نـبـض يشـبهني - عـودة النـبض - بقلم تقى - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نـبـض يشـبهني
المؤلف / الكاتب: تقى
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: عـودة النـبض

عـودة النـبض

السماء رمادية كأنها فقدت لونها، والأرض من تحتها لم تعد تُصدر صوتًا حين تخطو فوقها. كأن العالم نفسه يتنفس بصمت، ينتظر أن يرى ماذا ستفعل. كانت جوليا تسير بخطواتٍ بطيئة نحو الباب الحجري الذي ظهر عند ضفة النهر، باب لم يكن موجودًا قبل لحظات، منقوش عليه نفس الرموز التي كانت تراها دائمًا في أحلامها. في الوسط، دائرة منقوشة تشبه القلب، وفيها نبضة خفيفة تُضيء وتنطفئ. وضعت جوليا يدها فوقها، فانفتح الباب بصوتٍ يشبه تنفّس الأرض، وانسكب منه نورٌ ذهبيّ يغمض العينين من شدته. دخلت. الداخل لم يكن مكانًا عاديًا. كان كأنه قلبٌ ضخم، جدرانه تنبض ببطء، والضوء فيه يسري مثل الدم في العروق. في منتصف القاعة، كانت تقف أختها. لكن هذه المرة لم تكن طفلة، ولا انعكاسًا في مرآة. كانت نسخة مكتملة منها، بوجهها، وصوتها، ونظرتها، لكن بشيء مختلف في العينين — سكونٌ يشبه الليل. قالت جوليا بصوتٍ خافت: > "كنتِ هنا طوال الوقت… داخلي." ابتسمت أختها، ابتسامة مؤلمة: > "ولم تكوني ترينني إلا عندما تبتعدين عن نفسك." تقدّمت جوليا خطوة، شعرت بأن النبض في القاعة يتسارع. > "أريد أن أفهم… هل أنتِ أنا؟ أم شيء آخر؟" > "أنا الجزء الذي خفتِ أن تكونيه. أنا الغضب الذي دفنتِه، والحبّ الذي لم تكمليه، أنا الظلّ الذي خلقتِه حين اخترتِ أن تكوني نورًا فقط." > "لكنني لم أختر!" > "بل اخترتِ… منذ البداية، حين صدّقتِ أن أحدنا يجب أن يختفي ليعيش الآخر." --- اقتربت جوليا أكثر، حتى صار بينهما بضع خطوات فقط. قالت بهدوء: > "إذن أخبريني، كيف ينتهي هذا؟" مدّت أختها يدها نحوها، وقالت: > "بالاتحاد، أو بالفناء." > "وإن اخترتُ الاتحاد؟" > "سيبقى النبض واحدًا، لكن الذاتين ستذوبان معًا. لن تكوني جوليا، ولن أكون أنا… سنصبح شيئًا جديدًا." > "وإن اخترتُ الفناء؟" > "إحدانا ستموت، والأخرى ستعيش بذاكرة ناقصة إلى الأبد." صمتت جوليا لحظة طويلة. تذكّرت صوت أمّها، وصوت ريما، وكل ما رأت في المقبرة الزرقاء وفي الماء. ثم قالت ببطء، وهي تنظر في عيني أختها: > "تعبتُ من أن أعيش نصفًا. لا أريد أن أكون نورًا بلا ظلّ، ولا ظلًا بلا حياة. أريد أن أكون كاملة… حتى لو اختفيت." ابتسمت أختها ابتسامة دافئة هذه المرة، ولأول مرة بدا وجهها إنسانيًا، ناعمًا كنسمةٍ في الفجر. > "إذن تعالي… لنعد النبض إلى أصله." مدّت كل واحدة يديها نحو الأخرى، وحين تلامستا، انفجر النور في القاعة، نورٌ أبيض صافٍ، كأنهما تحوّلتا إلى خيطين من ضوءٍ يلتفّان حول بعضهما البعض. بدأت الذكريات تختلط: ضحكات الطفولة، ليالي الخوف، الحلم القديم، صوت النهر، صورة الأمّ، الكتاب الأسود، كلّها تجمّعت في لحظةٍ واحدة. ثم سمعَت جوليا صوتًا يشبه النبض العظيم — ليس في صدرها فقط، بل في كلّ شيء من حولها. نبضة واحدة. ثم ثانية. ثم سكون. حين فتحت عينيها، وجدت نفسها على حافة النهر من جديد. السماء زرقاء صافية، والضوء يتسلل بين الأشجار بلطف. لكنها لم تعد تشعر بثقل جسدها كما من قبل. كان هناك هدوء عميق في داخلها، كأن كل الأصوات التي كانت تتنازعها قد صارت نغمة واحدة. مدّت يدها إلى صدرها، النبض موجود. لكنّه لم يكن نبضها وحدها. > "نبض يشبهني… ويشبهها." ابتسمت بخفة، ثم مشت نحو الأفق، حيث كان الضوء ينتظرها كأن العالم بدأ للتوّ.