نــيـــرفـــا - الظـــل يفكــر - بقلم تقى - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نــيـــرفـــا
المؤلف / الكاتب: تقى
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الظـــل يفكــر

الظـــل يفكــر

لم يكن الصمت في نيرفا يشبه الصمت الذي أعرفه. في مدينتي، كان الصمت فراغًا… أما هنا، فالصمت مملوءٌ بالأفكار، كأنه محيط من همساتٍ لا تنتهي. منذ تلك الليلة التي رأيت فيها الظل الأسود فوق برج النبض، لم أعد أشعر بالسلام الذي كان يغمرني عند قدومي إلى هنا. كل شيء بدا كما هو… لكنّي كنت أسمع صوتًا صغيرًا في داخلي، صوتًا يشبهني، لكنه لا يتحدث مثلي. > "كل فكرة تُنير، تُنجب ظلًا." كنت أظنه مجرد صدى لما حدث. لكن الظل بدأ يكبر. كنت أمشي في أزقة نيرفا، أراقب الدوائر المضيئة فوق رؤوس الناس تتبدل ألوانها — من الأزرق إلى الذهبي، إلى الأبيض، ثم الرمادي. كل لونٍ هنا يروي قصة. الرمادي هو الخطر، لأنه يعني أن صاحبه يفكر دون إيمانٍ بما يفكر فيه. أن يكون عقله يعمل، لكن روحه غائبة. لم أكن أعلم أن دائرتي بدأت تميل نحو الرمادي. في ذلك الصباح، استدعاني العارف الأول. كان وجهه أكثر جدّية من قبل، وعيناه تلمعان كأنهما تعرفان ما أخفي. قال لي: – نيرفا تتحدث عنك، يا آدم. – عني؟ – النبض تغيّر منذ ظهورك. هناك أفكار سوداء تخرج من برج النور. – وهل تظن أني سببها؟ – كل فكرة تحمل صاحبها في داخلها. لا شيء يولد من العدم. صمتُّ طويلًا. كنت أودّ أن أقول له إنني لم أفعل شيئًا. لكن داخلي همس لي: > "بل فعلت. فكرتَ كثيرًا… دون أن تؤمن بما تفكر." في المساء، زارتني ليورا. كانت مختلفة. لم تعد ترتدي ثوب الحراس الأبيض، بل رداءً رماديًا يلمع في العتمة. قالت وهي تقترب مني بخطواتٍ بطيئة: – هل تشعر به؟ – بمن؟ – بالظل الذي يعيش فيك الآن. نظرت إليها بدهشة. – ماذا تعرفين؟ – أعرف أن نيرفا اختارتك لتختبرك. لكنك بدأت تُضعف النبض. اقتربت أكثر حتى شعرت بحرارة أنفاسها، وقالت بصوتٍ خافتٍ يشبه التنويم: – الظل ليس عدوّك يا آدم، إنه صورتك التي لا تريد أن تراها. في كل عقلٍ نيرفي، يولد ظلّ يراقبه. لكن عندما يتحدث الظل… تبدأ الفوضى. تلك الليلة، لم أستطع النوم. كل فكرة خطرت ببالي كانت تتحول إلى صورة أمامي، تعيش وتتحرك وتعود إليّ بنظرةٍ عاتبة. رأيت طفولتي، وحدتي، خيبتي الأولى حين لم يُصدّق أحد مقالاتي. رأيت نفسي على الجسر أكتب تلك الورقة التي بدأت كل شيء. ثم سمعت الصوت ذاته يقول من جديد: > "أردت أن تُفهَم، لا أن تفهم. ولهذا جئت إلى هنا." صرخت: – من أنت؟ فقال: – أنا فكرتك التي هربت منك. استيقظت على ضوءٍ أسودٍ يسيل على الجدران كالحبر. نيرفا كلها بدت وكأنها تختنق. دوائر الضوء فوق الناس انطفأت واحدة تلو الأخرى، والسماء الرمادية امتلأت بشقوقٍ داكنة. ركضت نحو برج النبض، وكانت ليورا هناك، تحاول حفظ التوازن حول البلّورة المركزية. قالت وهي تصرخ بين الضوضاء: – الفكرة المظلمة خرجت عن السيطرة! – ماذا أفعل؟ – عليك أن تواجهها في داخلك. إن ماتت فيك، تعود نيرفا للنور. أغمضتُ عيني وسط الفوضى. كان داخلي أشبه بحربٍ بين ضوءٍ خافتٍ وظلٍّ يبتسم بثقة. قال الظلّ لي: – لماذا تقاومني؟ أنا أنت. – أنت خوفي، أنت الشكّ. – وأنا الحقيقة التي تخاف منها. الفكرة التي لم تكتمل. تقول إنك تبحث عن المعنى، لكنك تخاف أن تجده، لأنك ستفقد نفسك بعده. كنت ألهث كمن يغرق في فكره. لكن شيئًا في داخلي بدأ يفهم. الظل لم يكن شرًّا، بل وجهي الآخر. إن أنكرته، كبُر. وإن اعترفت به، انطفأ. مددت يدي إليه. وعندما لامسته… أصبح الضوء أكثر صفاء. فتحت عيني فوجدتني أمام البلّورة. كانت تضيء من جديد. ونيرفا استعادت لونها الرمادي الهادئ، كأنها تنفّست بعد اختناقٍ طويل. قالت ليورا وهي تبتسم للمرة الأولى: – لقد واجهت ظلك، ولهذا لم تعد غريبًا هنا. – هل انتهى كل شيء؟ هزّت رأسها ببطء. – لا، الآن يبدأ كل شيء. لأن من يرى ظلَّه… يُطلب منه أن يرى ظلال الآخرين. ومن بعيد، سمعت صوت العارف الأول يقول: > "الفكرة التي لا تُشفى، تتحول إلى فكرٍ جديدٍ يبحث عن عقلٍ آخر." رفعت نظري إلى السماء، ورأيت فوق برج النبض دوائر من الضوء والظل تدور معًا. ليس النور وحده ما يُبقي نيرفا حيّة… بل التوازن بين النور الذي يفكر، والظل الذي يفهم.