الطابق الملعون:
في الظلام الكثيف للطابق الثاني، وقف فينسنت للحظة عند بداية الممر، يراقب كل حركة للظل حوله. الأرضية الخشبية المتهالكة تحت قدميه تصدر صريرًا مكتومًا مع كل خطوة، وكأن الطابق نفسه يصرخ بصمت. الرياح الباردة تسللّت من نوافذ مكسورة بعيدة، تحمل معها رائحة العفن والغبار، فتجعله يشد معطفه أكثر حول جسده.
خطا خطوة واحدة، ثم أخرى، كل حركة كانت تخترق السكون وكأنها تستفزه: أصوات خفية، همسات، أو مجرد صدى خطواته؟ لم يكن متأكدًا. جدران الطابق المظلم كانت مغطاة باللوحات القديمة، وجوه الناس على اللوحات تحدق فيه بلا رمش، وكأنها تراقبه منذ عقود. كل لوحة، كل إطار مكسور، كل شظية زجاجية على الأرض كانت تحمل وعدًا بالغموض.
تقدم نحو مكتب مهجور في منتصف الممر، الكتب الممزقة متناثرة على الأرض، والأوراق الصفراء تهتز ببطء مع الهواء. مد يده، لمسه الورق البارد جعله يقشعر. أصابع يده شعرت بالارتجاف، لكنه لم يبتعد. أخذ نسخة من مخطوطة قديمة، وحاول قراءة الكلمات المطموسة بالغبار. شيء ما، شعور غريب، كأن الحروف نفسها تتحرك أمام عينيه، ترسم له رسائل من الماضي لم يفهمها بعد.
عند حافة الغرفة، لاحظ نافذة مكسورة تسمح بضوء القمر بالدخول بشكل خافت، فينسنت اقترب، شعاع الضوء البارد يلمس وجهه، يبرز تفاصيل الظلال على الأرض والجدران. كل زاوية هنا كانت تحوي شيئًا غامضًا: قطعة أثاث مقلوبة، خزانة مهملة، باب نصف مفتوح يقود إلى ممر آخر أكثر ظلمة.
تقدم نحو الباب، كل خطوة تزيد من صدى صوته في الممر، يصاحبه صوت خشخشة خفيفة من خلفه، لكنه عندما التفت، لم يكن هناك شيء سوى الظلال. شعر أن الهواء أصبح أكثر ثقلًا، وكأن الطابق الملعون يريد أن يختبره، كل زاوية تختبئ وراءها أسرار، كل ضوء قصير يبرز ما لا يجب رؤيته.
دخل غرفة صغيرة أخرى، الجدران متشققة، الطلاء مقشور، الرطوبة متسللة من الأرضية إلى الجدران. الهواء هنا بارد وثقيل، وكل تنفس يبدو وكأنه يعيد له صدى الصوت نفسه مرارًا وتكرارًا. على الأرض كانت هناك شظايا زجاجية، فتقدم بحذر شديد، كل حركة محسوبة.
على الطاولة، وجد صندوق خشبي صغير مغلق. حمله، شعر بثقل غير متوقع. فتحه ببطء، ورأى داخله أوراقًا قديمة مغطاة برموز ورسومات غريبة. لم يكن قادرًا على تفسيرها، لكنها أثارت فضوله بشكل غريب. أغمض عينيه للحظة، شعر بقشعريرة تمر على جسده، ثم فتحها ليجد أن أحد الأوراق قد تحركت بمفردها، وكأن الهواء هنا يتنفس مع كل حركة من حوله.
بين الظلال، لاحظ شيئًا يتحرك بسرعة، مجرد خيال أم حقيقة؟ لم يتحرك ليهرب، بل وقف متجمدًا، عيناه تتعقبان كل تفصيل صغير. قطعة من ستارة قديمة ترفرف، فتشعره وكأن شيئًا يراقبه من زاوية الغرفة. الصوت القادم من الممر الخلفي يزداد حدة، كأنه خطوات ثقيلة غير منتظمة، لا يمكن تحديد مصدرها.
استمر في التقدم، كل خطوة تجعله يشعر بثقل الهواء أكثر، كل خطوة تزيد من توتر قلبه. عند نهاية الممر، اكتشف درجًا قديمًا يؤدي إلى الطابق الثالث، الحديد الصدئ على الدرابزين يلمع تحت ضوء القمر المتسلل. ارتفع قلبه، لكنه لم يتراجع. كل خطوة على الدرج كانت اختبارًا للصبر، للخوف، ولشجاعته، وكل صرير للدرج كان كأنه يهمس: “لا مكان للضعفاء هنا…”
وقف فينسنت في منتصف الدرج، استدار لينظر إلى الطابق الثاني مرة أخيرة. الظلال كانت كثيفة، الممرات الطويلة كأنها تمتد بلا نهاية، والأصوات المحيطة به تتردد بشكل مخيف. شعور بالرهبة امتزج بالفضول، شعور بالوحدة امتزج بالإصرار.
"الطابق الملعون… كل شيء هنا يحاول أن يختبرني… كل خطوة، كل ظل، كل همسة… كل شيء… وسأستمر… مهما كان الثمن…