هجرة أبو بكر إلى المدينة المنورة
أذن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لأصحابه بالهجرة من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة، وقال لأبي بكر بألّا يعجل، لعلّ الله يجعل له صاحباً في الهجرة، فاستبشر أبو بكر وتأمل أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو رفقيه في الهجرة، واشترى راحلتين واعتنى بهما من باب تجهيز نفسه للهجرة.[١٥] وقد كان من عادة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أن يأتي بيت أبي بكر بكرةً وعشياً، وفي اليوم الذي أذن الله له بالهجرة أتاه في غير الوقت المعتاد، فلما رآه أبو بكر علم أنّ هنالك خطب ما، وكان عند أبي بكر ابنتيه عائشة وأسماء -رضي الله عنهما-، فطلب من أبي بكر أن يُخرج من عنده، قائلاً له: (أخْرِجْ مَن عِنْدَكَ، قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّما هُما ابْنَتَايَ، يَعْنِي عَائِشَةَ وأَسْمَاءَ)،[١٦] فأخبره النبي -صلّى الله عليه وسلّم- بأمر الهجرة، فقال أبو بكر: (الصُّحْبَةَ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: الصُّحْبَةَ، قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ)،[١٦] فبكى أبو بكر من شدّة الفرح، وأخذا الرّاحلتين واستأجرا عبد الله بن أُريقط دليلاً على الطّريق.[١٥] وبعد ذلك سارا حتى وصلا جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال، ويمكث معهما عبد الله بن أبي بكر، يأتي في المساء فينام معهما ويصبح في الصباح بين أهل مكة، ثمّ يعود بالأخبار لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبيه، أمّا عامر بن فهيرة فكان يأتي بالأغنام ليطمس آثار الأقدام خلفهم، وكانت قريش قد جعلت مكافأة لمن يأتي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر أسيرين أو مقتولين، فجاء رجل لسُراقة بن مالك يخبره أنّه قد رأى رجلين يحسبهما محمّداً وصحبه، فقال له سراقة إنّهما ليسا هما، لكنّه عرف في نفسه أنّهما محمّداً وأبو بكر.[١٧] ثم مكث سُراقة في المجلس برهةً من الزمن وخرج بعدها وركب فرسه حتى وصل إليهما، وكان كلّما اقترب منهما غارت أقدام فرسه في الرّمال، فعلم أنّهما محفوظان بحفظ الله، وناداهما فخرجا، وطلب من رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الأمان مقابل أن يُخفي خبرهما ففعل،[١٧] وبينما هما في مختبئين في الغار والكل في ملاحقتهم يروي لنا أبو بكر الصّديق -رضيَ الله عنه- حالهم فيقول: (نَظَرْتُ إلى أَقْدَامِ المُشْرِكِينَ علَى رُؤُوسِنَا وَنَحْنُ في الغَارِ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، لو أنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إلى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقالَ: يا أَبَا بَكْرٍ ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا).[١٨][١٩]