ذاكـرة النـور
كانت نيرفا هادئةً على نحوٍ غريب بعد ليلة الظل.
الهواء صار أخفّ، والأفكار تسير في الشوارع ببطءٍ مطمئن،
كأن المدينة بأكملها تتأمل نفسها بعد نوبة بكاء طويلة.
لكن شيئًا في هذا الهدوء كان مريبًا.
كنت أشعر بأن النور نفسه يخفي شيئًا،
كأنه يتذكّر ما لا يريد أن يقوله.
في صباحٍ رماديٍّ باهت، استدعاني العارف الأول إلى قاعة الحُراس.
دخلت المكان، فرأيت الدوائر المضيئة على الجدران تتحرك ببطءٍ شديد،
وفي وسط القاعة كانت تقف ليورا تحمل بلّورة صغيرة،
تشبه قلبًا من الزجاج ينبض ضوءًا ضعيفًا ومتقطعًا.
قال العارف الأول بصوته الرخيم:
– ما تحمله ليورا هو ما تبقّى من “ذاكرة النور”.
اقتربتُ، وقلت:
– ذاكرة النور؟
– نعم. إنها سجلّ نيرفا الأول… حين وُلد النبض، قبل ألف دورة.
– من الذي كتبه؟
– لم يُكتب، بل حُفِر في الضوء نفسه، على يد أول زائر من عالمك.
تجمّدت.
– من العالم البشري؟
– نعم. اسمه كان نائل.
لم أسمع بهذا الاسم من قبل، لكنّ ليورا همست:
– نائل هو أول من فتح البوابة بين الفكر والوجود.
كان عالِمًا في زمنٍ لم يعد أحد يذكره،
بحث عن معنى “الوعي”، حتى خرج من جسده دون أن يموت.
نيرفا لم تكن موجودة قبله،
كانت أفكاره التي لم تجد مكانًا في الأرض.
سألتها:
– وأين هو الآن؟
قال العارف الأول:
– لم يخرج من نيرفا قط.
بل أصبح جزءًا منها.
في تلك الليلة، حملت البلّورة وعدتُ إلى غرفتي.
وضعتها أمامي، وكان الضوء فيها يتنفس ببطءٍ كصدرٍ ينهض وينخفض.
حين لمستها بأصابعي، انفتحت أمامي صور لم أرَ مثلها من قبل —
لم تكن رؤى، بل ذكريات.
ذكريات النور نفسه.
رأيت نيرفا كما كانت في بدايتها:
فضاءً أبيض بلا أرضٍ ولا سماء،
وفي وسطه رجل يرتدي ثوبًا أسود، يجلس متأملًا أمام فكرةٍ تدور ككوكبٍ صغير من الضوء.
كان ذلك نائل.
سمعته يقول بصوتٍ هادئٍ، لكنه ممتلئ بالرهبة:
> “الفكر الذي لا يجد جسدًا… يصنع جسدًا من النور.”
وبتلك الجملة، خُلقت نيرفا.
في المشهد التالي، كان نائل يتحدث مع كائنٍ من الضوء.
كان الكائن يسأله:
– هل خُلقت لتبقى؟
فيردّ:
– لا، خُلقت لأتذكّر.
تلك الكلمة ظلّت تكرّر في ذهني طويلًا: أتذكّر.
كأن الوعي في نيرفا ليس إدراكًا جديدًا، بل ذاكرةٌ تُستعاد.
استيقظت فجأة، ووجدت البلّورة مضيئة بقوةٍ غير مألوفة.
ثم سمعت صوتًا خافتًا يخرج منها —
كان صوت نائل نفسه.
> “أيها القادم من الأرض…
لا تجعل النور يسجنك كما سجَنني.
إن النور، حين يكتمل، ينسى أنه كان ظلمة.
وستعرف يومًا أن الفكرة التي لا تُنطفئ… تُطفئ كل شيء حولها.”
ثم انطفأت البلّورة، وتحولت إلى رمادٍ أبيض،
كأنها أفرغت كل ما بقي بداخلها من زمنٍ بعيد.
ذهبت إلى العارف الأول في الصباح التالي، ورويت له ما حدث.
استمع بصمتٍ طويل، ثم قال وهو ينظر إليّ بعينين ثقيلتين:
– نائل لم يمت، يا آدم.
بل صار هو النبض نفسه.
كل فكرٍ يولد في نيرفا، يمرّ من ذاكرته.
وأنت… تشبهه أكثر مما تظن.
سألته بصوتٍ مبحوح:
– هل يعني هذا أن مصيري أن أتحول إلى ضوء؟
ابتسم ابتسامةً غريبة:
– لا أحد في نيرفا يصبح ضوءًا كاملًا دون أن يحترق.
في المساء، جلستُ مع ليورا قرب جسر النبض.
كانت المياه المضيئة تحته تسير كأنها تفكر.
قالت لي:
– أتعرف ما يخيفني؟
– ماذا؟
– أن نيرفا ليست عالمًا نعيش فيه، بل عقلًا يعيش بنا.
وأننا، حين نغادره… نعود إلى فكرةٍ نسيها أحدهم.
نظرتُ إليها طويلًا،
وشعرت بأن الضوء من حولنا صار حزينًا، كأنه يسمعنا ويفهم.
في تلك اللحظة، أدركت أن “ذاكرة النور” لم تكن مجرد ماضي نيرفا،
بل كانت مرآةً للمستقبل أيضًا.
فكما وُلدت من فكرٍ بشريٍّ واحد،
يمكن أن تنطفئ بفكرةٍ بشريةٍ واحدة كذلك.
رفعت رأسي نحو برج النبض البعيد،
وفي أعلاه، لمحـت ظلًا بشريًا واقفًا في النور…
لم يكن نائل، ولا أي من الحراس.
بل كان أنا.
> لأن في نيرفا، كل من يبحث عن الحقيقة…
يترك نسخةً من فكره في الضوء،
لتسأله بعد رحيله: من الذي كان يفكر حقًا؟