من معي !؟؟
قضى الغراب شهره الأول في مزرعة الحاج دون مشاكل أو صعوبات ، تأقلم مع الجو و والف الأشخاص ، اعتاد ترثرة إيمان التي تأتي لإزعاجه في كل حين ، تبحث عنه في كل مكان و هي تناديه " أيها الغراب !!" إلا أنه لا يتضايق من طيشها ، بل أصبح يتفاعل بطريقة مضحكة مع خفة دمها ، صفاء هي الأخرى و إن كانت نادرا مع تظهر في المزرعة إلا أنها تحييه و تعامله بأدب واحترام ، ادريس أضحى مثل والده ، السعدية و الحاجة زهور و الحاج كل هؤلاء يعتبرونه فردا من العائلة و يعاملونه بطريقة مثالية ، كل هذا جعل عيسى يحب المكان و يعشق العمل في هذه الضيعة .
كلما يزعج الغراب الآن هو أمه ، إنه لا يصله عنها خبر و لا يعرف عنها جديد ، لا يعلم مستجدات حالتها الصحية ، لا يعلم إن كانت بخير أم أصابها أذى ، إنه ينتظر الفرصة المناسبة ليحضرها معه للمزرعة ، لم يقض هنا سوى شهر واحد ، لذا لم يتجرأ على أن يطلب من الحاج إحضارها ، هو يعلم أن أمه صعبة الطباع ، قليلة الحكمة كثيرة الكلام ، يخاف أن تخلق له المشاكل ، كل هذا جعله يصبر أكثر حتى يتأكد من أن عليه إحضارها . لقد خطرت بباله فكرة سيتمكن من خلالها من أن يتطمأن على أمه ، هرول لبيته ، بحث في علبة يضع بها بعض الأشياء البسيطة الصغيرة كي لا تضيع ، بحث بدقة ثم عثر على ورقة صغيرة ، فتحها بابتسامة ، إنه رقم رحمة التي سترحم شوقه و حنينه و ستخبره بما جرى لأمه .
لا يملك عيسى هاتفا لذا توجه صوب الحاج ليعيره هاتفه ، استقبل الحاج الفكرة بترحاب كبير ، أحضر هاتفا صغيرا و شاحنه و أعطاه للغراب و أخبره أن لا يعيده له ، كما طلب منه أن يخبره عندما تنتهي التعبئة كي يشحنه من جديد .
أخذ الغراب الهاتف بسعادة غامرة لكن لازالت هناك مشكلة واحدة ، الغراب لا يجيد استخدام هذا الجهاز الصغير ، جلس بين الأشجار يقلبه في يده و يفكر كيف سيتحدث لمعشوقته السمراء ، فهو لم يفعل هذا من قبل ، فجأة ظهرت أمامه كدرهم حلال ، تتمخطر بين الأشجار برفقة كتابها ، إنها الأنيقة صفاء :
_ عيسى ، كيف الحال ؟
_ ( بخجل) بخير !!
_ مذا هناك ؟؟
_ (يتلعثم) حقيقة أردت الإتصال بأمي ، الحاج اعطاني الهاتف لكنني ...
_ آه فهمت ، دعني أساعدك !!
قدم لهاا الغراب الهاتف بخجل ، أمسكت الهاتف و فتحت الورقة ، تحتوي الورقة على رقم و اسم " رحمة " ، لقد أعطتها السمراء للغراب ذات يوم ليتصل بها إن احتاج لشيء أو أصابه مكروه .
_ هل رحمة إسم أمك ؟؟
تلعثم الغراب ثم أجاب بنعم ، إنه خجول للغاية و لا يستطيع أن يخبرها أن رحمة ليست أمه ، بل إنها حبيبة قلبه و ملكة روحه .
_ حسنا !!
اتصلت صفاء بالرقم الذي في الورقة ثم أعادت الهاتف للغراب بعدما تأكدت أن الهاتف يرن ثم ابتسمت في وجهه و غادرت بهدوء .
_ ألو ، من معي ؟
إنها رحمة ، لقد اشتاق الغراب لهذا الصوت العذب الذي يروي سمعه و قلبه ، لقد اشتاق لها بشدة و ربما هي كذلك ، ليته يستطيع إخبارها بذلك لكنه لا يستطيع!!!
_ عيسى !!
_ أووه عيسى كيف حالك ؟
_ بخير ! ماذا عنك ؟؟
_ أصبحت بخير عندما سمعت صوتك ، لقد اشتقت اليك كثيرا !!
تمنى الغراب الذي نالت منه كلمات رحمة اللطيفة أن يقول ذات الكلام أو مثله لكنه لا يستطيع ، يرتجف بمجرد التفكير في ذلك ، إنه جبان عندما يتعلق الأمر بالحوارات الرومانسية ، لا يستطيع التعبير عن مشاعر تجذرت في قلبه و أنبتت حبا عظيما لهذه السمراء ، مع ذلك لا يسمح للسانه بالتعبير عنها ، بل كبح جماحها في نفسه و جعل رحمة تعض أناملها من الغضب ...
_ مذا عن أمي ، هل هي بخير ؟؟
أصبح هذا البرود في كلامه يغضب رحمة و يستفزها ، إنه لم يخبرها يوما أنه يحبها ، لم ينطق يوما بكلمة تعبر عن ذلك ، طالما حاولت سحبه لهاوية الإعتراف لكن طالما تمسك بحبل الغموض ، رغم هذا أجابته دون أن تظهر له مدى غضبها من كلامه البارد المستفز :
_ لا تقلق بشأنها ، لقد أصبحت أحسن بكثير من الأول ، أصبحت تحاول رفع يدها و تحرك ساقها دون ألم ، قريبا ستعود لحالتها الطبيعية ، الجارات يقمن بواجبهن اتجاهها و هي سعيدة للغاية .
_ هذا جيد ! شكرا لك !!
_ هذا واجب !!
_ حسنا وداعا !!
قطعت الخط و هي تموت من الغضب ، كم هي مستفزة تصرفات هذا الغراب الغبي ، لا يكلف نفسه و لو قول كلمة واحدة جميلة تجعلها تدرك أنه يحبها فعلا ، يجيب بكلمة و يسأل بكلمتين ، كأنه يلعب لعبة نعم لا ، أو كأجنبي لا يعرف من العربية إلا بضع كلمات ، لقد سئمت من هذا لكنها تحبه . هو أيضا لم يعد يعجبه هذا ، إن بداخله كلام كثير ليقال ، كلام لو كان في صدر كاتب لألف منه كتبا و روايات كثيرة ، و لو كان في عقل شاعر لعصر منه قصائد لم يكتب مثلها في فن الغزل ، لكنها مسجونة في قلب غراب لا يجيد التعبير و لا يتقن الوضوح ، غراب أنفق حبا مجهولة هويته ، عشق لا عنوان له ، وحده يعرف كم يحبها .