أرشـيـف النـسيـان - الصـحوة البـيضاء - بقلم تقى - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أرشـيـف النـسيـان
المؤلف / الكاتب: تقى
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الصـحوة البـيضاء

الصـحوة البـيضاء

كان الظلام أول ما شعر به. ظلام دامس، ثقيل، يلفّ العالم كله. ثم بدأ النور يتسلل رويداً رويداً، كشمس تشرق خلف جبل شاهق. فتح عينيه بصعوبة، كأن جفنيه مصنوعان من الرصاص. النور المؤذي جعله يغمضهما مرة أخرى، لكن صورة الغرفة البيضاء احترقت في شبكية عينيه. غرفة بيضاء بالكامل. جدران بيضاء، سقف أبيض، أرضية بيضاء. حتى الضوء كان أبيض ناصعاً ينبعث من مصابيح مخفية في السقف. كان يرتدي بيجاما بيضاء، ويستلقي على سرير أبيض. فقط الشراشف كانت زرقاء فاتحة، كأنها بقعة لون وحيدة في بحر من البياض. "أين أنا؟" سأل نفسه، لكن حتى صوته بدا غريباً في أذنيه. كان صوتاً أجشاً، كأنه لم يستخدم حباله الصوتية منذ زمن طويل. حاول الجلوس، لكن دوخة شديدة هاجمته. أمسك بمقود السرير المعدني، وشعر ببرودته تنتشر في كفه. كان ضعيفاً، ضعيفاً جداً. كأنه لم يأكل منذ أسابيع. نظر إلى يديه. كانتا ناحلتين، شاحبتين، مع عروق زرقاء بارزة. لم يتعرف عليهما. هل هاتان يدا حقاً؟ كان يشعر أنه ينظر إلى يدي شخص آخر. "مرحباً، عمر. كيف تشعر اليوم؟" رفع رأسه بصعوبة. وقفت في الباب امرأة ترتدي معطفاً أبيض طويلاً. كانت تحمل لوحة إلكترونية، وتنظر إليه بعينين رماديتين لا تعبران عن أي مشاعر. شعر بالرعب ينتشر في جسده. كيف عرفت اسمه؟ هو نفسه لم يكن يعرفه! "من... من أنت؟" همس، وصوته يرتجف. "أنا الدكتورة نورة. أنت في مستشفى الأرشيف. تعرضت لحادث مؤسف، لكنك ستكون بخير." الحادث. حاول أن يتذكر. أي حادث؟ لم يكن هناك شيء. فقط فراغ. فراغ كبير يملأ رأسه. أحس وكأن جمجمة فارغة، لا تحتوي سوى على ظلام وصمت. "ما هو الحادث؟" سأل. ابتسمت الدكتورة نورة ابتسامة رقيقة، لكنها لم تصل إلى عينيها. "لا تقلق. هذا طبيعي بعد الصدمة. الذاكرة ستعود تدريجياً." تركت له حبة دواء وكوب ماء. "هذا سيساعدك على الاسترخاء." بعد أن غادرت، نظر إلى الحبة البيضاء في كفه. كانت مستديرة، ملساء، تحمل رمزاً غريباً يشبه الزهرة ذات السبعة بتلات. شعر بغريزة داخلية تمنعه من تناولها. لكن لماذا؟ هو لا يتذكر أي شيء! وضع الحبة تحت لسانه، ثم أخرجها عندما سمع خطوات الدكتورة تبتعد. أخفاها في جيبه. لم يكن يعرف لماذا فعل ذلك، لكن شيئاً بداخله قال له أن يكون حذراً. بعد ساعة، عادت الدكتورة نورة مع ممرضين. "حان وقت الفحوصات، عمر." أخذوه إلى غرفة أخرى، مليئة بالأجهزة الطبية المعقدة. وضعوه على سرير فحص، وربطوا أقطاباً كهربائية برأسه. شعر بذبذبات غريبة تدخل جمجمته. "ماذا تفعلون؟" سأل مرتعباً. "فقط نتحقق من نشاطك الدماغي. لا تقلق." شاهد شاشة كبيرة تظهر رسوماً بيانية معقدة. كانت هناك بقع سوداء كبيرة في مناطق مختلفة من الدماغ. كأن أجزاء منه ميتة أو معطلة. "هل... هل هناك مشكلة في ذاكرتي؟" الدكتورة نورة نظرت إلى الشاشة، ثم إليه. "كل شيء على ما يرام. فقط تحتاج إلى وقت." لكن عمر رأى نظرة سريعة تبادلها الممرضان. نظرة قلقة. كان هناك شيء لا يقولونه له. عندما أعادوه إلى غرفته، كان الإرهاق يثقله. نام نوماً عميقاً، وحلم بامرأة. امرأة بشعر أسود طويل، تلبس فستاناً أزرق. كانت تدير له ظهرها، لكنه عرف أنها جميلة. كان يشعر بدفء غريب يملأ صدره عندما ينظر إليها. في الحلم، سمعها تقول: "لا تثق بهم، عمر. ابحث عني." استيقظ فجأة، والعرق يتصبب من جبينه. "من تكون؟" همس في الظلام. كان الليل قد حل. الغرفة كانت مظلمة، إلا من ضوء القمر الذي يتسلل من النافذة. نهض من السرير، وتمايل قليلاً قبل أن يستعيد توازنه. مشى إلى النافذة، ونظر إلى الخارج. كان يطل على حديقة كبيرة، مليئة بأشجار السرو الطويلة. في وسط الحديقة، كان هناك نافورة رخامية بيضاء. وشاهد ظلاً يتحرك خلف الأشجار. رجلاً يرتدي معطفاً أبيض، كان يراقب نافذته. اختبأ خلف الستارة، وقلبه يخفق بشدة. من هذا الرجل؟ ولماذا يراقبه؟ عاد إلى سريره، لكن النوم هرب من عينيه. بدأ يتفقد الغرفة. كانت خالية من أي شيء شخصي. لا صور، لا كتب، لا أوراق. فقط السرير، وخزانة ملابس تحتوي على بيجامات بيضاء أخرى. في الزاوية، وجد شيئاً صغيراً لامعاً على الأرض. انحنى ليلتقطه. كان خاتماً ذهبياً بسيطاً، بدون أي نقوش. لم يتذكره. لكن عندما وضعه في إصبعه، شعر بارتياح غريب. كأنه كان ينتمي إليه. في الصباح، سمع صوتاً من مكبر الصوت: "وقت النشاط." فتح الباب، وشاهد مرضى آخرين يخرجون من غرفهم. جميعهم يرتدون البيجامات البيضاء، وجميعهم نظراتهم فارغة، كأنهم يمشون في النوم. تبعهم إلى قاعة كبيرة، حيث تم تقديم وجبة الإفطار. جلس على طاولة منفرداً، يحاول أن يتذكر أي وجه من الوجوه حوله. لا شيء. رأى رجلاً مسناً يجلس في الزاوية، يبكي بصمت. اقترب منه. "هل أنت بخير؟" رفع الرجل المسن رأسه. عيناه حمراوتان. "هم أخذوها. أخذوها مني." "من أخذ ماذا؟" "زوجتي. ذاكرتي عنها. كنت أعرف أنها جميلة، لكني لا أستطيع تذكر وجهها." شعر عمر ببرودة في قلبه. "ماذا تقصد؟" "أرشيف النسيان. يمحون ذكرياتنا المؤلمة. لكنهم أحياناً يخطئون، ويمحون الذكريات الجميلة أيضاً." أرشيف النسيان. الاسم الذي سمعته من الدكتورة نورة. لكن ما هي حقيقته؟ عاد إلى غرفته، والعقل المسن لا يزال يطارده. فتح خزانة ملابسه، وبدأ يفحصها ببطء. في الزاوية الخلفية، وجد شيئاً غريباً. كان هناك جزء من الخشب يبدو مختلفاً. ضغط عليه، ويفتح باب سري صغير. داخله، وجد مذكرات صغيرة. افتحها. على الصفحة الأولى، كان مكتوباً: "إذا كنت تقرأ هذا، فذاكرتك قد مسحت. ابحث عن الحقيقة. ابحث عن سارة." سارة. الاسم الذي سمعه في حلمه. قلب الصفحة. كانت هناك رسومات لوشم معقد. وشم يشبه الدائرة ذات الخطوط المتشابكة. نظر إلى كتفه الأيسر. كان الوشم نفسه مرسوماً عليه. في تلك اللحظة، سمع صوت مفاتيح في الباب. أسرع بإعادة المذكرات إلى مخبأها، وقفز إلى السرير، متظاهراً بالنوم. كانت الدكتورة نورة تدخل الغرفة. "عمر؟ هل أنت مستيقظ؟" لم يرد. شعر بيدها تلمس جبينه. ثم سمعها تهمس في هاتفها: "الموضوع 347 يظهر علامات استيقاظ الذاكرة. قد نحتاج إلى جلسة أخرى." عندما غادرت، فتح عينيه. الدموع كانت تسيل على خديه. هو ليس مريضاً. هو سجين. وسارة... من تكون سارة؟ ولماذا يجب أن يبحث عنها؟ الجزء الأول من الفصل الأول - سيستمر الفصل في التطور مع اكتشاف عمر للمزيد من الأسرار...