الباب المظلم:
فينسنت وقف عند مدخل القصر، يحدق في البوابة الضخمة المصنوعة من الحديد الصدئ. كان الليل يلف كل شيء، والرياح الباردة تمر بين الأشجار اليابسة المحيطة، تصفر كأنها تهمس له: "انتبه… لا شيء كما يبدو…".
أخذ نفسًا عميقًا، شعر برعشة تمر في جسده، لكن عقله حاول إقناع قلبه بالهدوء. "فينسنت… كل خطوة هنا محسوبة… لا تتهور… لا تجعل الظلام يتحكم بك…" همس لنفسه، لكن صوته بدا كأنه يرتد من الجدران، يكبر ويتضاعف، كأنه يرد عليه بصوت القصر نفسه.
كل خطوة خطاها على الأرضية الحجرية أثارت صدى، صدى يخترق صمته ويجعله يدرك وحدته بشكل أكثر وضوحًا. "هل أنا مستعد حقًا؟ هل سأجد ما أبحث عنه؟" كل زاوية هنا، كل ظل طويل، كل نافذة مظلمة، كانت تبدو وكأنها تختبئ وراءها أسرارًا لم تُكشف.
مد يده للمقبض، الحديد بارد كالثلج، وصرير الباب عند فتحه كان كأنه صرخة من الماضي، صرخة تحذر من الاقتراب أكثر. دخل القصر، وكل شيء بدا أكبر، أوسع، وأكثر ظلمة من أي شيء تخيله من قبل.
تنفسه أصبح ثقيلًا، لكن لم يكن خوفًا عاديًا، بل شعورًا بالرهبة من المجهول، شعورًا بأن هذا المكان حي… يراقبه… يحاكمه بصمت. "كل شيء هنا… كل شيء… له سبب… كل شيء يخفي شيئًا"، همس لنفسه.
في الطابق الأول، الممرات الضيقة واللوحات القديمة على الجدران جعلته يشعر وكأنه محاط بأشباح الماضي. ظل يقف أمام لوحة قديمة، يحدق في تفاصيلها، يتساءل عن من صورها، ولماذا وجدت هنا. "هل هذه المدينة كلها مجرد ظل لما حدث؟ أم أنني أرى ما يجب ألا أراه؟"
سار خطواته بحذر نحو الدرج المتهالك الذي يؤدي إلى الطابق الثاني، كل خطوة تخطف أنفاسه، وكل صوت خشبي يرن كأنه صرخة مكتومة. "فينسنت… هل أنت واثق أنك تريد أن تعرف الحقيقة؟" سأل نفسه بصوت خافت، لكنه شعر بالإصرار يتسلق صدره مثل نار صغيرة تدفعه للأمام.
وصل إلى غرفة مهجورة في الزاوية، الباب نصف مفتوح، والهواء فيها رطب وثقيل، يحمل رائحة العفن والغبار. أخرج مفتاحه القديم وأدار المقبض ببطء، كل حركة تشعره وكأن المكان نفسه يراقبه ويختبره.
دخل الغرفة، أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء، عيناه تتحركان بترقب، كل زاوية مظلمة تحمل له سؤالًا، كل ظل يلمحه يشعل شعورًا داخليًا بالخوف والفضول معًا. "هذه الغرفة… هنا يبدأ كل شيء… هنا ستعرف ما كنت أخاف معرفته…".
جلس على الأرض، ظهره مستند إلى الجدار البارد، وأخذ نفسًا طويلًا، يفكر بكل ما دفعه للوصول إلى هنا: فضوله، غضبه، رغبته في كشف الغموض. ظل ساكنًا، يسمع صدى خطواته في رأسه، يسمع همسات الماضي تتسلل بين الجدران. "كل شيء صامت… لكن كل شيء يتحدث… كل شيء ينتظر… وأنا… ماذا سأفعل بعد أن أعرف؟"
السكون في الغرفة كان خانقًا، لكنه أدهش فينسنت بنفس الوقت. لم يكن مجرد صمت، بل صمت حقيقي، صمت يشبه لحظة قبل انهيار كل شيء. "أنا هنا… وحدي… والظلام معي… والضوء بعيد… كل شيء يعتمد عليّ الآن"، همس لنفسه، وعيناه تتلمسان الظلال كما لو كان يبحث عن شيء… عن جواب… عن حقيقة قد تغير كل شي
فينسنت شعر بشيء داخل نفسه يتحرك، شعور بالحذر، شعور بالاستعداد، شعور بأن كل خطوة قادمة ستكون اختبارًا حقيقيًا لشجاعته، لصبره، لعقله. لكنه لم يتحرك… جلس، يراقب، يفكر، ويستعد لما هو قادم…
القصر لن يكشف أسراره بسهولة… لكني… سأعرف… مهما كان الثمن…