تفكيــر ضــــوء
لم أكن أؤمن يومًا أن للأفكار وزنًا،
ولا أن الخيال قد يفتح بابًا إلى عوالم أخرى.
كنت أظنّ أن كل ما يدور في الرأس لا يتجاوز حدود الجمجمة،
حتى تلك الليلة التي سقط فيها كل ما ظننته حقيقة.
اسمي آدم ناصر.
عمري سبعة وعشرون عامًا.
أعيش في مدينة رمادية لا تعرف سوى الازدحام والصخب،
حيث تختنق الأفكار قبل أن تولد،
وحيث يُقاس الإنسان بما يملك، لا بما يفكر.
كنت أعمل موظفًا بسيطًا في قسم الإحصاء،
أقضي يومي بين أرقام لا تعني شيئًا،
وأعود إلى شقتي الصغيرة لأكتب على أوراق متناثرة جملًا لا يقرأها أحد.
كنت أكتب لأن الكتابة وحدها كانت تذكّرني أني ما زلت حيًّا.
في تلك الليلة، بعد يومٍ خانق، خرجت إلى ضفة النهر.
المدينة نائمة إلا من أضواء الإعلانات التي تبيع الوهم بلغةٍ براقة.
جلست على حافة الجسر، أراقب انعكاس تلك الأضواء على الماء،
وشعرت أني أنا نفسي انعكاس، بلا أصل.
أخرجت ورقة وكتبت عليها جملة واحدة:
> "ما قيمة الفكر في زمنٍ لا يفكر فيه أحد؟"
ثم رميتها في الماء.
لكن الورقة لم تغرق.
تعلّقت بالسطح كأنها ترفض الموت،
ثم بدأت تضيء بخفوتٍ غريب،
ضوء لم يكن ضوءًا… بل إحساسًا، كأن الفكرة اشتعلت فعلاً.
اقتربت أكثر.
الضوء اتسع، والماء صار مرآة من زجاج سائل.
سمعت همسًا يأتي من العمق:
> "أجبتَ السؤال قبل أن تسأله… والفكر لا يُلقى في الماء."
تراجعت بخوف،
لكن الجسر اهتزّ تحتي، والضوء ابتلع كل شيء.
استيقظت على أرضٍ لا أعرفها.
سماء رمادية تسبح فيها أنوار معلقة،
وأرض شفافة كأنها من زجاجٍ حيّ.
كان الهواء دافئًا لكنه ليس هواءً،
أشبه بتفكيرٍ خالص يملأ الرئتين.
رفعت رأسي فرأيت شيئًا لم أره من قبل:
الناس يسيرون حولي، لكن فوق رؤوسهم دوائر مضيئة تدور ببطء،
ألوانها تختلف من شخص لآخر — أزرق، ذهبي، رمادي باهت.
اقترب مني رجل يرتدي عباءة فضية،
وجهه خالٍ من التجاعيد، وصوته يخرج كأنه يُفكَّر لا يُقال.
قال بهدوء:
– مرحبًا بك، أيها القادم من أرض الضجيج.
– من أنت؟ وأين أنا؟
– أنا "العارف الأول"، وأنت الآن في نيرفا،
أرض الفكر النقي، حيث تُقاس الحياة بالوعي، لا بالزمن.
– و… كيف جئتُ إلى هنا؟
– جئت بفكرة. نحن لا نستدعي أحدًا، بل تُفتح الأبواب لمن يُفكّر بصدق.
تلفتّ حولي مأخوذًا بالدهشة،
لكن شيئًا في داخلي كان يشعر بالانتماء، كأن هذا المكان يعرفني قبل أن أعرفه.
قادتني امرأة صامتة إلى ساحة واسعة،
في وسطها برجٌ من الضوء، يتصاعد كنبضٍ عملاق.
قالت وهي تشير إليه:
– هذا هو نبض نيرفا،
كل فكرة تُولَد هنا، تُغذّي هذا النبض.
وحين يتوقف… تنتهي نيرفا.
– تنتهي؟
– نعم، نحن لا نعيش إلا ما نفكر. إن خمد الفكر، ماتت المدينة.
في تلك اللحظة،
سمعت في داخلي همسًا غريبًا، كأنه صوتي لكن من زمنٍ آخر يقول:
> "احذر يا آدم، فحتى في أرض الفكر… هناك من يسرق النور."
رفعت نظري إلى أعلى،
فرأيت ظلًا أسود يمرّ فوق البرج،
كأنه فكرة خبيثة تخترق السماء.
ومن هناك… بدأ كل شيء.