ظـلال في قلــب واحـد
لم تنم نوفا تلك الليلة.
كلما أغلقت عينيها، رأت وجه الرجل نصفه نور ونصفه رماد،
يبتسم وكأنه يعرفها منذ زمنٍ بعيد.
استيقظت على صوت الرياح وهي تصرخ في الخارج،
كأن السماء فقدت اتزانها.
خرجت من بيتها مسرعة،
فوجدت الناس يهرعون إلى الشوارع،
ينظرون إلى الأعلى لأول مرة منذ قرون.
الرماد في السماء بدأ يتراجع.
لكن خلفه لم يظهر الضوء...
بل ظلال سوداء تتحرك ببطء،
كأنها مخلوقات تبحث عن جسدٍ لتسكنه.
ركضت نحو إيلنار،
وجدته واقفًا فوق أطلال القاعة القديمة،
وجهه متجهم، وصوته مبحوح:
> "لقد انقسم النور يا نوفا... كما توقّعت."
> "ماذا تعني؟!"
> "كل نورٍ يولد، يخلّف وراءه ظِلًّا...
لكن ظلكِ لم يبقَ في الداخل، بل خرج إلى هذا العالم."
تراجعت نوفا، تنبض في صدرها فكرة مرعبة:
> "أتعني أن ذلك الوجه… هو أنا؟!"
هزّ رأسه ببطء.
> "نعم. إنه أنتِ… ولكن كما يراكِ الرماد."
---
في تلك اللحظة، سمعا صرخةً قادمة من ساحة المدينة.
ركضت نوفا وإيلنار،
فوجدا الناس يلتفون حول فتاة تشبه نوفا تمامًا،
لكن عينيها رماديتان، وصوتها مكسور كالهمس الميت.
قالت الفتاة بصوتٍ غريب، لا يشبه البشر:
> "أخيرًا التقينا يا نوفا... كم تأخرتِ."
> "من أنتِ؟!"
ابتسمت:
> "أنا أنتِ... الجزء الذي أُغلق حين اخترتِ النور."
---
الهواء تجمّد.
الرماد بدأ يدور حول الفتاتين في دوامةٍ هائلة.
إيلنار رفع سيفه النوريّ وهو يصيح:
> "نوفا! لا تقتربي منها، إنها تريد احتواءك!"
لكن نوفا لم تتحرك.
كانت تحدّق في عيني ظلّها،
ترى فيهما حزنها القديم، وحدتها، وذنبها.
قالت بصوتٍ متهدّج:
> "أنا لا أريد محوكِ… أريد فهمكِ."
اقتربت منها بخطوة،
فامتدّ بينهما خيطٌ من ضوءٍ وغمام،
صار النور والرماد يمتزجان حولهما،
يصنعان شكلًا جديدًا… قلبًا ذا لونين.
صرخ إيلنار:
> "توقفي نوفا! ستمحُكِ الظلال!"
لكن نوفا همست وهي تبتسم بدمعةٍ خفيفة:
> "ربما لا يولد النور إلا حين يعانق ظله..."
---
انفجر الضوء من حولهما كعاصفةٍ مقدسة،
تحوّل الرماد في السماء إلى رموزٍ تضيء،
وانقسمت المدينة بين من ركع خوفًا…
ومن بكى دون أن يعرف السبب.
حين انقشع الغبار،
كانت نوفا واقفة وسط الساحة،
لكن عينيها لم تعودا ذهبيتين…
كانت إحداهما من نور، والأخرى من رماد.
وإيلنار همس مذهولًا:
> "لقد أصبحتِ الاثنتين… النور والظلّ في جسدٍ واحد."
> وفي تلك اللحظة، لم تعد نوفا مجرّد فتاة… بل ميزانَ عالمٍ يحتضر. ⚖️