رمـاد يتنـفس
منذ تلك الليلة، تغيّر كل شيء.
الهواء في "آلثيـر" صار أثقل،
وكأن الرماد نفسه بدأ يتنفّس من جديد.
كانت نوفا تمشي بين الشوارع الرمادية،
تُراقب العيون الزجاجية للناس الذين لا يشعرون بشيء.
الوجوه باردة، الخطوات متشابهة،
كأن المدينة كلّها آلة لا تعرف سوى الصمت.
لكنها — ولأول مرة — كانت ترى شيئًا يتحرّك بين الغبار.
وميض خافت، يهرب من زاوية إلى أخرى.
ظنّته أول الأمر وهماً…
حتى سمعته يهمس باسمها:
> "نوفا..."
تجمدت في مكانها.
الصوت لم يكن بشريًا،
بل أشبه بأنينٍ يخرج من الرماد ذاته.
في الليل، جلست قرب النافذة تتأمل الضباب.
حينها رأت القطعة الذهبية من الحلم تظهر مجددًا —
تطفو أمامها كأنها تبحث عنها.
مدّت يدها، وحين لمستها،
انفتح أمامها مشهد آخر:
سماء حقيقية.
هواء دافئ.
وضوء ينزل من الأعلى،
لكنه ليس شمسًا، بل قلب يشتعل.
سمعت صوت المرأة النورية من جديد:
> "النور يذكرك، لكن الرماد يغار… احذري من من يحمل الظلال في صدره."
في اليوم التالي،
زارها جدّها إلدار في غرفتها، وجهه شاحب أكثر من العادة.
قال لها بصوتٍ مبحوح:
> "لقد سمعتُ أن الرماد يتحرك في الجنوب. شيءٌ ما استيقظ.
لا تقتربي من الأسوار، نوفا… الرماد هناك ما زال جائعًا."
لكن الفضول كان أقوى من التحذير.
وفي المساء، خرجت خلسة نحو الأسوار.
حين وصلت، وجدت الأرض تهتز بخفة.
الرماد بدأ يتجمّع…
يُشكّل شكلًا بشريًا من الغبار،
وعينين تشتعلان كالجمر.
قال الكيان بصوتٍ يملأ الفراغ:
> "أنتِ هي… التي تحمل الشرارة الأخيرة."
تراجعت نوفا وهي تلهث:
> "من أنت؟!"
ابتسم الكيان، وكان صوته كصوت ريحٍ في قبرٍ مفتوح:
> "أنا الرماد… وأنا من ينتظر سقوطك منذ ألف عام."
---
ركضت نوفا بكل قوتها.
الهواء خلفها كان يشتعل بالرماد الأسود،
والسماء بدأت تمطر غبارًا حارقًا.
حين وصلت إلى بيتها،
وجدت إلدار واقفًا عند الباب، كأنه كان يعلم.
قال لها بهدوءٍ غريب:
> "بدأت الحرب من جديد، نوفا…
الرماد يريد النور، والنور لا ينجو إلا بالتضحية."
وقبل أن تسأله ماذا يعني،
امتدت النار من يدها مرة أخرى —
لكنها لم تؤلمها هذه المرة.
كانت تشعر بالقوة… بالقَدر.
> وفي تلك اللحظة، فهمت نوفا أن الرماد لم يكن موتًا… بل وعدًا مؤجلاً.