مرآة المصائب
كانت الأرض صامتة… صمتًا يشبه سكون القبور، لا يُسمع فيه سوى نبضات قلب إليسا المتسارعة. القمر كان في منتصف السماء، يضيء الغابة الزرقاء بنور بارد كأنه يراقب ما يجري دون أن يتدخّل.
جلست إليسا عند حافة بركة مائية صغيرة، يتراقص على سطحها انعكاس القمر. كانت المياه هادئة في البداية، لكن شيئًا ما في أعماقها بدأ يتحرك ببطء. لم تفهم في البداية ما يحدث، حتى رأت وجهًا آخر يطفو على السطح. وجهها هي… لكنه ليس نفسه تمامًا.
كانت تلك النسخة منها تشبهها في الملامح، لكنها مختلفة في النظرة. عيناها تحملان الغضب، وفي شفتيها ارتجاف يشبه المرارة التي تترسب في الروح بعد الألم الطويل.
همست إليسا بصوت مرتجف:
"من أنتِ؟"
أجابت النسخة بصوتها نفسه، لكن أعمق:
"أنا ما حاولتِ نسيانه… أنا المصائب التي خبّأتها خلف ابتسامتك، الخوف الذي رفضتِ أن تعترفي به، والألم الذي جعل منك ما أنتِ عليه الآن."
تراجعت إليسا خطوة، لكن الأرض من تحتها بدت كأنها تمسك قدميها وتمنعها من الفرار. الغابة كانت صامتة، حتى الهواء توقف عن الحركة. كل شيء كان ينتظر ردّها.
أخذت نفسًا عميقًا، وقالت بثباتٍ تحاول استعادته:
"أنا لم أهرب منك… فقط حاولت أن أنساك."
ضحكت النسخة بصوتٍ مخيف، كأنه يأتي من أعماق الماء:
"نسياني يعني نسيانك لجزء منكِ. أنا التي حملت وجعك عندما ضعفتِ، أنا التي بقيتِ صامدة في الليالي التي كنتِ تظنين أنك لن تنجو منها."
شعرت إليسا بأن الماء تحتها يغلي، والضوء الأزرق المحيط بها بدأ يتحول إلى دوامات من الظلال. وفجأة، خرجت النسخة من الماء، واقتربت منها حتى أصبحت وجهاً لوجه. نظرت إليها إليسا طويلاً، ثم مدت يدها ولمست وجهها الآخر… لحظة التماس تلك كانت كأنها شرارة كهربائية اخترقت قلبها.
في تلك اللحظة، رأَت كل شيء.
رأت ذكرياتها القديمة، وجوه من أحبتهم وخذلوها، أماكن تركت فيها دموعها، ووعودًا لم تُنفذ. رأت المصائب التي حاولت دفنها وهي تنبض بالحياة أمامها.
لكنها لم تعد تخاف.
قالت إليسا بهدوءٍ غريب:
"لن أهرب بعد الآن. إن كنتِ جزءًا مني، فسأقبلكِ… حتى الألم سيصبح ضوءًا."
ابتسمت النسخة — للمرة الأولى — ثم تلاشت كأنها بخار يتصاعد من الماء. وسكنت البركة من جديد، لكن القمر أصبح أكثر إشراقًا، والغابة بدت أكثر دفئًا، وكأنها تنحني احترامًا لمن واجهت نفسها دون خوف.
في تلك اللحظة، ظهر أمامها باب جديد، مصنوع من الزجاج النقي، يعكس صورتها الحقيقية، بلا ظلال، بلا انقسام. كان ذلك هو اختبارها الأخير قبل الوصول إلى قلب النور.
تقدّمت نحوه بخطى ثابتة، بينما الهمس القادم من الغابة يقول:
> "من واجه مرآة مصائبه، أصبح قادرًا على عبور كل شيء."