه الذي لم يعرفه من قبل .