الفصل التاسع والثلاثون :
رجعوا ربى وناجد يعيشوا سوا في بيت ربى القديم، مش في الفيلا اللي متعوّدين عليها.
والسبب؟
ربى هانم، رغم إنها كانت الغلطانة، وقفت قدام ناجد بعناد وهي عاملة دراعها كده على صدرها وقالتله بمنتهى الصرامة
"أنا مش راجعة المكان اللي اترميت منه، فاهم؟ حتى لو على جثتي."
في الأول ناجد استغرب جدًا من كلامها، وحتى حاول يقنعها أكتر من مرة إن اللي حصل كان سوء فهم، وإنه طردها بس علشان افتكر إنها خانته...
بس ربى كانت عاملة ودن من طين وودن من عجين.
وفي الآخر، وهو مش فاهم إزاي، لقى نفسه بيلم هدومه وبيمشي وراها.
النهارده، كانت ربى نايمة في حضنه، وشعرها مفرود على صدره كأنه غطا دافي.
ناجد كان نايم، ملامحه هادية، نفسه متزن، ودراعه لسه محاوطة خصرها كأنه بيأمن عليها حتى وهو غايب عن الوعي.
ربى فضلت تبصّله وهي حاسة إن قلبها بيرقص جواها.
مدّت صباعها بخفة، لمست خدّه، وعدّت أطراف صباعها على دقنه، بحذر علشان ما تصحّهوش.
اتذكرت الليلة اللي فاتت...
الليلة اللي كانوا فيها سوا، بكل جنونها، بكل حنانها...
ليلة مختلفة، فيها نار ودفا، حب واشتياق.
كأنهم بيأكدوا لبعض إن اللي بينهم ما ماتش أبدًا، بالعكس، زاد اشتعال.
حست بيه بيتحرّك، فتح عينيه ببطء، وبصّ فيها.
ابتسامة صغيرة ظهرت على وشّه وهو بيقول بصوت نايم
"من إمتى صحية ؟"
ضحكت وقالت بخفة دمها
"من نص ساعة كده، كنت قاعدة أتفرج على جوزي وهو نايم..."
وسألته " وعارف اكتشفت ايه عليه ؟"
ضيق عينيه بانتظار اجابتها فهي اكملت بعد غمزة
"اكتشفت إنه وسيم اوي حتى وهو نايم، شكلي هزود الحراسة عليك ياحبيبي"
ناجد ضحك غصب عنه، وبدل ما يرد، سحبها لحضنه أكتر.
ربى حاولت تبعد شوية وقالت له بنغمة فيها دلع
"يلا بقى قوم، وعدتني توصّلني الجامعة... نسيت ولا إيه؟"
ناجد زفر، زفرة وكأنه متضايق وده خلا ربى بتبص له بخوف بسيط وقالت بسرعة
"هو إنت تعبت منّي ياناجد ؟ لو مش عايز انا يمكن..."
بس قبل ما تكمل، مدّ إيده وسحبها تاني، وقبّلها على جبينها وقال وهو بيهمس عند ودنها
"أنا ما بتعبش منك يا ربى... أنا أساسًا اتخلقت علشان أنفذ طلباتك، لو أنا ما عملتهاش، مين هيعملها؟"
ضحكت ربى بخفة، وقامت تدّيله قبلات صغيرة على وشّه وسط ضحكه اللي خرج طبيعي وعفوي.
وفجأة، افتكرت الساعة، شهقت وقالت
"يا مصيبتي! هتأخر!"
قامت بسرعة وراحت تجري، وناجد فضل واقف في مكانه، باصص لها وهي بتجري ناحي الحمام بشعرها المنكوش، ومش قادر يمنع الابتسامة اللي رسمت على وشّه.
الست دي... مجنونة.
بس هي جنونه الحلو.
_________
ناجد خرج من الأوضة وهو في قمّة أناقته، القميص مكوي بعناية، ريحة عطره مالية المكان، وخطواته فيها هيبة وثقة كالعادة.
بس أول ما خرج، استغرب الهدوء اللي ساكن البيت.
ربى كانت من شوية عاملة دوشة علشان مايتأخروش، والمكان دلوقتي ساكت كأن مافيش حد.
نادى بصوته الهادئ لكن فيه نبرة استغراب
"ربى؟ إنتي فين ؟"
طلعت له من ورا التلاجة وهي ماسكة إزازة الميه، وشها باين عليه شحوب غريب، عينيها مطفية وإيدها بترتعش وهي بترجع الإزازة مكانها.
قرب منها بخطوات سريعة ووشه اتبدّل لقلق واضح
"مالك يا حبيبتي؟ فيكي إيه؟"
ربى حاولت تبتسم بس كانت باينة إنها مش قادرة حتى تفتح عينيها كويس،
"مش عارفة... فجأة دوخت، وتعبت ..."
وفجأة اندفعت ناحية الحمّام بسرعة، وناجد جري وراها من غير تفكير، صوته مليان خوف
"ربى! فيكي إيه؟!"
سمعها وهي بتتقيأ، فوقف على باب الحمّام مش عارف يعمل إيه غير إنه يستنى.
ولما خلصت، دخل وساعدها تطلع، مسك شعرها بإيده التانية علشان مايتوسخش، وبعدها شغّل الميه وغسل لها وشها بلطف، وبعدين مسحهولها بالمنشفة الصغيرة اللي كانت جمب الحوض.
بصّ في وشها وقال
"تعالي يا قلبي، اقعدي هنا شوية."
سندها لحد أول كنبة في الصالة وساعدها تستلقي عليها، قعد جنبها وقال بنبرة فيها حزم وحنان في نفس الوقت
"خلاص، مافيش جامعة النهارده. هنروح للدكتور، نطمن عليكي."
ربى حرّكت راسها وهي بتحاول تبتسم
"يا حبيبي مافيش داعي، دي حاجة بسيطة، يمكن معدتي وجعتني من حاجة كلتها بس..."
هو بصّ لها بجدية
"بسيطة إيه؟ إنتي باين عليكي صفرا، ومش عاجبني شكلك خالص."
سكت شوية وبعدين سألها وهو بيحاول يغير الجو
"تحبي أجيبلك حاجة تاكليها؟ يمكن لما تاكلي تفوقي شوية."
لكن ربى غمضت عينيها وقالت بهدوء وتعب
"مش قادرة، مش طايقة آكل حاجة خالص..."
مدّ إيده على جبينها يقيس حرارتها بإيده، لكن طلعت طبيعية .
اضطرّ ناجد في النهاية يخرج، رغم إن قلبه كان مش مطاوعه يسيبها بالشكل ده.
الصفقة اللي عنده كانت مهمة جدًا، ومفيش أي مجال لتأجيلها، بس وهو بيبص لربى قبل ما يخرج كان باين في عينه التردد والخوف عليها.
ماقدرش يتحرك غير بعد ما هي بنفسها صممت عليه إنه يروح، وقالت له إنها هتبقى كويسة، وإن التعب ده مجرد حاجة بسيطة وهتعدي.
برضه مااقتنعش بسهولة، فضّل يلحّ عليها، يأكد عليها إنها تتصل بيه أول ما تحس إن حالتها ساءت شوية، ووصّاها يمكن أكتر من عشر مرات.
وفي الآخر، قالها إنه هيبعت زين علشان يطمن عليها، احتياط.
ربى زفرت بضيق وهي شايفة إنه مش بيسيب لها نفس تتصرف لوحدها، بس كانت عارفة إن عناده مش هيسمح بأي نقاش.
أول ما الباب اتقفل وسمعت صوت العربية وهي بتتحرك بعيد، قلبها دق بسرعة.
قامت من مكانها وهي حاسة بارتباك غريب، وركضت ناحية الشباك تتأكد إنه فعلاً مشي.
اتنهدت بارتياح، وبصت لنفسها في الزجاج لحظة، عينيها فيها خليط من القلق والفضول والخوف.
الفكرة اللي شغلة دماغها كانت واحدة بس...
هل هي حامل فعلًا؟
الاحتمال ده لوحده كان بيخلّي نفسها تتقطع بين خوف وفرحة ماقدرتش تفسّرهم.
افتكرت إنها من فترة كانت بتاخد موانع الحمل، مش لأنها مش عايزة أطفال، ولا حتى لأن ناجد مانعها،
لكن لأنهم هما الاتنين كانوا متفقين يأجّلوا خطوة الإنجاب شوية لحد ما تخلّص على الأقل جزء من دراستها الجامعية.
بس مؤخرًا، من غير ما تقول له، قررت توقفها.
قرار خدته بهدوء، في لحظة كانت فيها بتبص له بحب وهي حاسة إنها عايزة حاجة تربطهم أكتر من أي كلام.
كانت عايزة جزء منه يعيش جواها...
عايزة تشوف وش طفل يشبهه، وتحس بإيدين صغيرة تخصهم هما الاتنين.
كانت محتاجة الإحساس ده... الإحساس إنها بقت "أم" لطفل من الرجل اللي بتحبه.
وقبل ما يوصل زين، كانت ربى خلاص خدت قرارها.
بدون تفكير طويل، لبست بسرعة وخرجت من البيت بخطوات سريعة، قلبها بيدق، وعقلها مشغول بحاجة واحدة بس:
تروح الصيدلية اللي في آخر الشارع، وتجيب اختبار الحمل.
الطريق كان قصير، بس دقايقه كانت تقيلة جدًا عليها.
كل خطوة كانت فيها مزيج من الخوف والرجاء،
خوف من النتيجة... وفرحة محتملة مش قادرة تمنع نفسها من تخيّلها.
رجعت البيت وهي مخبية الكيس الصغير في شنطتها،
وشها محتقن، وجواها عاصفة مشاعر،
بين لهفة تعرف الحقيقة، وبين خوف إنها تكون بتحلم بحاجة مش هتحصل.
كانت قاعدة على حافة السرير، في إيدها الجهاز الصغير اللي لسه ماسباهوش من ساعة ما خرجت من الحمّام.
إيديها كانت بتترعش، مش قادرة تمسكه بثبات، وصوابعها الباردة بتتحرك عليه بخفة كأنها مش مصدقة اللي شايفاه.
نَفَسها بيطلع متقطع، مرة طويل ومرة قصير، وصوت دقات قلبها هو اللي كان مالي الأوضة كلها.
الخطين الصغيرين كانوا واضحين قدامها...
واضحين جدًا، لدرجة إن عينيها دمعت.
فضلت تبصّ فيهم كأنها مش مصدقة، كأنها مستنية الخط التاني يختفي، أو يطلع وهم،
بس لأ... الخطين سابتين، حقيقيين.
ربى رفعت الجهاز قريب من وشها، وبعدين بعدته، وبعدين رجعت تبصّ عليه تاني،
نفسها بيزيد، وإيديها بتغطي بُقها وهي بتحاول تكتم شهقة خرجت غصب عنها.
الدموع نزلت، بس المرة دي كانت دموع دفّا مش وجع.
اتنفسِت بصعوبة، صوتها المبحوح خرج وهي بتهمس لنفسها
"أنا... حامل؟!"
الكلمة لوحدها خلتها ترجف.
حطّت الجهاز على صدرها، فوق قلبها، وضغطت عليه كأنها بتثبّت اللحظة جواها.
ضحكت وهي بتعيط، ضحكة فيها رعشة وفرحة وخوف في نفس الوقت.
مشاعرها كانت متشابكة بطريقة غريبة...
رعب من المجهول، لهفة إنها تشوف ناجد ويعرف،
فرحة كبيرة خلت كل التعب اللي حست بيه الصبح يتحوّل لهدف.
حطّت إيديها الاتنين على بطنها، برفق كأنها خايفة تلمسها بقوة.
همست بصوت خافت جدًا، كأنها بتكلم حاجة صغيرة جوّاها:
"انتي فعلاً هنا؟... انتي منّه؟"
سكتت شوية، وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة أم لأول مرة بتحس إن جواها حياة جديدة،
جواها جزء من اللي بتحبه...
وجزء منها هي كمان.
_______
من بعد ما شافت النتيجة وهي مش قادرة تهدى، ربى كانت حاسة إن قلبها بيجري قبلها.
كل التعب اللي كان معاها الصبح اختفى كأنه ماكانش، ولا دوخة ولا غثيان ولا حاجة…
كل اللي باقي هو حماس مش طبيعي، وشعور كأنها طايرة من الفرحة.
كانت قاعدة على الكنبة، رجليها بتتهز بعصبية، وكل شوية تبص في الساعة.
"أربع ساعات ويخلص اجتماعه..."
قالتها بصوت واطي، وهي بتعضّ شفايفها.
"يعني هييجي المسا؟ طب أستناه؟ لأ، مش هقدر أستنى!"
فضلت تتكلم مع نفسها، تمشي في الأوضة رايحة جاية.
كل دقايق تمرّ كانت بتحسها عمر، ودماغها شغالة:
"هو أكيد مش هيزعل لو رُحتله، لأ بالعكس… هيضحك وهيحضني، وهيفرح زيّي بالظبط."
افتكرت كده فجأة كلامه من كام يوم، لما كانت نايمة في حضنه وسألته وهي بتلعب في صباعه
"تحب يبقى عندنا كام عيل يا ناجد؟"
وقتها رد
"اتنين تلاتة كفاية."
هي ساعتها قلبها وقع، كانت متوقعة يسمعها كلام الرجالة اللي عايزين يملوا البيت عيال،
بس هو لاحظ ده وقالها بحنية
"أنا لو بإيدي أجيب عشر عيال كلهم شبهك، بس أنا مش عايزك تتعبي كل مرة يا ربى."
افتكرت الكلمة دي، ودموعها لمعت وهي بتضحك، كأنها بتسمعه دلوقتي بيقولها بنفس النغمة اللي بتخلي قلبها يسيح.
"حتى في دي، بيفكر في راحتي..."
تمتمت وهي بتحط إيدها على بطنها، ابتسامة واسعة مابتفارقش وشها.
ماقدرتش تقعد أكتر.
لبست الجاكيت بسرعة، لمّت شعرها على شكل كعكة فوضوية،
خدت شنطتها وطلعت من البيت بخطوات سريعة كأنها بتجري على الحلم.
أول ما خرجت من الباب، لقت زين واقف عند العربية بيكلم في الموبايل.
أول ما شافها، اتخض وقال بقلق
"مدام ربى! إنتي كويسة؟ أوديكي الدكتور ؟"
ربى وقفت قدامه، خدودها مورّدة من الانفعال، عينيها بتلمع بفرحة مش عادية،
وهزّت راسها وهي بتقول بوضوح
"أنا كويسة يا زين... عايزة أروح لجوزي."
______
الجو في الشركة كان هادي أكتر من اللازم، كل الموظفين مشغولين، والسكرتيرة قاعدة على مكتبها قدام باب مكتب ناجد، بتراجع المواعيد في النوتة بتاعتها.
فجأة الباب الكبير بتاع الشركة اتفتح بعنف، صوت الكعب العالي دوّى في المكان، وكل اللي في الاستقبال رفعوا عينيهم في لحظة واحدة.
كانت ربى.
ملامحها باينة إنها جاية في مهمة، شعرها مفكوك خفيف من الجري، خدودها فيها لمحة شحوب، بس العجيب إن وشّها منوّر بابتسامة مش مفهومة.
السكرتيرة قامت بسرعة وقالت
"مدام ربى! نورتي "
ربى سألتها بعجلة
" هو ناجد خلص اجتماعه؟"
السكرتيرة
" أيوه ، هو في مكتبه لو عايزة تدخليله "
اكتفت بايماءة بسيطة ، وسارت خطواتها سريعة ومندفعة وهي رايحة ناحية المكتب، ما وقفتش ولا لحظة .
فتحت باب مكتب ناجد من غير استئذان، الباب اتخبط في الحيطة بخبطة عالية، وناجد رفع عينه من الورق اللي قدامه بخضة.
لما شافها، وقف بسرعة، عينيه اتسعت وهو بيقول
"ربى؟! إنتي بتعملي إيه هنا؟! مش كنتي تعبانة؟ حصل إيه؟!"
قرب منها بخطوتين، ملامحه فيها خوف حقيقي،
بس هي واقفة قدامه، مبتسمة، ووشها منور رغم التعب اللي واضح عليها.
اتلغبط، قال لنفسه
يعني إيه؟ من شوية كانت بتترجّع، ودلوقتي جايالي تضحك؟
قبل ما يلحق يسأل تاني، لقاها فجأة بترمي نفسها في حضنه،
لفت دراعاتها حوالين رقبته، وبدأت تضحك بخفة، ضحكة خارجة من القلب.
اتجمّد ناجد في مكانه، مابين الدهشة والقلق.
"ربى؟ في إيه يا حبيبتي؟ مالِك؟"
رفعت وشّها له، عينيها فيها لمعة غريبة وقالت بهدوء وهي لسه مبتسمة
"أنا عرفت بقى سبب التعب اللي عندي."
رفع حاجبه وقال باستغراب
"إيه؟ يعني رُحتي للدكتور؟"
هزّت راسها بالنفي وهي لسه مبتسمة،
مدّت إيدها في جيب الجاكيت، طلعت حاجة صغيرة ملفوفة في منديل، ومدّتها له.
بصّله باستغراب وهو بيستلمها منها وقال بنبرة حيرانة
"إيه ده؟"
ماقدرش يفهم، قلبه بدأ يدق بسرعة،
بس هي كانت واقفة قدامه، ملامحها كلها انتظار وقلق وفرحة في نفس الوقت.
ولما شافت ملامحه المتلخبطة، ضحكت بخفة وقالت
"ده اختبار الحمل... أنا حامل يا ناجد!"
قالتها بصوت مليان سعادة ودهشة، كأنها هي كمان مش مصدقة.
الكلمة وقعت عليه زي الصاعقة الحلوة.
عينيه اتسعت أكتر،
وبعدين من غير ما يتكلم، قرب منها تاني،
إيده حطّها على خدها، وكأنه بيتأكد إنها فعلاً حقيقية قدامه،
وبعدين ضمها لحضنه بقوة، لدرجة إنها سمعت نبض قلبه.
"حامل؟! إنتي بتتكلمي بجد؟"
ضحكت وقالت وسط دموعها الصغيرة
"أيوه يا حبيبي... إحنا هنجيب بيبي!"
ضحك ناجد، ضحكة عالية خارجة من قلبه، لدرجة إن كل اللي في المكتب سمعوها.
لكن ضحكته اختفت شوية وربى لاحظت ده لما سألها بارتباك
" طب مش قلتي ..."
هي شدت على ايده تطمنه
" هتكون كل حاجة كويسة باذن الله ...هدرس وهربي ابننا او بنتنا ماتخافش "
ضمها لحضنه ثاني ، وبعدين مسكها من إيدها وخرج بيها وهو لسه مش قادر يسيطر على سعادته.
السكرتيرة أول ما شافته خارج كده، وشّها اتبدّل، افتكرت إن في مصيبة جاية.
وقفت بسرعة وقالت بخوف
"في حاجة يا فندم؟"
بس ناجد كان بيبتسم، ماسك إيد ربى في إيده،
وبصوت عالي قال قدام الكل
"بلغي كل الموظفين إن الشهر ده... المرتب فيه زيادة!"
السكرتيرة اتجمدت، قالت بصدمة
"زيادة؟ كل الطاقم؟!"
ضحك ناجد وقال وهو بيبص لربى بعشق
"أيوه، كل الطاقم! عندنا خبر يستاهل نفرح عشانه!"
في لحظة، اتقلب الجو كله،
السكرتيرة بدأت تصقف، والموظفين اللي كانوا بيبصوا من بعيد بدأوا يبتسموا،
أما ربى، فكانت ماسكة إيده، وشها منور،
وحست إن اللحظة دي هي أسعد لحظة في حياتها.
ضحكت وهي تقول في سرّها
النهارده مش يوم عادي... النهارده بداية حياة جديدة.
_______
سما كانت راجعة لمكتبها بهدوء، في إيدها كوب القهوة اللي لسه عاملاه سخن، ريحته مالية المكان.
لكن قبل ما توصل، لمحت التجمع اللي حاصل قدام قسم الاستقبال. البنات كلهم متحلقين حوالين بعض، صوتهم مليان حماس وضحك.
رفعت حاجبها بابتسامة خفيفة وقالت وهي بتقرب
" في إيه يا بنات؟ الدنيا مقلوبة كده ليه؟"
واحدة من زميلاتها التفتت ليها بسرعة وقالت بحماس
"مش سامعة؟ الرئيس زوّد مرتباتنا الشهر ده!"
سما ضحكت بخفة وكانت هتقول
" بجد؟ طب وده ليه الخير كده فجأة؟"
لكن زميلتها ما استنتش سؤالها أصلاً، كانت متحمسة اوي وقالت بسرعة
" بيقولوا إن السبب إن مراته حامل! شكله طاير من الفرحة!"
كلمة “مراته حامل” نزلت على سما زي المية الباردة، جمدت في مكانها للحظة.
زميلة تانية قالت وهي تضحك
" دي محظوظة بجد، الراجل باين عليه بيحبها أوي! تخيلي، أول ما عرف إنها حامل راح مكافئ كل الناس في الشركة!"
الضحك فضل داير حواليها، لكن سما ما كانتش معاهم خلاص.
عينيها ثبتت على لا شيء، ابتسامتها اختفت تدريجيًا، وصوت البنات بقى بعيد كأنه جاي من آخر القاعة.
هي اللي كانت فاكرة إن العلاقة بينهم بدأت تبرد...
النهارده بتكتشف إنها كانت غلطانة.
الرابط اللي كانت تظن إنه ضعف، طلع بيقوى... وطفل جديد رايح يربطهم أكتر.
في اللحظة دي، بصت في الكوب اللي في إيدها، ولاحظت إن القهوة اتلخبطت وطلعت منها شوية على أطراف إيديها المرتعشة.
بلعت ريقها بصعوبة، ثم سابت الكوب على أقرب طاولة، وكملت طريقها لمكتبها،
بس المرة دي بخطوات أبطأ...
وكأنها بتحاول تخفي وجعها تحت وشها الهادئ.