الفصل السابع والثلاثين:
كان زين واقف جنب العربية، بيبص حوالين الجامعة اللي بدأت تفرغ من الطلبة واحدة ورا التانية. الجو بقى هادي، بس قلبه لأ، كان بيخبط بعنف جوه صدره.
خرج من العربية للمرة التالتة، لافّ حوالي السور، عينيه بتدور في كل اتجاه على ربى. لا ليها أثر. لا صوتها، ولا حتى ظلها.
رجع تاني للعربية، فتح الباب وقعد، مسند ضهره على الكرسي، ومد إيده على الدركسيون وهو بياخد نفس عميق.
القلق كان ماكل قلبه حرفيًا، وكل دقيقة بتعدي كانت بتزوده نار.
قال لنفسه بصوت واطي
"مستحيل تكون لسه جوه… الكل خرج!"
بص في الموبايل اللي في إيده، وإيده التانية بتترعش خفيف، وهو بيتمتم
"مش فاضل غير أتصل بالباشا… هو اللي هيقرر."
في نفس الوقت، في الدور العاشر من الشركة الكبيرة، كان ناجد قاعد في مكتبه الواسع. النور الأبيض بينعكس على مكتبه المرتب، وقدامه كوباية القهوة اللي كانت بردت من زمان.
ماكانش حاسس بحاجة، عينه كانت غارقة في شاشة اللابتوب، وصوته الوحيد اللي مالي المكان هو كليك المفاتيح
وشه جاد جدًا، ملامحه حادة كعادته، وكأنه في حرب مع الأرقام والملفات.
بعد فترة، رفع نظارته بإيده، مسح عينيه بتعب، وقال لنفسه بهدوء خافت
"كفاية شغل كده… دماغي ولعت."
ماكملش دقيقة، إلا والموبايل رنّ.
بص على الشاشة
زين.
فتح المكالمة بسرعة، وصوته كان ثابت كالعادة
"أيوه يا زين؟"
جاله صوت متردد من الناحية التانية
" باشا… الست ربى ماخرجتش لحد دلوقتي."
ناجد سكت ثواني، عينيه ضاقت شوية، وصوته نزل بنبرة مريبة
"يعني إيه؟"
واضاف
" يمكن خرجت وانت ماخدتش بالك… روح شوف بيتها، يمكن راحت هناك."
زين بسرعة
"تمام يا باشا أنا رايح حالًا."
قفل الخط.
وناجد بص في الفراغ ثواني، بعدين قام من مكانه، سحب الجاكيت بحركة سريعة، وكان على وشك يخرج من المكتب.
كله كان واضح عليه القلق، رغم إنه بيحاول يخفيه كعادته.
تمتم وهو بيكلم نفسه
"المشاكسة دي… كل يوم لازم مصيبة."
بس قبل ما يمد إيده على مقبض الباب… الموبايل رنّ تاني.
رسالة.
فتحها.
وفي لحظة، اتجمد مكانه.
صورة.
ربى… مقيدة في كرسي.
وعنوان مكتوب تحت الصورة.
عنوان يعرفه هو كويس ...
العنوان اللي اغلب المبادلات السرية للبضايع كانت تقام فيه في وقت ابوه وفي وقت هشام لما كان شغال هناك.
ده نفسه المكان اللي انطرد فيه .
واللي بعت الرسالة… من رقمها.
عيونه اتسعت درجة و وشه تغير تمامًا.
كل هدوءه اختفى.
اللي حلّ مكانه غضب بارد، مرعب، متفجر من جوه.
شدّ نفسه، وصدره ارتفع بانفعال مكتوم، وإيده قبضت على الموبايل بقوة كأنه هيكسره.
تمتم بصوت واطي جدًا، مليان غليان
"هشام…"
ثواني وكان خارج من مكتبه بخطوات سريعة، وشكله لوحده كان كفيل يخلي أي حد يبعد من طريقه.
وشه اتقلب
من البرود اللي متعودين عليه، لوش قاسي، عينيه سودة، ملامحه نارية.
السكرتيرة حاولت تقوله حاجة، لكن نظرة واحدة من ناجد كانت كافية تسكّتها.
الباب اتقفل وراه بعنف، كأن العاصفة خرجت من الشركة وراحت تدور على فريستها.
_______
في نفس الوقت…
كانت ربى بتفوق ببطء، كأنها طالعة من بحر غريق.
دماغها بتوجعها، وجفونها تقيلة، وكل حاجة حواليها ضباب.
حاولت ترفع راسها، بس حسّت بحاجة بتشدّها من ورا.
ساعتها، استوعبت الكارثة.
إيديها متربطة ورا الكرسي…
ورجليها متكتفة…
والمكان حواليها ظلمة نصها رمادي، ريح بتخبط في شباك مكسور، وريحت تراب ورطوبة خانقة.
عينيها بدأت تلفّ في المكان، ووشها بيلف معاها بخوف، وهي تهمس
"إيه ده… أنا فين؟!"
صوتها كان متقطع، كأن الحنجرة نفسها لسه فايقة من غيبوبة.
فضلت تفكر دقايق، عقلها بيرجع الورى بسرعة…
آخر حاجة فاكرها إن بنت كانت جاية تسألها عن حاجة بسيطة ...
بعدها كل حاجة سَوَدّت.
شهقت وهي تهمس
"يا ربِّي… البنت دي كانت فخ!"
قبل حتى ما تستوعب أكتر، سَمِعت صوت خطوات تقيلة، بتقرب منها واحدة واحدة.
صوت الجلد اللي بيخبط في الأرض.
كل نبضة في قلبها كانت بتتعدى عدد الخطوات.
حاولت تتحرك، الكرسي اتحرك معاها صوت خفيف.
الباب الحديدي اتفتح ببطء…
وصوت صريره جمد الدم في عروقها.
ولما شافته…
جسمها كلّه اتشنج.
هشام.
ماشي بخطوات ثابتة، عينيه ثابتة عليها، ملامحه هادية… بس الهدوء ده كان يخوف أكتر من أي صريخ.
ربى بلعت ريقها بالعافية وقالت بصوت مهزوز بس فيه عصبية مصطنعة
"إيه ده؟! إنت جبتني هنا ليه؟ إيه اللي بيحصل؟!"
ماجاوبش.
فضل يبصلها وهو بيقفل الباب وراه، لحد ما وصل قدامها.
ابتسم ابتسامة خفيفة، بس كانت أقرب لابتسامة شيطان من إنسان.
قعد قُرفصاء قدامها، قريب جدًا، لدرجة إنها شمّت ريحة العطر اللي كانت تكرهه.
قال بنبرة هادية بشكل مرعب
"ماكانش قصدي أخوّفك يا ربى… اهدّي، كله تمام."
هي اتراجعت على الكرسي، عينيها مليانة رعب، بتحاول تمسك نفسها عشان ما تبانش مرعوبة أوي.
بس جسدها خانها…
كانت بترتعش.
هز راسه ببطء وقال
"بس عندك حق… عندك حق تخافي."
ثواني، وتحولت نبرته لهدوء قاتل، ملامحه اتبدلت فجأة، بقى وش تاني تمامًا، قاسي، حاد، مجنون
"لإنك فعلاً المفروض تخافي… إنتِ خنتيني."
ربى فتحت عينيها بصدمة مزيفة
"إيه؟! خنتك إزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة أصلاً!"
صوته ارتفع لأول مرة، صرخة قوية خرجت منه خلتها تتجمد في مكانها
"بَطّلي تمثيل بقى!"
صوته كان زي السيف، قطع الهواء في المكان.
هي سكتت فورًا، مش قادرة حتى تتنفس من الخوف.
فضل يبصلها بثبات، صوته نزل نغمة واطية مليانة تهديد
كنت شاكك فيكي من الأول…
كل مرة ناجد بيتنقذ فيها في آخر لحظة… كنت بقول يمكن صدفة.
بس لا. مفيش صدفة في الشغل ده.
إنتي كنتي السبب."
ربى كانت بتتكلم بتوتر شديد
"أنا معرفش إنت بتقول إيه… معرفش! أنا… أنا ماعملتش حاجة!"
قرب منها تاني، وشه على بعد سانتي منها، وقال ببرود قاتل
"فاكرة نفسك ذكية؟
لا يا حبيبتي… إنتِ غبية جدًا.
غبية عشان دخلتي في لعبة أكبر منك بكتير."
عينيها بدأت تمتلئ دموع، قلبها بيخبط بشدة، وكل نفس بيطلع من صدرها متقطع.
قالت بصوت واهن، فيه رعب صافي
" طب هتعمل إيه؟… هتقتلني؟ ليه؟ إنت هتستفيد إيه من كده؟"
ضحك ضحكة صغيرة قصيرة، وبصّ لها كأنه بيشوف حاجة تافهة
"مش لازم أستفيد.
بس ناجد… هيتحرق.
وإنتي كمان هتتحرقي معاه."
اتسعت عينيها، ونزلت دمعة سخنة على خدّها.
بس رغم كل الخوف، لقت نفسها بتتكلم بصوت مرتعش بس فيه كِبرياء
"لو فاكر إنك كده هتحرق قلبه، تبقى غلطان.
يمكن يعيط عليا شهر، اتنين… وبعدين خلاص.
ناجد مايعرفش حاجة عني أصلاً. هو لسة فاكر اني بصفك انت "
هشام هز كتفيه كأنه بيتكلم عن حاجة عادية جدًا:
"مايهمنيش."
سكتت ربى، وصوت نفسها بقى مسموع.
كل ثانية كانت بتعدي كأنها ساعة.
وفجأة…
سمعت صوت عربية من بعيد.
صوت موتور بيقرب.
عينيها اتوسعت فجأة، وحاولت تصرخ بكل قوتها
" ساعدوني!!"
لكن هشام كان أسرع منها.
مدّ إيده بسرعة، خرج منديل من جيبه، حطّه على بُقّها وأنفها، ريحة غريبة نفّاذة ملأت أنفها، جسمها بدأ يضعف، تقاوم، عينيها بتتحرك بسرعة يمين وشمال، حاولت تصرخ تاني… بس الصوت اختفى.
نفسها بقى بطيء…
ودنياها سوّدت.
هشام وقف، بصّ عليها لحظة وهي فاقدة الوعي، وقال بصوت هادي جدًا كأنه بيكلم نفسه
'قلتلك تخافي… بس شكلِك ماخدتيش بالك الدرس ده هتعرفيه متأخر."
بعدين راح ناحية الباب، فتحه بهدوء، وخرج،
وساب وراه المكان كله ساكت…
إلا من صوت الباب الحديدي اللي اتقفل بعده، وصوت الموتور اللي بيقرب من بعيد…
كان ناجد.
اللي وصل وشاف آخر حاجة كان يتوقعها .
دخان بيطلع !
______
كان ناجد بيجري بأقصى سرعته، خطواته بتخبط في الأرض الترابية حوالين المصنع القديم، وصدره بيعلو ويهبط بسرعة.
الدخان كان باين من بعيد، أسود وغليظ، طالع من الشبابيك المكسّرة.
صوته وهو بيكلم نفسه كان مليان خوف وغضب
"يا رب… يا رب ما يكونش اللي في دماغي صح… يا رب ما يكونش المجنون ده عملها!"
دفع باب المصنع بغلّ، الباب صرخ صرخة حديد وهو بيتفتح.
الدخان كان مالي المكان، حرّ خانق، والنار بدأت تاكل أطراف الأخشاب القديمة.
دخل وهو بيغطي بُقه بإيده، بيبص حواليه بعينيه اللي بيحاولوا يخترقوا الضباب الأسود.
صوته اتكسر وسط السُعال
"ربى!! ربى فينِك؟!"
ولما شافها...
وقف مكانه لحظة، كأن الزمن وقف هو كمان.
هي هناك... في نص المكان، قاعدة على كرسي حديد، إيديها متربطة وراها، راسها مميلة على جنب، وغايبة عن الوعي.
النار لسه ماوصلتلهاش، بس بتقرب، شراراتها بتطير حواليها زي وحوش صغيرة مستنية الفرصة.
صرخ
"ربى!!"
وجرى ناحيتها بكل اللي فيه.
ركع جنبها، بدأ يفك الحبال بسرعة، صوته واطي ومتوتر وهو بيهمس
"فوقي يا ربى، فوقي يا حبيبتي!"
إيده كانت بترتعش وهو بيحاول يفك وثاقها، كل ثانية كانت نار جديدة بتولع في حتة جديدة.
ماخدش باله للحظات …
إن الباب وراه اتقفل ببطء.
والقفل اتحرك في مكانه، بصوت مكتوم.
برا المصنع، هشام كان واقف، بيبص للنار اللي بدأت تكبر، ابتسامته سامة، وصوته واطي وهو بيقول
"فاكر لما رميتوني برا الشغل؟
فاكر يا ناجد اليوم ده؟
كنت هنا… في نفس المكان!
بس المرة دي… أنا اللي هرميك هنا.
إنت ومراتك."
ضحك ضحكة قصيرة، كلها سم، وقال بسخرية
"موتة هنيّة يا مغراوي "
وبعدها مشي، ساب النار تاكل المكان والهوى يصرخ جواه.
جوا المصنع، ناجد كان لسه بيحاول يصحي ربى.
بدأت تتحرك، صوتها ضعيف جدًا وسط السُعال
"نا… ناجد؟ إيه اللي بيحصل؟"
مسك وشها بإيده، صوته مليان قلق وهو بيقول بسرعة
"إنتي كويسة؟ عمل فيكي حاجة؟"
ربى بالكاد قدرت تفتح عينيها وقالت
"هو… هو في إيه؟ النار دي…؟"
ناجد شدّها من إيدها بخفة وهو بيقول بسرعة
"ماتخافيش، هخرجك من هنا، متقلقيش."
بس كانت ضعيفة جدًا، جسمها تقيل من أثر المنوّم اللي استخدمه هشام.
هو سحبها برفق، حاطط دراعه ورا ضهرها، وهي بتحاول تمشي بخطوات مهزوزة.
قالت بصوت متقطع وهي بتكحّ
"ده… ده هشام… هو اللي ولّع، أنا… سمعته بيقول… هيحرقنا…"
عينها اتسعت وهي بتكمل
"كنت فاكرة بيتكلم مجاز!"
ناجد بص ليها بوجع، بس مفيش وقت.
الدخان بدأ يملأ المكان، حرارته بتلسع الجلد، وصوت الخشب اللي بيتهبد بالنار مرعب.
هو بيبص ناحية الباب الحديد اللي قُفل، اتصدم ، هو سابه مفتوح ! حاول يفتحه برجله الأول، بعدين بدأ يخبط عليه بكتفه بقوة.
كل مرة بيخبط فيها، الحديد بيرتجّ، بس مابيتفتحش.
ربى كانت بتكحّ بشدة، دموعها نازلة من ريحة الدخان، صوتها متقطع وهي بتنادي
"ناجد… ناجد كفاية… "
بصّ لها، صدره بيطلع وينزل بعنف من التعب، وقال بصوت غاضب ومرعوب
"لازم يتفتح! مش هنموت هنا!"
بص حواليه بسرعة، عينيه بتدور على أي حاجة ممكن تساعده.
وفجأة لمَح عصا حديد واقعة ناحية الجهة التانية… بس النار حوالين منها.
قال بسرعة
"استني هنا! متتحركيش! هجيبها وأفتح الباب بيها!"
ربى غطت بُقها بكمّها وهزت راسها بالموافقة.
هو لفّ سترته على بُقه، وبدأ يجري بسرعة ناحية العصا.
الحرّ كان بيقرّب منه، الشرارات بتطير على هدومه، بس هو مكمل.
مدّ إيده، وفي اللحظة دي…
من فوق، قطعة خشب محترقة كانت بتقع بسرعة!
ربى صرخت
"ناجد!!"
وجريت بكل اللي فيها، دفعتُه بعيد في آخر لحظة.
القطعة وقعت على ذراعها.
صرخة وجع مكتومة خرجت منها، وهي بتعض على شفايفها عشان ماتصرخش.
ناجد اتلفت، وشافها ماسكة دراعها ووشها أبيض.
صرخ فيها بخوف
"ربى!! دراعك!!"
قالت وهي بتحاول تتنفس وسط الوجع
"مايهمش! هات العصا بسرعة!"
هو جرى للعصا، مسكها بقوة، ورجع ليها بسرعة.
رما سترته على راسها وهو بيحميها بجسمه من الشرارات.
صوته واطي وهو بيهمس
"خلي وشك لتحت، متبصّيش للنار… أنا معاكي."
كانت بتحاول تمشي وهو ساحبها، كل خطوة بيقربوا بيها من الباب.
بدأ يضرب الباب بالعصا بكل قوته، الحديد بيصرخ تحت ضرباته، والعرق بينزل من وشه رغم الحرارة.
ربى ورا منه، عينيها بتدمع من الدخان، وبتكحّ بشدة، بس ماسكة في دراعه كأنه حبل نجاتها.
صوت النار بيزيد، والهواء بيترجّ من سخونته.
ومع كل ضربة، بيقول بين أسنانه
"مش… هسيبك… هنا."
_______
الدخان كان مالي المكان كله، ريحة الحريق خنقت الجو، والحرّ بقى كأنه جهنم مفتوحة.
ناجد عرقه بينزل على وشه زي المطر، كل نفس بيخده بيحس إنه بيولع جوه صدره.
مسك نص العمود اللي اتكسر، بيخبط بيه في المفصلة الحديد، ووشه متجهم، صوته بيطلع متقطع من كتر الكحة
"افتح … افتح!"
كل ضربة بتخلي الحديد يرنّ، بس الباب مايتحركش.
الباب ده مش عادي… الباب ده من النوع اللي اتعمل مخصوص لعيلة المغراوي، أيام ما كانوا بيخزّنوا فيه حاجات محدش يعرف عنها حاجة — باب ضد الرصاص والحرائق، يتقفل من بره بس.
عارف إنه صعب، بس ماينفعش يستسلم.
ورا منه، ربى كانت بتحاول تفضل واعية، بتحاول تقوم، بس رجليها مش شايلة جسمها.
سقطت على الأرض، والرماد طاير حواليها.
ناجد ساب العمود ورجع بسرعة، حط إيده تحتها وشالها وهو بيقول بصوت مخنوق
"استحملي… استحملي يا ربى، خلاص قربنا، هخرجك من هنا "
بس ربى بصّت له، ودمعة نزلت من عينها وسط السواد اللي مغطي وشها.
قالت بصوت واهي، بيتكسر من كتر الألم والسُعال
"ناجد… أنا آسفة."
هو بص لها بسرعة، ملامحه اتجمدت، كأن الكلمة ضربته في قلبه.
"بتقولي إيه؟ "
لكن هي كملت، حتى وهي بتنهج، كل كلمة كانت بتطلع بالعافية
"أنا السبب… أنا اللي خلّيتك تفتكر إني معاه… وأنا اللي خلّيت هشام يعرف إني معاك… كنت غبية… تصرفت من غير ما أفكر… كل اللي حصل ده… ذنبي أنا."
ناجد قاطعها بعصبية، صوته اتكسر وهو بيقول
"كفاية كلام! مش وقته الكلام ده يا ربى! "
بس هي ابتسمت ابتسامة ضعيفة، ابتسامة فيها وجع وخوف، وقالت بصوت واهي جدًا
"طب لو ما اتكلمتش دلوقتي… هاتكلم إمتى؟ مش عايزة أموت وأنا ساكتة، مش عايزة تفتكرني غلط."
الكلمة الأخيرة خلت عينيه تلمع، بس مش من الدخان المرة دي.
خد نفس عميق، رفعها شوية بإيده التانية، غطاها بجاكتُه وقال بحزم
"هنتكلم بعدين، فاهمة؟ بعدين لما نطلع من هنا. مش هتموتي هنا، ولا أنا هسيبك تموتي. خلّيكي معايا بس."
رجع بسرعة للباب، ماسك نص العمود الحديد، بيخبط بيه بكل قوته، الشرر طاير من الحديد وهو بيصطدم بالمفصلة.
كل ضربة بيقول بعدها بين أسنانه
"مش… هسيبك… تموتي… هنا!"
ربى كانت بصاله، عينيها بتقلّ، ووشها بقى شاحب.
ابتسمت تاني ، ابتسامة صغيرة، فيها استسلام، كأنها بتودّع الدنيا.
قالت بصوت خافت جدًا، شبه همسة
" بحبك ...من كل قلبي ...بس فشلت اني احميك ..."
وبعدين، راسها مالت على جنب، وجسمها ارتخى في مكانها.
غابت عن الوعي تمامًا.
ناجد بص لها، صرخ اسمها بأعلى صوته
"ربى!!"
بس مافيش رد.
نفسه بقى متقطع، صوته راح، بس لسه بيحاول.
بيخبط، بيخبط، بيخبط، كأنه بيقاتل الموت نفسه.
وفي اللحظة اللي كان هيقع فيها من التعب، سمع صوت بعيد ، صفارة عربية إطفاء، وصوت ناس بتزعق.
عينيه اتسعت فجأة.
"أيوه… أيوه … أخيرًا!"
هو كان عارف… عمره ما يدخل وكر ثعلب زي هشام من غير خطة.
كان مبلغ رجالته واولهم ايوب قبل ما يتحرك، محدد الموقع، بس ماكانش متوقع إن هشام يولّع المكان بالسرعة دي او يعمل حاجة زي دي
الخطة اتأخرت… بس وصلت.
ضوء أزرق بدأ يبان من الشبابيك المكسّرة، وصوت حد بيصرخ من برّه
" ياباشا ...انت فين ؟! "
ناجد رفع صوته بصعوبة، وهو شايل ربى في حضنه
"هنا!! أنا ومراتي جوّه!! الباب مقفول من برّه!"
صوته خرج مبحوح، لكنه واصل.
الناس برا بدأت تكسر الباب من الجهة التانية، وصوت الحديد وهو بيتفتح كان أحلى موسيقى سمعها في حياته.
ولما الباب أخيرًا اتفتح، أول حاجة شافها كانت لمبة قوية ونور الشارع اللي دخل على وش ربى، والهواء النضيف اللي دخل على صدره بعد طول خنقة.
وقع على ركبته، ماسكها بإيده، وصوته بيترجّف
"استحملي يا ربى… خلاص، خلصنا."