الفصل الحادي والخمسون
الفصل الحادي والخمسون: همسات الخيانة قبل الجولة
سكنت الساحة بعد إعلان نهاية الجولة السابقة، وبدأت فترة الاستراحة القصيرة بين المعارك. الهواء كان مشبعًا برائحة الحديد والدم، وصدى تصفيق المساجين يتردد بين جدران المدينة الحديدية التي تحيط بساحة البطولة كقبرٍ ضخم.
جلس إيرين إلى جوار مارا في ركنٍ مظلمٍ من الاستراحة، أنفاسه ما زالت ثقيلة من القتال، بينما كانت تنظر إليه بقلق. قالت بصوتٍ خافت:
— "لقد كنتَ رائعًا، لم يكن سقوطك هزيمة، بل تحذيرًا لنا جميعًا من ما ينتظرنا في هذه البطولة."
ابتسم إيرين بخفةٍ رغم الألم وقال:
— "لن أنسى ما حدث، لكننا لن نسمح لهم بالفوز… بعد الجولة القادمة سنعيد التوازن."
وفي الجهة الأخرى من الساحة، بعيدًا عن الأنظار، كان دازين يسير بخطواتٍ حذرة بين الممرات الحجرية المؤدية إلى غرفة القادة، حتى وصل أمام بابٍ معدني ضخم. فتحه ببطء، ليجد في الداخل فارس الحديد، جالسًا على عرشه المعدني، تحيط به سلاسل وأدوات تعذيب متوهجة.
رفع فارس الحديد نظره إليه بعينين باردتين، وصوته كأنه يخرج من داخل درعٍ أجوف:
— "لقد أديتَ ما طُلِب منك يا دازين… الآن حان وقت المرحلة الثانية."
اقترب دازين بخطواتٍ مترددة وقال:
— "ما الذي تريده بالضبط؟ لقد كنتَ واضحًا أن لا أتدخل كثيرًا، والآن تطلب مني أن أقاتل القائد الدامي؟"
نهض فارس الحديد ببطء، وكل حركة له تصدر طنينًا معدنيًا مرعبًا، ثم قال بلهجةٍ آمرةٍ خالية من الرحمة:
— "لن تفوز في الجولة القادمة… ستخسر عمدًا. أريد أن يدخل دون إلى الحلبة. أريد أن أرى ما يخفيه هذا الوحش."
حدّق دازين فيه ببرودٍ مصطنع، لكنه في داخله شعر بشيءٍ من الارتباك، فـدون ليس مجرد سجين… بل لغزٌ يتخطى حدود الفهم.
قال مترددًا:
— "أنت تريد أن أفتح الطريق له؟ أنت تعلم أنه قد لا يتوقف إن قاتل بجدّ."
اقترب فارس الحديد أكثر، وصوته يزداد قسوة:
— "هذا ما أريده بالضبط. أريد أن أرى قدراته الحقيقية أمام القائد الدامي. نحتاج أن نعرف إن كان يصلح ليكون… سلاح المنظمة القادم."
أخفض دازين رأسه وقال بصوتٍ خافت:
— "مفهوم… سأخسر كما أمرت."
لكن قبل أن يغادر، سمع صوتًا في الممر الخارجي.
كانت مارا وإيرين يقفان في الظلال، وقد سمعا كل كلمة.
تجمّدت ملامح مارا، وعيناها تتسعان من الصدمة، وهمست:
— "هل سمعتَ ذلك يا إيرين؟ دازين… إنه يتلقى أوامر من فارس الحديد نفسه!"
شدّ إيرين قبضته، والغضب يتصاعد في صدره كالنار:
— "الآن فهمت… منذ البداية كان بيننا خائن. لكنه لن يفلت هذه المرة."
نظرا إلى بعضهما، وكل منهما يدرك أن اللعبة في البطولة لم تعد مجرد نزالٍ من أجل الحرية… بل معركة خفية تُدار من خلف الستار، وأن الجولة القادمة ستكون بداية انكشاف الأسرار.
وفي تلك اللحظة، أدار دازين رأسه بخفة، وكأنه شعر بوجودهما… لكن الممر كان خاليًا.
ارتسمت ابتسامةٌ غامضة على وجهه، ثم تمتم بصوتٍ منخفض:
— "الظلال تراقب… جيد، فلتبدأ المسرحية."