نـبـض يشـبهني - ذاكـرة المـاء - بقلم تقى - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نـبـض يشـبهني
المؤلف / الكاتب: تقى
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ذاكـرة المـاء

ذاكـرة المـاء

كانت المقبرة الزرقاء خلفها، لكنّ صدى الأصوات فيها ما زال يسكن أذنيها، كأن الأرواح لا تُريدها أن ترحل بعد. وقفت جوليا عند حافة النهر الذي يشطر العالم الرمادي، الماء فيه ليس ماءً… بل سطح حيّ، يعكس صورًا من الماضي والمستقبل في الوقت ذاته. أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى انعكاسها الذي أصبح الآن غير مستقرّ يتغيّر ملامحه كل لحظة بين وجهها ووجه أختها. > "هل كنتِ أنتِ… أنا؟" "كنتُ ما أردتِ أن تكوني." جاء الصوت من الماء، واضحًا كأن أحدًا يهمس من أعماقه. ركعت جوليا على ركبتيها، مدّت يدها تلمس السطح، فانفجر الماء حولها كمرآة تتشظّى إلى آلاف الصور، كلّ صورة مشهد من حياتها — ضحكتها وهي صغيرة، خوفها الأول، ليلة الحادثة، كلّ نبضةٍ كانت تخصّها، وكلّ نبضةٍ استعارَتها أختها منها. ثم ظهرت صورة أمّها، تبتسم والدموع في عينيها، تمدّ يدها نحو جوليا من داخل الماء، وتقول بصوتٍ ناعمٍ مبحوح: > "الماء لا ينسى، يا ابنتي… وكلّ روحٍ تُلقى فيه تعود يومًا لتسأل." تدفقت الدموع من عيني جوليا دون أن تشعر، وقالت وهي تحاول أن تفهم: > "أمي… هل كنتِ تعلمين كل هذا؟" > "كنتُ أحاول إنقاذكما، لكن اللعنة كانت أقوى من الحبّ. جعلتُكما تعيشان في عالمٍ لا يعرف الفرق بين الحياة والانعكاس… وها قد وصلتِ إلى النهاية، يا جوليا. الماء سيعيد إليك الذاكرة… لكنه سيأخذ شيئًا في المقابل." وقبل أن تسألها عمّا تعنيه، ارتفعت موجة ضخمة من النهر، ابتلعتها دفعة واحدة، وغرقَت جوليا في ظلامٍ باردٍ لا يُحتمل. لكنها لم تختنق… بل بدأت تتذكّر. كانت ترى نفسها رضيعة بين ذراعي أمها، وأختها إلى جوارها، تضحك وتبكي في آنٍ واحد. ثم ترى الكاهن، ذلك الرجل الموشوم، يضع يده على جبينها ويهمس بكلماتٍ غريبة: > "ليكن النور في الأولى… وليتبعها الظلّ في الثانية." لكنّ الأم صرخت فجأة، سحبت الطفلتين، ودموعها تختلط بالدماء. أقسمت أمام النهر أن توحّدهما بالحبّ كي لا تفترق أرواحهما، فسكبَت من دمها قطرة في الماء وقالت: > "إذا انكسر النبض، فليُعيده الماء." عند تلك اللحظة، فهمت جوليا. كلّ شيء يعود إلى الماء. إلى وعدٍ قديمٍ لم يُكمل. انفتح الضوء حولها من جديد، وصعدت من النهر كأنها تُولد للمرة الثانية. كانت ملابسها جافة، لكنها تشعر بخفّةٍ غريبة في جسدها. عندما نظرت إلى انعكاسها مجددًا، وجدت وجهين — وجهها، ووجه أختها، متداخلَين. سمعت الصوت نفسه، هذه المرة من داخلها: > "الظلّ لا يعيش دون النور… والنور لا يكتمل إلا إذا سامح ظلّه." ابتسمت، ودمعة ساخنة سقطت في الماء، فلمع النهر للحظة بلونٍ ذهبيٍّ خفيف، ثم عاد هادئًا كما كان. وقفت جوليا، شعورٌ غريب يملأها، قوةٌ هادئة لم تعرفها من قبل، كأنّ جزءًا من أختها عاد ليعيش فيها. > "الذاكرة لا تموت… لكنها أحيانًا تغفر." همست بالكلمات، وأغلقت الكتاب الأسود. على الغلاف، ظهرت فجأة عبارة جديدة لم تكن هناك من قبل: > "من سامح ظله… كتب له النور حياةً ثانية." كانت تعرف ما يعنيه هذا — أن رحلتها لم تنتهِ بعد. هناك بابٌ أخير، وقدر ينتظر أن يُختَم. نظرت إلى الأفق، حيث الضوء الفضيّ بدأ يتحوّل إلى فجرٍ هادئ. ابتسمت بخفوت، وقالت: > "الآن فقط… بدأ النبض يشبهني حقًّا."